; ماذا خسر «الديموقراطيون العرب» في الجزائر؟ | مجلة المجتمع

العنوان ماذا خسر «الديموقراطيون العرب» في الجزائر؟

الكاتب أحمد صلاح الدين

تاريخ النشر الأحد 16-فبراير-1992

مشاهدات 63

نشر في العدد 989

نشر في الصفحة 26

الأحد 16-فبراير-1992

الصدام الجاري في الجزائر بين أنصار الجبهة الإسلامية للإنقاذ والجيش لن يسعد الديموقراطيين العرب أو هكذا أن سيكون تجسيدًا لنهاية مؤلمة لمحاولة ديموقراطية حقيقية في العالم العربي. 

ولكن «الديموقراطيين العرب» لم يقفوا منذ البداية مؤيدين للتجربة الديموقراطية في الجزائر أو بالتحديد نتائجها فهل كان مصير التجربة سيتغير لو وقف الديموقراطيون مع اختيار الشعب الجزائري من الصعب الإجابة على سؤال كهذا مع ديموقراطيين يعتقدون أنهم أنقذوا الديموقراطية عندما حرضوا الجيش على ضرب الحزب الذي فاز بالأغلبية.

لقد كان المفترض والمتوقع أن يحتفل «الديموقراطيون العرب» بالانتخابات الجزائرية بغض النظر عن نتائجها حتى يضعوا حدًا لصلاحيات الجيش غير المحددة ويقيموا سابقة قد تتكرر في بلدان أخرى وحتى يستطيعوا أن يدافعوا عن مواقعهم أمام العسكر والأحزاب الحاكمة في بلدانهم فيما لو نجحوا هم أيضا في الفوز في انتخابات تشريعية كاملة في يوم من الأيام.

* لم يقف الديمقراطيين العرب منذ البداية مؤيدين للتجربة الديمقراطية في الجزائر.

تقديم التوقعات على الحقائق

غير أن أنصار الديموقراطية تنكبوا لها فيما كتبوه في أعمدتهم ومقالاتهم ودراساتهم واعتمدوا في ذلك على توقعات بما ستفعله جبهة الإنقاذ عندما تصل إلى الحكم متجاهلين «حقائق» ارتكبها الآخرون عندما احتكروا الحكم.

البعض كالمفكر اليساري العقيد د. فؤاد زكريا بسط المسألة بإصدار حكم سريع بأن الجميع يتوقعون أن تكون سيطرة الجبهة على الحكم إيذانا بانتهاء عهد الديموقراطية وبداية حكم قمعي يلتف بعباءة الدين، وأن المنتصرين- أي جبهة -الإنقاذ كانوا حريصين على الديموقراطية كيما توصلهم إلى الحكم ولكنهم ما إن يحكموا حتى يسحقوا كل مظاهر التعددية والاختلاف، وأما المهزومون فإنهم من فرط حرصهم على الديموقراطية لا يجدون بأسًا في المطالبة باتخاذ إجراء غير ديموقراطي «إلغاء الانتخابات - انقلاب عسكري» وحاصل كلامهما في وقت لاحق يستهدف المحافظة على الديموقراطية من خطر الجبهة الإسلامية وينتهي د. زكريا بأن حصر القضية بين اختيارين (وهكذا يقف الفكر حائرًا بين أولئك الذين يقبلون ديموقراطية الحاضر من أجل دكتاتورية المستقبل وأولئك الذين يقبلون دكتاتورية الحاضر من أجل حماية ديموقراطية المستقبل) القبس 1/9.

* لقد ساعد الكثير من الكتاب والمفكرين العرب السلطة الخفية في الجزائر في اتخاذ القرار الصعب وهو إلغاء التوجه الديمقراطي الشامل.

وهناك من عمّق المسألة حتى حمل الجبهة الإسلامية للإنقاذ بانتصارها في الانتخابات مسؤولية تدويل أزمة قادمة في الجزائر أطلق عليها «المسألة الجزائرية» ولم يتوقف الأستاذ وضاح شرارة في مقاله بالحياة (23/ 1) إلا عند التلويح بخطر صناعة ذرية لم يتضح بعد المبلغ الذي بلغته من النضوج سترتها جبهة الإنقاذ فيما لوصلت للحكم.

وذهب الأستاذ شرارة إلى أن الجبهة الإسلامية لا تتهيب على ما يبدو الإقدام على ما يؤدي إلى قطع الروابط بين الجزائر وبين نطاقها المغاربي وبينها وبين النطاق المتوسطي (وبعضه أوروبي) الذي تندرج فيه.

وبعد الحديث عن نقاط الاشتباك المحتملة التي يمكن أن ترثها جبهة الإنقاذ في العلاقات مع جيرانها لمح إلى قدرة الجزائر في التأثير هناك وحتمية اندفاع الإنقاذ نحو وهم كتلة إسلامية تضمهم مع السودان وإيران.

وتنتهي المأساة الجزائرية باستعادة ذكريات الحربين العالميتين والحرب العراقية الإيرانية واحتلال الكويت وتفكك السودان فيخرج القارئ بالقناعة التي وضعها الكاتب عوانًا لمقاله أن «وصاية الجيش أقل كلفة من ثورة الإنقاذ».

بوش فاز بربع الأصوات أيضًا

البعض الآخر تنبه إلى ممارسة ديموقراطية لا تتمتع بها في عالمنا وهي تحليل نتائج الانتخابات وأرقامها ويبدو مما كتب أن هذا فن لم نجده بعد فخبرتنا قاصرة على تحديد هوية الواحد في المائة الذين لم يصوتوا للرئيس. 

فذهب السيد عبدالله حمودة في مقال نشر بالشرق الأوسط (19/ 1) إلى الطعن في دستورية الانتخابات لأن الذين صوتوا فيها لم تزد نسبتهم عن 58 في المائة من الناخبين وحققت جبهة الإنقاذ هذا الفوز الساحق بحصولها على أصوات 3.5 مليون ناخب أي نحو 25 في المائة من إجمالي الأصوات فيما حصلت جبهة التحرير على نصف عدد أصوات الإنقاذ ولم تفز إلا بمقاعد تقل 12 مرة عنها مما يدل على الخلل الانتخابي».

ولم يطعن أحد من قبل في دستورية الانتخابات الأمريكية رغم أن 50,1 في المئة فقط شاركوا في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، أي يظل الجزائريون متقدمين على الأمريكيين في وعيهم الانتخابي بزيادة 8 في المئة، ويتجلى هذا أكثر في الانتخابات النصفية لمجلس الشيوخ والكونجرس التي جرت قبل عامين حيث انخفضت نسبة المشاركين في الانتخابات بصورة قياسية إذ بلغت 36 في المئة فقط من الناخبين.

والوحيد الذي له رأي في هذه المسألة هو الزعيم الليبي معمر القذافي الذي يرى وصول رئيس إلى الحكم بأصوات 40 في المئة مثلًا من أصوات الناخبين هو دليل على انتفاضة للشرعية المتوخاة ومؤكدًا للمقولة الخضراء: «التمثيل تدجيل» يقصد تمثيل الأمة في البرلمان.

وحتى صدام حسين نفسه لم يشكك في شرعية الرئيس الأمريكي بوش رغم أنه حصل فقط على 26.7 في المئة في الانتخابات الرئاسية عام 1988م أي إن نحو ربع الشعب الأمريكي فقط منحه الثقة ولم يقل أحد أن الثلاثة أرباع الباقية حجبتها.

أما الخلل الانتخابي الذي تحدث عنه الأستاذ حمودة فهو ليس بخلل وإنما نتيجة طبيعة عندما حصلت جبهة التحرير على نصف أصوات جبهة الإنقاذ في الوقت الذي لم تفز فيه إلا بمقاعد تقل 12 مرة عنها، والسبب في ذلك أن الرقم المعلن هو المجمل الأصوات التي حصلت عليها جبهة التحرير بغض النظر عما إذا كانت هذه الأصوات كافية لتفوز بها في دائرة ما أم لا، لذلك كانت جبهة التحرير القوة الثانية في الانتخابات التكميلية الملغاة. 

إذن فلم يكن هناك حاجة لنصح الحكومة أن تعلن عدم دستورية الانتخابات وتصدر قانونًا جديدًا ينظمها حسب قول الأستاذ حمودة خصوصًا وأن الحكومة السابقة قامت بالفعل بإصدار قانون انتخاب جديد- وما أكثر ما تتغير قوانين الانتخابات في عالمنا- بعد تجربة السلطة الجزائرية مع أول انتصار كاسح تحققه الجبهة الإسلامية وذلك في الانتخابات البلدية في منتصف 1990م فقامت حكومة السيد ميلود حمروش بإلغاء نظام الانتخاب بالقائمة الحزبية وعدلت الدوائر ومنعت التصويت بالوكالة وصيغ القانون الجديد بطريقة وجدتها الجبهة الإسلامية مجحفة، فحدث ما حدث في حزيران (يونيو) 1991م، وكان أهم تغيير هو في الدوائر الانتخابية فلم تكسب من ذلك جبهة التحرير ولم تخسر الإنقاذ، واستفادت القوى الاشتراكية التي تمكنت من الاستحواذ بأصوات القبائل على 26 مقعدًا مقابل نحو 500 ألف صوت تشمل الدوائر التي لم تفز بها فرسخت بذلك وضعًا طائفيًا قد يؤثر سلبًا على مستقبل الوحدة الوطنية في الجزائر.

ومضى كتاب آخرون يبنون نظريات على وجود أغلبية صامتة هي الـ 42 في المائة الذين أحجموا عن المشاركة أو لم يجدوا أسماءهم في كشوف الناخبين مؤكدين أن مشاركتها كانت ستغير نتائج الانتخابات، والسؤال المنطقي هو طالما أنها «صامتة» فما الذي يمنع أن يصوت جزء منهم للإنقاذ فيما لو حملت قسرًا على التصويت بموجب قانون جديد وبالطبع فإن الجواب جاهز عند الديموقراطيين العرب إذ سيقولون إن جبهة الإنقاذ استنفدت رصيدها من الناخبين فالذين صوتوا لها فعلوا ذلك لإيمانهم أنهم يقومون بواجب شرعي ولا يعقل أن يبقى من جعل الانتخابات عبادة في بيته في يوم مقدس.. وبعد أن يكمل الديموقراطي العربي جملته لا يتردد أن يقدم الجزء الآخر من تحليله بأن معظم من صوت للإنقاذ لا يؤمن في الواقع ببرنامجها الإسلامي وإنما عقابًا لجبهة التحرير، وينسى أن ذلك يتناقض مع ما قاله آنفًا عن المؤمنين الذين ذهبوا إلى صناديق الاقتراع مقتنعين بواجب مقدس.

سيوف في مظاهرة الاشتراكيين!

ومن الديموقراطيين العرب من لم يتردد في الانفراد بنقل أحداث تؤكد النزوع الطبيعي للعنف لدى جبهة الإنقاذ كعبدالستار الطويلة الذي قال في مقال بـ«العالم اليوم» (1/8): الأحزاب الصغيرة التي فشلت فشلًا ذريعًا في الجولة الأولى من الانتخابات للحصول على مقعد واحد نظمت مظاهرة ضخمة من بضع مئات يرفعون الشعارات المألوفة والمتوقعة واضطر البوليس إلى القبض على بعضهم بعد أن أعملوا سيوفهم في بعض المتظاهرين!

وكنت مع غيري من الصحفيين أغلبهم غربيين مع قلة من العرب في وسط المظاهرة، فلم يكتب أحد عن دماء وسيوف، إذ لم يشهد أحد دماء وسيوف وإنما جزائريون وجزائريات معظمهم من أبناء القبائل أنصار حسين آيت أحمد.

ولعل الجمل اللاحقة في مقال السيد الطويلة هي التي دعته إلى قصة السيوف في المظاهرة ومنها قوله «لسنا في حاجة إلى التحدث عما ينتظر العالم العربي إذا حقق ذلك التيار مخططه فإن ما يجري في إيران والسودان يؤكد أنه يقود الشعوب إلى ظلام، فلا ديموقراطية ولا تقدم وسيصبح الإنسان العربي ترسًا في آلة تحت شعار رهيب هو العداء للدين. 

وقبل التحرك الأخير للجيش في الجزائر فإن العسكر لم يجدوا حافزًا لامتطاء صهوة دباباتهم أفضل من الجمل التالية للأستاذ الطويل وهو أيضًا يساري عتيد.

لعل البعض الآن وبعد العرض الواقعي عما يخبئه ذلك الانتصار من أخطار على الديموقراطية في الجزائر والعالم العربي قد يميل إلى الاتجاه بإلغاء الجولة الثانية من الانتخابات أو إلى تدخل الجيش ضد أنصار جبهة الإنقاذ فيحق الآن للأستاذ الطويلة أن يفخر بأن أحدًا ما في الجزائر استمع إلى نصيحته.

الديموقراطية الانتقائية

لقد ساعد الكثير من الكتاب والمفكرين العرب السلطة الخفية في الجزائر في اتخاذ القرار الصعب وهو إلغاء التوجه الديموقراطي الشامل الذي أخذ يتشكل في الجزائر وسط صعوبات ومعاناة طبيعية ستمر بها أية دولة عندما يعاد تشكيل نظمها وتركيبتها السياسية والاجتماعية وإن لم تكن الجبهة الإسلامية للإنقاذ البديل المثالي للجزائر ولكنها ولدت كثورة تغيير إذ عبرت عن رأي الملايين من أبناء الجزائر، هكذا تقول الأرقام الرسمية التي أعلنتها وزارة الداخلية الجزائرية عقب انتخابات يونيو 90 وديسمبر 91. 

ولم تنته جبهة الإنقاذ إلى صورتها النهائية فهي أيضًا تطورت وتمر بمرحلة التشكل مثلما وطنها الكبير الجزائر، وليس سرًا أن الجبهة الإسلامية لم تعقد مؤتمرها العام حتى الآن إذ كانت الأحداث أسرع من أن ترتب أمورها. 

ومن الصعب القول بأن الشاذلي بن جديد أخطأ عندما ترك عجلة التغيير نحو التعددية والديموقراطية تتحرك بسرعة أكثر من اللازم، إذ إن الجزائري يري أن الرئيس السابق متأخر في ذلك ثلاثين عامًا وسيكون إقناع الشعب الانتظار عشر سنوات أخرى في تغيير بطيء عملية صعبة.

ويبدو أن الديموقراطيين العرب لن يتوقفوا بعد أن تحرك الجيش وأعاد العملية إلى نقطة البداية، فهناك خدمة أخرى تحتاجها السلطة الجديدة وسيجدون من بين الديموقراطيين العرب من يرحب بتقديمها وهي تطوير فلسفة نظام ديموقراطي انتقائي يسمح للجميع بالعمل بحرية وسعادة وحبور.

أما التيارات الإسلامية فتدفع إلى ما تحت الأرض تعمل في سرية وتشغلها المطاردة عن الحوار وتدبير لقمة العيش عن الرزق فيخسر الوطن استقراره ومشاركة قطاع فعال وأصيل من أبنائه في عملية التنمية. 

وعندما تضيق بالتيارات الإسلامية السبل ستلجأ عناصر منها إلى العنف وسيكون من الصعب حتى على قادتهم إقناعهم بأنهم أخطأوا الطريق وسيكون ردهم سريعًا: لقد جربنا الديموقراطية والانتخابات فماذا كانت النتيجة؟!

إن فرض الديموقراطية الانتقائية على تيار عريض كالتيار الإسلامي الذي يتمتع بتأييد الفقراء والأغنياء الكادحين والطبقة المتوسطة- الأميين وحملة شهادات الدكتوراه - 100 من نواب الجبهة الإسلامية المنتخبين البالغ عددهم 188 يحمل شهادة الدكتوراه- إن فرض ديموقراطية انتقائية على تيار كهذا لن يساعد في استقرار الدول وتنميتها. 

وحيث إن بريطانيا هي المثال الذي يحتذي فيما يخص الممارسات الديموقراطية فإنه من الضروري الإشارة إلى الحزب الشيوعي البريطاني والذي كان يتمتع بشرعية كاملة ويشارك في الانتخابات ويزيد أعضاؤه عن 10,000 وقام بحل نفسه العام الماضي ليس لضغوط من الحكومة البريطانية ولكن اعترافًا تلقائيًا بفشل الماركسية وسقوط الأحزاب الشيوعية في البلدان الشيوعية نفسها.

ومثال آخر أشد تطرفًا هو حزب «سالشيني بيت» الموالي علانية للجيش الجمهوري الأيرلندي الذي مارس العنف والإرهاب حقيقة وليس اتهامًا، ورغم ذلك يحتل بعض أفراده مقاعد في البرلمان البريطاني وأقصى ما فعلته حكومة صاحبة الجلالة أن أصدرت قانونًا يمنع نقل خطب أفراد الحزب في التلفزيون والإذاعة ولكن القانون لم يمنع مذيعًا ينقل ما يقوله العضو الذي لا يُسمع صوته بحكم القانون، ويبدو أن الحكومة البريطانية تفتقد إلى خبراء في الديموقراطية الانتقائية.

إن جميع الاحتمالات لا تزال مفتوحة في الجزائر فربما تنجح السلطة في تحويل الجبهة الإسلامية للإنقاذ إلى مجرد حزب سياسي مطارد، ويمكن أيضًا أن تنجح الجبهة الإسلامية في العودة إلى الحكم الذي حرمت منه قبل أربعة أيام من إكمال الانتخابات التشريعية، إلا أنه من المؤكد أن عودتها القادمة لن تكون من خلال صناديق، وفي كلتا الحالتين فسوف ينتظر «الديموقراطيون العرب» طويلًا حتى تأتي تجربة ديموقراطية حرة وشاملة كالتي تجلت في الجزائر خلال العامين الماضيين.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل