; قضايا فكرية العدد 1285 " الصيام والعمران " | مجلة المجتمع

العنوان قضايا فكرية العدد 1285 " الصيام والعمران "

الكاتب هشام جعفر

تاريخ النشر الثلاثاء 20-يناير-1998

مشاهدات 66

نشر في العدد 1285

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 20-يناير-1998

قضايا فكرية

الصيام والعمران

قراءة في تفاعل الغيب والشهادة

● الهدف من الصيام إكساب الناس التقوى التي تمثل عماد العمران

● الصيام يغرس عالم الغيب في وجدان المسلم ليتحرك به فیعید صياغة عالم الشهادة ويحقق خيرية الأمة

بقلم: هشام جعفر(*)[1]

الإرادة والعزة والترفع وخشية الله، وطاعته كلها من جواهر الأسس التي تقوم عليها عملية العمران والتنمية في منظور الإسلام، فأي فعل لابد لتنفيذه من إرادة، والشارع - جل وعلا - أسقط المؤاخذة عمن تعرض للإكراه ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ . كما أنه لابد للأمة. أي أمة لكي تنهض من اعتزاز بنفسها، وهذه العزة وذلك الاعتزاز بالنفس وبالمرجعية شرط بالغ الأهمية لتحقق التنمية والتميز، انظر إلى الدول القوية اليوم وستجد أن لكل منها قومية أو مرجعية تعتز بها، تشترك في ذلك اليابان وألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة.. إلخ، كما أن الترفع لازمة تنموية، فكل مشروع طموح تكون به محظورات لابد من الترفع عن مقارفتها، فعلى سبيل المثال نجد الدولة التي تتجه نحو تبني إستراتيجية أساسها تصدير منتجاتها للخارج تعمل أو تتبنى الدعوة لتقليل استهلاك الداخل المحلي لمنتجاتها لتعظيم الفائض الموجه للتصدير، وهكذا، أما الخصلة الأخيرة - خشية الله تعالى - فخاصة بالإسلام وعقيدته وحضارته وتأثيراته في واقع الأمة المسلمة اجتماعيًا واقتصاديًا وثقافيًا، وحضور تلك الخصلة في تاريخ الأمة الإسلامية هو الذي جعل الدولة الإسلامية قوية مهابة بين صفوف الإمبراطوريات القائمة إبان ضحى الإسلام لما ورثته للمسلمين من إيثار ما عند الله - جل وعلا - على ما في هذه الحياة الدنيا.ومن ناحية أخرى نجد أن هذه السمات نفسها. الإرادة والعزة والترفع وخشية الله هي جواهر عبادة الصيام أيضا، وكأن الصيام هنا بمثابة المدرسة التي يعلمنا الله - جل وعلا - فيها مبادئ النماء وأسس التنمية، وهو ما أسهبت في توضيحه الكتابات حول الصيام وحكمته ومراد الشارع - جل وعلا - من تشريعه وانطلاقًا من مفهوم شمول العبادة نجد المسلم مطالبًا بأن يعد هذا المنهج الذي تعلمه من علاقته بربه جل وعلا إلى سائر حياته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وتلك إحدى أهم غايات وحكم ومقاصد تلك العبادات، فالمقصد منها أن تربط الخلق وأخلاقهم وسجاياهم وحياتهم جميعها بمنهج الله ومبادئه التي يربيهم عليها ويلقنهم إياها عبر عباداته تلقينًا عمليًّا، ومن هنا يتقاطع العالمان عالم الغيب وعالم الشهادة، ليدفعا معًا عجلة التنمية والبناء لدى الأمة المسلمة نحو حال أفضل ووضع أرقى والسؤال هنا هو كيف يتم هذا التفاعل وكيف ينتج آثاره على ذاك النحو الذي حول تلك الأمة من أمة مفككة الأوصال إلى أمة استوعبت دولتي الفرس والروم وحضارتيهما معًا في ثمانين عامًا وحسب، وهما الدولتان اللتان بنيتا حضارتيهما في مئات السنين، وكان لهما من المجد ما لهما ؟! وبصيغة أكثر تخصيصًا ماذا في المناهج العبادية الربانية من عبر يعتبرها أولو الألباب ويلتمسها أولو النهى في إعدادهم لتنفيذ أوامر الإعمار التي أمرهم الله - جل وعلا - بها ؟! وبصيغة أكثر تخصيصًا تتساءل عن العلاقة بين الصيام والعمران، وبين الصيام والتنمية باعتبار الصيام أحد أهم العبادات في حياة المسلم إذ اختصه الله -جل وعلا- لنفسه وتفرد بالمجازاة عليه خير الجزاء هذه المكانة السامقة لتلك العبادة العظيمة استدعت هذه الوقفة.

المسلم علاقة خاصة

ما الرابط بين جوهر الصيام كعبادة وبين السلوك الحياتي للمسلم إجابة هذا السؤال نجدها في تلك العلاقة الخاصة التي تربط المسلم بربه، والتي تكمن في تفاعل الغيب والشهادة في قلب المسلم صحيح الإسلام.يقول الله تعالى ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ (البقرة: ٣) ويقول ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَهُم مِّنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (الأنبياء: 49) ويقول ﴿ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ (الحج: ٣٥)، ويقول ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ (المؤمنون: 57) ما سبق كله آيات قرآنية كريمة تناولت ذلك السر الكامن وراء طفرة القرون الثلاثة الأولى، ذلك الدافع الذي وصل بهذه الأمة إلى تلك المكانة السامقة التي ارتقتها. والمنزلة الرفيعة التي نزلتها، ولا تزال آيات القرآن تحفل بالمزيد من هذه الآيات التي تشير إلى مثل هذا السر وتلك العلاقة الخاصة بين المسلمين وربهم. لقد اعتمدت حضارة الإسلام وفلسفة بناء الشرع فيه على تلك العلاقة الخاصة التي تربط المسلم الحق بربه الحق، وتلك العلاقة لها ظاهر وباطن، وما يهمنا هنا هو باطن تلك العلاقة، أي ذلك الحضور الإلهي في نفوس عباد الله الصالحين، ذلك القبس الذي يقذفه الإسلام في قلب المسلم الحق، فيحض المسلم على مراقبة ربه فيما يكسب من أفعال، ويراقب أفعاله وسائر كسبه في ضوء التشريع الذي حفل به القرآن سواء في آيات أحكامه أو آيات أخلاقه أو حتى قصصه بما تتضمنه من الإشارات للآداب والفضائل والضوابط السلوكية والاعتقادية ومن الاعتبار بأوجه القصور في عقائد وأخلاق وكسب الأمم السابقة، ومن هنا بدأ الإسلام فعله في القلوب والعزائم والإرادات، وكانت أهم وسائل التربية الإسلامية هي الصوم بما يرسيه من دروس في نفس الصائم على نحو جعل الله -تبارك وتعالى وهو بحكمته أعلم- يجعل الصيام لذاته العلية وهو يجزي به.

تعلموا ترك المباحات

ولقد كان في قصص صحابة رسول الله rعبرة لقد خلصهم الصيام لربهم وعلمهم ذلك التجردله من الدنيا وسائر متاعها ورشد من تطلعهم إلى زهرة الحياة الدنيا وزينتها، فلم يغتروا بها ولم تستولِ على قلوبهم. وها هو ذلك الصحابي الجليل رِبعي بن عامر t الذي أوفده المسلمون مبعوثًا لرستم قائد جيوش دولة فارس، دخل عليه الصحابي الجليل فرآه يرفل في أبهته وزينته ويرتع في سرَّاء من العيش تذهب بالعقول، والجند والعبيد من حوله له راكعون هل يقدر على الاستعلام على هذا النعيم والإعراض عنه سوى قلب اعتاد من التربية ترك المباح من الضروريات طاعة الله ورسوله؟ ولعل في مثال خالد بن الوليد رضي الله عنه في فتوح الشام دليل آخر على فعل الصيام وأثره، فهذا خالد يرفض عرضًا من جيركه، قائد الروم بخراج وكسوة دائمين لكل من بالجيش من جنده، علاوة على وضع خاص لقائد الجيش ولأمير المؤمنين، فيرد عليه خالد بالرفض مصرًا على الفتح، وكم من دولة قبل الإسلام صانعت الفرس والروم على أقل من ذلك الذي عرضه جيركه على خالد، وتلك إمارات الغساسنة واللخميين وآثارهم تشهد بالخضوع لتلك الدول المجرد اكتساب جاه التحالف، ولا يفعل في قلب خالد مثل ذاك الفعل سوى الصيام والتجرد لله. وانظر في ثنايا تلك الأمثلة إلى العلاقة بين الصيام وبين نماء وتوسع وقوة الدولة الإسلامية في ذلك الحين، لقد ارتبطت تلك المواقف المعرضة عن زينة الدنيا بعملية الفتوح، وكان الفتوح لم تكن لتتم بهذه الصورة العظيمة وفي مثل ذلك التوقيت الضئيل إلا بفعل تلك العلاقة الخاصة بين الله وعباده، وفي صلب ذاك المشهد يقبع الصيام كوسيلة رحمانية لعلو الأمة ورقيها وتنميتها إذا ما فهمت الأمة مقصده حق الفهم، وأدت تكاليفه حق الأداء. واستلهمت حكمته حق الاستلهام، فالصائم يخلو إلى نفسه حيث لا رقيب معه عليها إلا الله، واستكمال الصوم وتحققه دلیل حضور نور الله في القلوب وتمكن خشيته من وجدان المسلم، وهذه المراقبة الذاتية وذلك الإحساس الجواني بمعية الله U وعلمه وسمعه وبصره هما المعول عليهما في خلق إرادة العلو واستنفارها من داخل قلب العبد المسلم، وهي تلك الإرادة التي أنقذت نفوس المسلمين ومن بينهم ربعي بن عامر وخالد بن الوليد من الانكسار أمام حضارة فارس ورومية على ما لف هاتين الحضارتين من زينة وازدهار وعلو.كما أن التحرر من ربقة الدنيا وأسر الشهوات، وهي الفائدة المتحصلة مباشرة من الصيام بما يعنيه من إمساك عن كل ما اعتبره الله Uمن المفطرات هذا التحرر كفيل بالحد من كثير من المؤثرات التي تؤثر في المسلم من آثار الدنيا، كسائر الاحتياجات الاستهلاكية التي برعت في تأديتها حضارة التزيين الغربية فالحضارة الغربية لأنها حضارة مادة كان همها تحسين وتجميل هذه المادة بدءًا من استهلاك الشهوات من السلع والإنسان والخدمات.. إلخ، ولم تربط هذه المواد بمرجعية تحدد ما يضر المجتمع وما ينفعه، ومعلوم أن المجتمع العفي يسبق، وأن المجتمع الذي نخرت فيه آفات الحياة قد يعلو قليلًا، لكنه ما يلبث أن يهوي عندما تهترئ أوصاله، هذا فضلًا عما تسببه الحاجة إلى الاستهلاك الشره من أمراض اجتماعية أولها تقطع الأرحام وآخرها الجريمة، من هنا جاء الصوم ليؤكد أن ملء البطون والأفواه وإشباع الغرائز والرغبات ليس الغاية التي يتغياها الإنسان، بل هي وسائل عيش يمكن للإنسان أن يقلل من أهميتها في حياته ويهمشها وينصرف عنها أغلب الوقت، وأن مراد الله من الإنسان في الدنيا أن يحيا حياة طيبة، تصلح حاله، وحال من حوله، هذه الحياة الطيبة هي عماد التنمية المسلمة (العمران) تلك الحياة الطيبة تعني مراعاة تقوى الله مع وفرة الإنتاج وعدالة التوزيع، أي تحقيق تمام الكفاية لكل فرد مع سيادة الأمن الشامل في المجتمع، وهذه الحياة الطيبة هي البديل الذي يقدمه الإسلام الحياة الاستهلاك والرفاهية والترف الغربية والتي يقابلها ظلم وفقر وجريمة في المجتمعات الغربية نفسها من الناحية الأخرى فالإسلام بذلك التحرر الذي يحدثه يعدل وضع وترتيب الأولويات التنموية - العمرانية، حيث يتمسك بتلك الحياة الطيبة في مواجهة تعظيم الاستهلاك، ويعمل على تقديم مقاصد الآخرة الباقية بما تتضمن من نفع وإحسان وإعمار دنيوي على المقاصد الدنيوية البحتة التي تتجاهل القيم والتراحم إذا ما تمسك الإنسان بها لذاتها كمقاصد الربح والمنفعة وحدهما من دون مرجعية ضابطة، وهذان المفهومان هما اللذان جرا الويلات على البشرية أجمعها بما في ذلك أبناء الحضارة الغربية أنفسهم، فهذا التعديل في الوجهات والأولويات التنموية بالغ الأهمية في ضبط مسيرة تنمية الأمة بدلًا من أن تنحرف نحو وجهة دنيوية بحتة فتزل كما زلت الأمم من قبلها .

الصيام والعادات التنموية

 وإلى جانب خلق إرادة التنمية وعلاج روح الانكسار الحضاري أمام الحضارات المستكبرة غير الإسلامية سواء كانت قديمة كحضارة الفرس أو حديثة كالحضارة الغربية أو معاصرة كحضارة الاستكبار الأمريكي المستند للمادية الغربية، إلى جانب هذا كله يقف الصيام كأداة فعالة لإكساب العادات التنموية لعموم أفراد الأمة. فالعادات التي يعتادها الإنسان: قد يصل تمسكه بها بعد حين من الزمن إلى درجة الأسر عادات الطعام والشراب والنوم، بعضها مفيد والبعض الآخر ضار ويأتي الصيام ليغير هذه العادات ويكسر جمودها ويزيد من استعداد الناس لاكتساب عادات جديدة سواء كانت معيشية حياتية أو كانت عادات إنتاجية، فأحد أهم متطلبات التنمية يكون في بعض الأحوال اكتساب الناس عادات اقتصادية أو إنتاجية جديدة، فبعض اشتراطات التنمية قد تتمثل في الحاجة إلى التحكم في العرض والطلب الاقتصاديين، فالانتقال إلى تطبيق نظرية الإنتاج من أجل التصدير، هو أسلوب تنموي يستلزم تعويد الناس عدم الإسراف إن لم يكن التقليل من استهلاكهم المحلي من أجل زيادة عرض السلع في السوق الدولية، كما أن بعض متطلبات مكافحة التضخم (غلاء الأسعار المتزايد) يكون من خلال التحكم في الطلب أو العرض في أحيان أخرى، وتلك فائدة الصيام الذي يمكن أن يكون موسمًا لاكتساب تلك العادات الاقتصادية والإنتاجية والتنموية بشكل مباشر، فالصيام من ناحية التكليف المباشر بالإمساك يقوم بالتحكم في الطلب، كما أنه بحكم الورع يضبط جانب العرض أيضًا، وهذا الانضباط في الطلب والعرض يمكن اعتباره انضباطًا صارمًا لأنه صادر عن عزم الأفراد أنفسهم وليس من سلطة خارجية عنهم يمكن للأفراد مغافلتها إن أرادوا، وهذا من جديد هو جوهر العلاقة الخاصة بين الله وعباده والتي يتولى الصيام تدريب نفوس عباد الله عليها .

العوائد الاجتماعية للعبادات 

وبعض العلماء يرون أن حكمة الصيام تقف فقط عند مراقبة العبد الذاتية لربه في مقارفته لأفعاله وتنمية هذه المراقبة، وأن ماعدا ذلك من الأمور أو التماس الحكم الدنيوية للصيام هي أمور تفسد نية الصيام وتذهب بأجره، ومن ذلك استلهام المقدرات التنموية لعملية الصيام هذه، إلا أن القرآن والسنة دلَّا على جواز استلهام العوائد الاجتماعية للعبادات فالصلاة، مثلا، تنهى عن الفحشاء والمنكر، وهذان الصنفان هما من أخطر الآفات الاجتماعية، وكذلك الصيام يمكن الاستفادة منه اجتماعيًا.لقد ورد عن النبي الله rأنه دعا من لم يقدر علي مصروفات الزواج باللجوء إلى الصيام، فهو وجاء من العنت الذي يتعرض له الشباب بسبب عدم استطاعة الزواج، وهذا أمر يقلل المفاسد الاجتماعية التي تترتب على هذا العنت، وهو أمر يفيد في توفير مناخ صحي العملية العمران - التنمية وفق مفهوم الإسلامكما أن الرسول الله rقد روي عنه قوله: «صوموا تصحوا» وفي هذا المعنى إشارة إلى جواز الاستفادة من المردودات والعوائد الاجتماعية لهذه العبادة في تحقيق الصحة والسلامة الجسديين، ولا يخفى أيضًا ما في هذا الحرص على هذه الصحة وتلك السلامة من خدمة للمناخ العام للعمران، بل إن بعض مدارس التنمية تعتبر هذه الصحة من أهم مؤشرات التنمية ذاتها، حيث تصنف التنمية إلى عدة قطاعات منها قطاع التنمية البشرية.كما أن القرآن أشار إلى علاقة وثيقة بين الصيام من ناحية، والتنمية من ناحية أخرى ، ففي آية الصيام ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ  (البقرة:183) يؤكد الله - جل وعلا - أن الهدف من الصيام هو إكساب الناس التقوى وتعميقها في وجدانهم والتقوى كما نعلم هي عماد العمران أي التنمية من منظور دين الله الإسلام، فالعمران هو تحقيق الحياة الطيبة بالمعنى الذي أوضحناه سلفًا، وعماد هذه الحياة الطيبة التقوى في الإنتاج بالإتقان وبذل الجهد.والتقوى في عدالة التوزيع حتى لا يصبح في أمة الإسلام جائع ولا معوز والتقوى في كل عمل عائدها ولا ريب التجويد والتحسين والقيام بالأمر حق القيام، فإذا ما حسن التخطيط وفق التقوى، وحسن التنفيذ وفقها أيضًا فإن العمران بعد فضل الله هو المحصلة.وهكذا يستهدف الصيام غرس عالم الغيب في وجدان المسلم ليتحرك به، فيعيد صياغة عالم الشهادة الذي يحياه وفقًا له، ويتحقق هذا المراد وبالتحام الروح ومادة الإنسان هذا الالتحام الوثيق، يكون العائد بلا شك أمة ذات خيرية تسعى لتكون كما وعدها الله في كتابه خير أمة أخرجت للناس، هكذا يتعانق العالمان عالم الغيب وعالم الشهادة، معًا ليحيا الناس حياة طيبة محققين مقصد الله - جل وعلا - من الخلق والإعمار والعبادة من أجل ذلك استحق الصائمون أن ينفردوا بباب الريان في جنة الله ليدخلوا منه لا أحد سواهم.

رمضان وحضارة التزيين

رمضان يحيي معاني الاستخلاف في قلب المؤمن ويترك بصماتها على سلوكهيوحد الشعور المشترك بين أبناء الأمة ويدمج الغيب بالشهادة في توازن تتمتع الحضارة الغربية، التي يمثل فيها الحلم الأمريكي القمة والغاية النهائية بقدرة تزيينية عالية ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ (آل عمران: 14) تستمد فعاليتها أساسًا من الإعلام، الذي باتت تلعب أجهزته دورًا كبيرًا في تدويل نمط الحياة الغربي بقيَمِهِ وثقافته.ويتضافر مع أجهزة الإعلام «ثقافة السوق»، وآلياته التي أدت وما زالت إلى عولمة المنتجات وأنماط الاستهلاك والأذواق، من طريقة لبس وأكل وشرب وإتيكيت…هذه الحضارة التزيينية تؤسس نظرتها للإنسان باعتباره حيوانًا. حيث يتم اختزال الإنسان إلى جانب مادي صرف، ينصرف أساسًا إلى تكديس الأشياء وتعظيم الاستهلاك.

۱- رمضان واسترداد الذات الحضارية

إن تحديد ماهية الإنسان يعد محور أي عمل تنموي، وخطورة الانطلاق من تصور للإنسان مغاير لتصورات أمتنا أنه يؤدي إلى الاستلاب الحضاري، ومن ثم فإن أهداف العملية التنموية تدور - حينئذ - كلها حول إعلاء قيمة العناصر المادية في الإنسان التنمية بهذا المعنى تتضمن تصورًا للمثال، الذي يجب أن يسعى إليه الجميع، وهو هنا مثال جوهره المادة.الإنسان في تصورنا العقدي، كائن مكلف، فهو خليفة الله في أرضه وهو الكائن الذي خلقت من أجله الموجودات الكونية جميعًا، جوهر العملية التنموية في الإسلام - إذن هو مفهوم الاستخلاف الذي يتضمن مجموعة من الأسس والمبادئ:

١ -ملكية الله المطلقة للكون، فإذا كان قد أسكن عبيده في الأرض وسخر لهم ما في الكون مِنّة منه، فإن ما في أيدي هؤلاء العبيد ملك لله، وهو عارية ينتفع بها البشر فقط، والقيام على العارية في فقه البشر نيابة العبد عن ربه والمملوك عن مالكه، فالتسخير تسخير الارتفاق وليس تسخير السخرة والإذلال والتدمير.

٢-العبودية المطلقة لله سبحانه، ومدلول العبودية هو تحرير الإنسان من الخضوع لأي أمر أو منهج دون منهج الله وأوامره.

٣-علاقة الاستخلاف تستوجب وجود منهج وشريعة، يحدد فيها المستخلف أسس وقواعد وضوابط المستخلف والشريعة هي المحددة لهذا المنهج والموضحة للضوابط الحاكمة لتحقيق الاستخلاف بعبارة أخرى فإن على البشر واجب التحاكم إلى ما أنزل الله مادام هو خالق هذا الكون ومالكه، ولأنهم من وجه قد استخلفوا في الأرض استخلافًا مقيدًا باتباع هدى الله، ولأنهم من وجه آخر خلفاء لله في الأرض، وليس للخليفة أن يخرج على أمر من استخلفه.

٤-وجود يوم للمحاسبة والمراجعة ثم الثواب والعقاب، فالعناصر الثلاثة السابقة لا تكتمل فاعليتها إلا إذا كان هناك حساب على التصرف وجزاء مترتب عليه، إما ثوابًا أو عقابًا، ومن ثم فإن ترسيخ عقيدة اليوم الآخر في الإنسان يجعل للاستخلاف غاية ومقصدًا يهدف إليها، ودون هذا الإيمان باليوم الآخر يصبح الالتزام بالمنهج الذي اختطته الشريعة دون مقصد أو ضابط أو غاية.إن رمضان يفجر في المسلم المعاني الأربعة السابقة معنى التوجه إلى الله، والعبودية له، والالتزام بالشرع والمنهاج، والخوف من الآخرة، ويفجر ينابيعها في قلبه، ويترك بصماتها على سلوكه بل إن رمضان يجعل جوهر المثل الأعلى، الذي يسعى إليه الإنسان العقيدة والقيم، التي تتجسد واقعًا في الحياة الطيبة» في مقابل النموذج التزييني الذي يجعل هيمنة إرادة الطعام وإرادة النكاح اللين يتجسد كلًا منهما في الرفاهية المادية وثقافة الاستهلاك هما المثل الأعلى، الذي يتحرك من أجله الإنسان.إن رمضان تعبير عن صحة الأمة وصحة أفرادها. إذ يكون الدوران في ذلك المثل العليا وأفكارها وليس في فلك الأشياء، فالأخير هو تعبير عن وفاة الأمة، إذ يتجسد هذا الدوران عمليًّا في نظام القيم السائدة، وفي التصورات الفكرية المهيمنة على حركة البشر وسلوكها (أهداف التربية الإسلامية: ماجد عرسان الكيلاني).الدوران في فلك الأشياء هو تركيز لشهوات الحياة وزينتها وتوفير الشهوات والمتع ونسيان ما عداها من قضايا الحياة والمصير والعتق من النار، والغفران والتوبة التي يدعو إليها رمضان، وتكون المحصلة النهائية وراء هذا التبدل في القيم، بروز الإنسان المادة الذي تدور اهتماماته حول تكريس ملكية الأشياء، في مقابل الإنسان / المستخلف عن الله الذي أكبر همه - خاصة في هذا الشهر الكريم - العتق من النار.الصيام بهذا المعنى يخلق توحدًا في الإرادة وتوجها نحو الإذعان لإرادة الله سبحانه وتعالى ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ  ( الكهف: ۲۸)، ويكون من ثمرات إرادة الله تفجر جميع الإرادات الخيرة النبيلة، فقد كان رسول الله r أجود ما يكون بالخير في رمضان، فقد كان كالريح المرسلة في جوده وكرمه.

 ۲ -رمضان وخلق الوسطية والتوازن:

 وسطيتنا، لا تعني الوسط بين نقيضين، كما عند أرسطو، ولا تعني إنتاج ثالث بين نقيضين كما هو عند ماركس، وإنما هي وسطية، كما يرى د. عبد الحميد إبراهيم في كتابه الوسطية العربية، تجمع بين نقائض ومضادات في توازن وسياق متناغم بحيث لا يمكن القول: إما هذا أو ذلك. ولكن كيف يخلق رمضان هذا التوازن وهذه الوسطية الدمج بين الغياب والشهادة في رمضان إن عنصر الغيب يعطي للإنسان قدرات فوق قدراته المعهودة، ففي الحديث القدسي: «مازال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها»... كذلك يحدثنا القرآن عن الربانيين في قوله تعالى﴿وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ (آل عمران: ۷۹) إن الربانية التي تظلل شهر رمضان، تعطي للإنسان قدرات وطاقات قد تفوق كثيرًا قدرات الإنسان العادي ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ (الأنفال: ٦٥). وهذه القدرات والطاقات هي أساس الانطلاق نحو تحقیق مقاصد العمران التنمية، وغاياته، فالأمم تحتاج عند بدايات الإقلاع نحو النهضة إلى قدرات وطاقات ضخمة لا يمكن أن تتوافر إلا بمحفزات إيمانية، يحققها رمضان ويوفر مقتضياتها. إن الدمج بين الغيب والشهادة في رمضان يحدث عندما يعيش المسلم واقعه متطلعًا إلى السماء، وهذا الدمج أو التوازن بينهما هو سبيل التعامل مع الدنيا كأنها تعيش أبدًا، وتعمل للآخرة كأنها تموت غدًا، وهذا التصور، بالطبع، يناقض ركائز وأسس حضارة التزيين التي تدور حول تعظيم الحياة الدنيا وزينتها. دمج الفرد في الجماعة الحضارة المزينة الحضارة الغربية نموذج ثقافي يمجد الفردية الشديدة، ويدور حولها، وحقوقه تعني بالأفراد أكثر منها بالمصلحة المشتركة، ويعطي أولوية للحقوق والمصالح الفردية البحتة على حساب المصلحة الاجتماعية العامة.وإذا كانت الفردية هي إحدى ركائز حضارة التزيين، فإن الحديث في حضارتنا العربية الإسلامية يكون عن الفرد في إطار جماعة، حيث تتعدد دوائر الانتماء الجماعي للفرد دون تعارض، أو تناقض، فهو ينتمي المؤسسات متعددة وأطر جماعية كثيرة الأسرة القبيلة، طائفة الحرفة الملة. دون تناقض فيها، بل في تكامل وتضافر فريد من هنا كان حرص الإسلام في شعائره وشرائعه جميعًا على الروح الجماعية، لدى الفرد فرمضان يوجد الشعور المشترك بين أبناء الأمة: فالصيام لله والفطر لله، والصيام عند الفجر، والفطر عند المغرب والقرآن الذي يتلى يحدد الوجهة ويرسم ملامح القبلة التي يجب أن يتجه إليها الفرد، ويخلق التصورات والأفكار الأساسية.

الرابط المختصر :