العنوان تأملات في الفتن.. ونظرات في واقعنا المعاصر
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 06-فبراير-2010
مشاهدات 64
نشر في العدد 1888
نشر في الصفحة 35
السبت 06-فبراير-2010
تعاني كثير من الأمم اليوم وخاصة في المشرق من اضطراب في واقع الحياة المعاشة وخلل في أنظمتها الثقافية والنفسية، وتجاذب في قواها الروحية والعقدية بما لا عهد لها به في عصر من العصور، خصوصًا بعد إهدار القيم، وصرف الإنسانية عن غايتها السامية من الفضائل والخلق، إلى متعة الشهوات وسعار الأهواء حتى عمّ الفساد وطم وبلغت عملية الهدم والتخريب ذروتها، ولا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدًا؟! خصوصًا بعد أن استعرت الحروب بين الأقوياء والضعفاء الذين لا حول لهم ولا قوة، ولكنهم انتفضوا يدافعون دفاع المستميت عما بقي فيهم من غلالات الكرامة، وضد الأهوال التي يتعرضون لها، وضد ما يثار من عسف يحيط بهم وينغص عليهم حياتهم وديارهم ويزرع فيهم الفتن، خصوصًا عند من لا حُلوم لهم أو عقول مستنيرة تعصمهم من الزلل، ولهذا تجدهم تحوطهم الشياطين والأبالسة من أعدائهم، بالوقيعة والدس والمكر وتزين لهم الانحراف قصدًا ليكونوا محرضين على أنفسهم واقعين في الدواهي بأخلاقهم.
ومن هنا يتركهم أعداؤهم للفتن ترعى في بلادهم حتى تقضي عليهم، وعندنا من الأمثلة الكثير الكثير خاصة في بلاد المسلمين التي حل بها هذا الصنف وزرعت بهم تلك الدواهي.
فمثلًا العراق، والصومال، واليمن وغيرها الكثير من الأمثلة، فهل تراها تتعافى من الفتن ومتى؟ وهل تراها تصحو من غفوتها التي تبعدها عن الحق وتقودها إلى العداوة والبغضاء والمنكر وتوقعها في الشّبَه والآثام وتعرضها للابتلاءات والموبقات والمحن، وتلبس عليها الكثير من الأمور الواضحة، وتخفي عليها العديد من الحقائق الناصعة التي تجعلها تتخبط في الظلمات الحوالك، والغريب أن هذه الشعوب مسلمة، وعندها من رسالتها ما يعصمها ويمنعها من الارتكاس في الفتن والوقوع في الزلل، حتى يقوى عودها ويشتد ظهرها وتستعصي على الأهواء والفتن، وقد أعتصم بالله روادها وأوائلها فعصمهم، وأستقوى به شعوبها وأهلوها فقواهم ونصرهم، وفقهوا الدروس والمعاني فتحصنوا وابتعدوا عن غوايتها، ولا عاصم إلا بالله سبحانه ثم بالأعمال الصالحة والقلوب العامرة، التي تأتمر بأمره سبحانه وتعالى في كتابه الكريم ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ ۗ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ (الأنعام: 65)، ما كَان فيهم مَن الفتن والاختلاف، قال ﷺ: «إني سألت ربي ثلاثًا، سألته ألا يسلط على أمتي عدوًا من غيرهم فيهلكهم، فأعطينيها، وسألته ألا يسلط على أمتي السنة، فأعطنيها، وسألته ألا يلبسهم شيعًا ولا يذيق بعضهم بأس بعض فمنعنيها»، و «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله».
والاستعاذة بالله من مضلات الفتن واجبة، قال ﷺ: «استعيذوا بالله من مضلات الفتن»، والدنيا مليئة بالشرور والفتن ينبغي للمسلم أن يبتعد عنها ولا يقع فيها، قال ﷺ: «تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأي قلب أشربها، نكتت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين: على أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض، والآخر أسود مربادًا كالكوز مجخيًا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب به هواه» قال تعالى: ﴿كَلَّا ۖ بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (المطففين: 14)، ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ﴾ (البقرة: 7)، وهذا بسبب أعمالهم وأفعالهم، قال العلماء: يبعث أهل الأهواء، فمن كان هواه الإيمان كانت فتنته بيضاء، ومن كان هواه الكفر، كانت فتنته سوداء مظلمة.
قال ﷺ: «ما من جريمة أحب إلى الله من جريمة غيظ يكظمها عبد، ما كظمها عبد الله إلا ملأ الله جوفه إيمانًا» «تفرد به أحمد».
عن عائشة: قلت: يا رسول الله، علمني دعوة أدعو بها لنفسي قال: «قولي: اللهم رب محمد أغفر لي ذنبي وأذهب غيظ قلبي، وأجرني من مضلات الفتن ما أحييتني».
قال ابن مسعود: «لا يقل أحدكم: اللهم أعصمني من الفتن، فإنه ليس أحد منكم يرجع إلى مال أو أهل إلا وهو مشتمل على فتنة، ولكن ليقل: اللهم إني أعوذ بك من مضلات الفتن»..
هذا وقد تحدث العلماء عن الفتن وأوضحوا معانيها وبينوا خطرها بما لا يكاد يخفى على أحد، قال الأزهري: جماع معنى الفتنة في كلام العرب: الإبتلاء، والإمتحان وأصلها مأخوذ من قولك: فتنتُ الفضة والذهب، أذيتهما بالنار ليتميز الرديء من الجيد، ومن هذا قول الله عز وجل: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ (الذاريات: 13)، أي يحرقون بالنار. «تهذيب اللغة ١٤ / ٢٩٦».
قال ابن فارس: «الفاء والتاء والنون أصل صحيح يدل على الابتلاء والاختبار» «مقاييس اللغة ٤ / ٤٧٢». فهذا هو الأصل في معنى الفتنة في اللغة.
قال ابن الأثير: الفتنة: الإمتحان والإختبار.. وقد كثر إستعمالها فيما أخرجه الاختبار من المكروه، ثم كثر حتى استعمل بمعنى الإثم والكفر والقتال والإحراق والإزالة والصرف عن الشيء. «النهاية ٣ / ٤١٠»، وبنحو من هذا قال ابن حجر في الفتح «۳/۱۳».
وقد لخص ابن الأعرابي معاني الفتنة بقوله: «الفتنة: الاختبار، والفتنة: المحنة، والفتنة: المال، والفتنة: الأولاد، والفتنة الكفر، والفتنة: اختلاف الناس بالآراء والفتنة: الإحراق بالنار» «لسان العرب لابن منظور».
من معاني الفتنة في الكتاب والسُنة
1- الابتلاء والإختبار: كما في قوله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ (العنكبوت: 2)، أي وهم لا يبتلون كما في ابن جرير.
2- الصد عن السبيل والرد: كما في قوله تعالى: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ (المائدة: ٤٩)، قال القرطبي: معناه: يصدوك ويردوك.
3- العذاب: كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِن بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (النحل: 110)، فتنوا: أي عذبوا.
4- الشرك والكفر: كما في قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ (البقرة: ١٩٣) قال ابن كثير، أي شرك.
5- الوقوع في المعاصي والنفاق: كما في قوله تعالى في حق المنافقين: ﴿وَلَٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ﴾ (الحديد: ١٤)، قال البغوي: أي أوقعتموها في النفاق وأهلكتموها باستعمال المعاصي والشهوات.
هذا، وسنتبع الحديث عن معاني الفتنة في القرآن الكريم وكيفية عدم الوقوع فيها إن شاء الله.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل