; من الحياة: وَلَدكَ.. وَلَدَك.. وفكّر!! | مجلة المجتمع

العنوان من الحياة: وَلَدكَ.. وَلَدَك.. وفكّر!!

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 10-أكتوبر-2009

مشاهدات 49

نشر في العدد 1872

نشر في الصفحة 57

السبت 10-أكتوبر-2009

القصص والمواقف التي سأوردها خلال هذه السطور القليلة التالية ليست من وحي خيالاتي، وإنما هي قصص ومواقف حقيقية، سمعتها من مصادرها الأصلية، أي من السنة أصحابها مباشرة، ولم آخذها من مصادر ثانوية غير مباشرة، لذا أرجو من السادة القراء الكرام أن ينتبهوا إليها، وينصتوا إنصات المتدبر المستفيد، وأن ينظروا إلى نتائجها نظر المعتبر العامل بما تعلم.

مأساة أسرة في ابنها:

لي صديق طيب لم أره منذ سنين عددًا، وقد أكرمني الله تعالى برؤيته في عطلة الصيف الماضية، فكانت مفاجأة سارة عندما فوجئت بوجوده بالمسجد في إحدى الصلوات في رمضان المبارك الماضي!!

فرح كل منا بُلقْيا الآخر، وبعد انتهائنا من صلاة التراويح، عرضت عليه أن نجلس معًا في بيتي - وكان قريبا من المسجد - فوافق وصحبته إلى البيت، وهناك سألته عن أحواله وأحوال أسرته في السنوات الأخيرة التي لم أره فيها ولم أعرف عن أخباره شيئًا، وإذا به - وقد عرف بعواطفه الجياشة - يبكي ثم سرعان ما كفكف دموعه واستعاد ثباته واتزانه، وبدأ يحكي لي مأساته في ابنه، عرفت هذه الأسرة بالتزامها ، فصديقي الطبيب هذا من المعروفين بتدينهم والتزامهم بالطاعات والعبادات والأخلاق العظيمة الراقية، وكذلك زوجته، حتى ابنه الذي كانت فيه صدمته، كان فائقًا دراسيًا، وعلى خلق كريم، وملتزمًا بطاعة الله وعبادته، تراه واحدا من السبعة الذين بشرهم رسولنا الكريم ﷺ بأنهم في ظل الله تعالى يظلهم بظله يوم لا ظل إلا ظله.. فما أحداث المأساة؟

قال صديقي الطبيب: كنت قد سافرت إلى أحد بلاد الخليج للعمل به، ورافقتني زوجتي - وهي طبيبة أيضًا - وأكرمها الله بفرصة عمل في أحد المستشفيات بالبلد الذي أعمل به، وهناك حصل ابني الأكبر على شهادة المرحلة الثانوية بمجموع 99.9%، وعندها كنا في صراع وتفكير دائمين بخصوص الدراسة المستقبلية لابننا ثم اتخذنا القرار الصعب ببقائه في بلدنا وموطننا لدراسة الطب، وكان ذلك منذ عامين.

وبعد عطلة الصيف تركناه ليبدأ دراسته، وعدنا إلى البلد الخليجي الذي نعمل به بعد أن أوصيت جيراني به خيرًا، وبعد شهور قليلة من بدء الدراسة، فوجئت باتصال هاتفي من أحد الجيران المحبين لنا، يستنهضني ويحثني على سرعة العودة لإنقاذ ابني من الضياع!! فكان وقع الخبر المفاجئ علي أليمًا، ومن ثم بادرت بالسفر والقلق على ابني يحاصرني والهواجس تكاد تقتلني، وكدت - عندما وصلت مطار موطني - أن أطير إلى بيتي، فلما وصلت وفتحت باب البيت إذا بي أرى ابني ومعه مجموعة من الشباب والفتيات والجميع يتعاطى المخدرات، وقوبلت منهم بوابل من السخرية والاستهزاء وعند ذلك فقدت وعيي، ولم أدر ماذا حدث لي إلا في المستشفى!! فعرفت بعدها أنني أصبت بجلطة نقلني الجيران على إثرها إلى المستشفى، حيث تلقيت العلاج، وأكرمني الله بالشفاء!! فلما أفقت.. حمدت ربي وأثنيت عليه وشكرته. 

وما كدت أقف على قدمي بعد الشفاء إلا وقد ذهبت إلى مصلحة الشهر العقاري المجاورة لي، فحررت توكيلًا لأحد زملائي لتسلم مستحقاتي بعد استقالتي، وهاتفت زوجتي- التي كانت لا تزال بالبلد الذي نعمل به في مكالمة هاتفية طويلة - ولم تكن تعلم بما حدث لابننا، فطلبت منها أن تقدم استقالتها، كي نعود جميعًا إلى بلدنا حفاظا على ابننا، ولم أكن لأرغب أن أجرعها ما تجرعت أنا من مرارة الحسرة، ولكن لحواء فضولًا، فظلت تسأل وتستفسر حتى علمت الخبر بتفاصيله!! واقتنعتُ أنا وهي قناعة تامة بأن الخير في عودتنا إلى بلدنا وألا نترك ابننا وحده فريسة للضياع والانحراف، وبالفعل عدنا إلى وطننا، وتداركنا أمرنا، واستنقذنا ابننا.

 لقد ذكرتني هذه القصة بما كنت أشاهده وأتابعه لدى طلابي الذين يدرسون ببلدهم وموطنهم، وقد حيل بينهم وبين آبائهم وأمهاتهم وأسرهم، فكنت ألاحظ أن معظمهم غرقى في المآسي والمشكلات، وذلك لفقدان الرعاية الأسرية والجو الأسري، وضياع المتابعة التربوية.

طالب مجرَّب:

في إحدى سنوات الدراسة بكلية التربية الأساسية بدولة الكويت وجدتُ بين طلابي طالبًا وافدًا وقد التحق بالكلية؛ لأن والده أحد أعضاء هيئة التدريس بها، وقد لاحظت أنه سجل معي في أحد المقررات متأخرًا، وحضر بعد أن بدأت مع زملائه فجاءني لإبداء عذره، فحكى لي أنه أصر في البداية أن يدرس ببلده بعيدًا عن أسرته، ولكنه لما جرب ذلك عمليًا -قرر - عن قناعة تامة - بأن وجوده مع أسرته ومحضنه التربوي أولى من دراسته في موطنه، وإن كانت الكلية التي يدرس فيها ببلده أرقى من الكلية التي يدرس بها في البلد الذي تقيم فيه أسرته.

وكان من أهم الأسباب التي دفعت هذا الطالب إلى عودته إلى أحضان أسرته - أن زملاءه بالكلية في موطنه كانوا يسخرون منه، لأنه ساذج طيب، وملتزم بطاعة الله وعبادته ولا يجاريهم في ممارساتهم، كالتدخين، ومصاحبة البنات، وغير ذلك من ممارسات لا أحب أن أذكرها هنا، فلما وجد نفسه يوشك أن يجاريهم قرر أن يكون في أحضان أسرته. 

لا بد من تضحية:

ولقد جاءني بعض الأصدقاء ممن يعملون خارج وطنهم صيف هذا العام، واستشاروني في القرار الأفضل أيعود أولادهم للدراسة في بلدهم ويفارقون الأسرة، أم الأولى أن يدرسوا في البلد الذي يعملون به؟ فأشرت عليهم بعدة حلول كلها تركز على لم شمل الأسرة لكن كثيرًا منهم كان يريد كل شيء، يريد كلية القمة لابنه في بلده، ويريد العمل خارج بلده، ويريد لم شمل الأسرة، ويريد الأخلاق والدراسة، ولا يريد أن يضحي بشيء، بل يريد كل شيء وهذا صعب المنال إن لم يكن مستحيلًا.


الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 16

965

الثلاثاء 30-يونيو-1970

لست أدري؟! صبيان الحــمراء

نشر في العدد 71

84

الثلاثاء 03-أغسطس-1971

أكثر من موضوع (العدد 71)