العنوان الشتاء وقوافل الموت في البوسنة والهرسك
الكاتب أسعد طه
تاريخ النشر الثلاثاء 24-نوفمبر-1992
مشاهدات 75
نشر في العدد 1026
نشر في الصفحة 27
الثلاثاء 24-نوفمبر-1992
لا تسألني كم مات في الحرب.. واسأل
الآن: كم سيموتون في الشتاء؟ قالت محدثتي وانصرفت وقبلها ذكرتني «أن الحكومة
البوسنية أعدت برنامجها لمواجهة الأزمة الجديدة وأرسلناه إلى الأمم المتحدة ونوقش
في جنيف على أمل أن يساعدنا المجتمع الدولي» وتتابع السيدة أميلا عمر باششتي
مسؤولة مكتب اللاجئين في حكومة البوسنة والهرسك «لكننا خرجنا بنتيجة مفادها أن
هذا العالم في قضيتنا لا يملك إلا الصياح لكن ليس بمقدوره- أو هو لا يريد- مساعدة
هذا الشعب»، وتختتم السيدة أميلا: «إننا نطالب بقروض دولية حتى نتمكن من تنفيذ
برامجنا، إذا كان المجتمع الدولي سيكتفي بإرسال المعلبات المحفوظة»..
والعارفون بطبيعة أجواء وطقس
المنطقة التي تصل درجة حراراتها إلى عشرين درجة تحت الصفر يدركون تمامًا أن
الناشطة البوسنية كانت على حق حين أطلقت «الأزمة الجديدة» على الشتاء الذي دفع
حارث سيلاجيتش وزير خارجية البوسنة والهرسك أن يقول: «إننا نخشى أن يؤدي قدومه إلى
موت عشرات الآلاف من الأبرياء» مضيفًا: «إن مدننا مازالت محاصرة والسكان هناك
يموتون جوعًا».
· التقارير تشير إلى أن أكثر من أربعمائة ألف معظمهم من الأطفال سوف يموتون من البرد في البوسنة والهرسك.
وحسب جريدة لوجودغاد التسيا
الكرواتية فإن المفوضية العليا للاجئين تقدر أن الشتاء سيؤدي إلى موت ما لا يقل عن
400 ألف نسمة أكثرهم من الأطفال، وتؤكد ذلك جريدة «فجيرني لست» التي تحذر من أن
«هناك تقارير مرعبة مفادها أنه إذا لم يقم المجتمع الدولي باتخاذ خطوات حاسمة
لإطفاء النيران الملتهبة في البوسنة والهرسك فإن فصل الشتاء- بطريقة مباشرة أو غير
مباشرة- سيؤدي إلى فناء مئات الآلاف من البشر!
وحيث تفترض الهيئات الإغاثية الدولية التي تتخذ من زغرب مقرًّا لها أن هناك حوالي مليون وستمائة ألف شخص في
حاجة إلى العون في البوسنة يشكل الأطفال ثلاثين بالمائة منهم، ويفيد مكتب
«المهاجرون واللاجئون» في زغرب والتابع للحكومة الكرواتية أن عدد اللاجئين من
البوسنة والهرسك يقدر بنصف مليون شخص بين عجائز ونساء وأطفال يعيشون في مراكز
للإيواء تتنوع بين المدارس والملاعب الرياضية والفنادق، وهذه الأخيرة منحت السلطات
الكرواتية مهلة لساكنيها حتى الثاني والعشرين من هذا الشهر لمغادرتها.
ورغم أن هذه المراكز تبقى دون
مستوى الحياة الإنسانية حيث يحتشد اللاجئون بأعمارهم المختلفة وحاجاتهم المتباينة
في مثل هذه الأماكن التي تفتقد أدنى الشروط الصحية، فضلًا عن توافر الأجواء
الكفيلة بانتشار الأمراض الاجتماعية بين الصبيان والفتيات في عمر المراهقة والذي
غاب عنهم الأب، إما مقاتلًا أو مقتولًا أو جريحًا أو أسيرًا؛ إنه ورغم ذلك تبقى
أفضل حالًا بفارق كبير عن ساكني الخيام، وحيث يقول مسؤول مكتب المهاجرين واللاجئين
في زغرب أنه «يوجد خمسة مراكز للاجئين عبارة عن خيام، فإن هناك حوالي 600 لاجئ من
البوسنة والهرسك يعيشون في أماكن غير ملائمة للحياة الطبيعية وأنه يوجد أعداد أخرى
من اللاجئين تعيش في أكواخ للعمال وثكنات سابقة للجيش دون أي تدفئة أو ظروف حياتية
مهيأة».
وحتى الذين يعيشون في مبانٍ فإنهم
يفتقدون وسائل التدفئة حيث هناك حاجة لتدفئة خمسين مبنى على الأقل وإصلاح خمسة
آلاف سخانٍ أخرى معطلة.
البوسنة هنا!
«تريليكو شميتش» المسؤول عن ملجأ جاشيتشي
الواقع بالقرب من جاكوفا يقول: «لا أدري كيف سنعيش فصل الشتاء في هذا المخيم الذي
أعد لفصل الصيف؟! لقد حذرنا كثيرًا ومنذ مدة طويلة من خطورة ذلك ولم نتلق إلا
وعودًا» ويضيف في حسرة: «إن عيون العالم تتجه نحو البوسنة، والبوسنة موجودة هنا».
وإذا كان من المؤلم الحديث عن
لاجئين عجائز ونساء وأطفال بعضهم حديثو ولادة يعيشون في خيام بعضها ممزق وفي ظل
هطول أمطار غزيرة تسبق الجليد القادم ودرجات الحرارة التي تتجاوز الصفر سلبًا فإن
«رفعت جافو» مسؤول قسم المساعدات في مكتب البوسنة والهرسك في كرواتيا يقول لـ«المجتمع»
إن هناك أعدادًا أخرى كبيرة من اللاجئين الذين لم يسجلوا أنفسهم لدى السلطات
الكرواتية بعد أن أصدرت قانونًا يمنع أي إنسان أتى بعد 13/7/92 من الحصول على هوية
اللاجئين التي يتمكن بها من الحصول على مأوى في أحد هذه المخيمات أو الحصول على
رعاية صحية، ولذلك فإن هناك الكثيرين الذين ينامون في الساحات العامة وفي محطات
القطارات والحافلات وأحيانًا في مداخل البيوت أو في البدروم.
ويجب أن نضيف أيضًا إلى كلام السيد
رفعت أن الحكومة الكرواتية أصدرت قانونًا آخر بتاريخ 22/9/92 يمنع استقبال لاجئين
جدد عبر فرض إجراءات مراقبة شديدة على الحدود الفاصلة بين كرواتيا والبوسنة وذلك
«اعتبارًا للأوضاع الاقتصادية وخاصة بعد أن استنفدت كل الإمكانات لاستقبال لاجئين
جدد، واقترحت الحكومة الكرواتية أن يتم بناء مراكز للاجئين داخل أراضي البوسنة
والهرسك نفسها في المناطق الآمنة، وقد التقطت الفكرة هيئة الإغاثة الإنسانية التي
رأت أن ذلك يصب في الصالح البوسني وفي ظل محاولات تشتيت الشعب المسلم في البوسنة
والهرسك على عدة دول أوروبية.
يقول حشمت خليفة مدير فرع الهيئة
في زغرب إنهم قاموا بالفعل بإعادة مجموعات من اللاجئين تتراوح أعدادها من مائة إلى
ثلاثمائة شخص إلى مدن «كامان» و«تشابلينا» و«توزلا» ويضيف: «نحن نتولى الأمر من
بدايته إلى نهايته فنتفق مع محافظ المدينة على أننا سنرسل له دفعة يوم كذا، ونقوم
باستلام الأماكن المخصصة لاستقبالهم ونعدها من خلال تركيب قواطع خشبية للفصل بين
العائلات وتزويد كل مكان بالأغطية و«المراتب» والوسائد لمواجهة فصل الشتاء ثم
نتحمل توفير وسائل المواصلات من داخل كرواتيا إلى بلادهم داخل أراضي البوسنة
والهرسك، ويخرج مع كل فوج اثنان من الهيئة، ويزود الفوج بالطعام اللازم له لمدة
أربعة شهور كاملة، وتابع: «إن آخر فوج مكون من 108 شخصًا كانوا قد خرجوا من
البوسنة إلى مقدونيا فلم يسمح لهم بالدخول فسافروا إلى بلغاريا ومنها إلى المجر ثم
أخيرًا منحتهم كرواتيا تأشيرة مرور فقط وقمنا نحن بإعادتهم إلى بلدهم».
إلا أن هذا الجهد المشكور يبقى دون
سد حاجة الآلاف لمواجهة متطلبات فصل الشتاء.
· نصف مليون معرضون للموت بردًا في البوسنة والهرسك.
وماذا عن المقاتلين؟
وإذا كان هذا هو حال المدنيين
اللاجئين والهاربين من السكين الصربي؛ فما حال الذين يقفون في مواجهة الآلة
العسكرية الصربية؟ جولة قصيرة داخل جبهات القتال كفيلة بإثارة الأسى العميق والحزن
الأعمق على هؤلاء الرجال الذين يتناثرون على أعالي الجبال وسط الجليد بملابس صيفية
وطعام قليل وسلاح خفيف ليواجهوا «رابع أقوى جيش في أوروبا»، وإذا كانت الدموع التي
نذرفها ونحن نتابع أخبارهم من خلال شاشة التلفزيون من حجراتنا المكيفة لا تجدي
شيئًا في مواجهة ظروف جوية غاية في الصعوبة فإن معنوياتهم رغم ذلك تبقى صامدة في
وجه هذه المعطيات المأساوية.
الملابس العسكرية الشتوية والطعام
ذو السعرات الحرارية العالية التي تتزود بها الجيوش في فصل الشتاء أو بالأحرى قبل
فصل الشتاء استعدادًا له يعاني من نقصه المقاتلون الذين يحاولون التأقلم مع تلك
الظروف المناخية الصعبة.
وتمتد المعاناة لتشمل مدن البوسنة
والهرسك المحاصرة والمحرومة من الماء والكهرباء والأدوية فضلًا عن الطعام والوقود
ومواد التدفئة فيما فقدت مبانيها غالبية النوافذ الزجاجية التي يمكن أن تحميها من
برد الشتاء ويمكن تخيل- أو ربما لا يمكن- حال السكان من عجائز ونساء وأطفال.
محافظ سراييفو الذي كان يتنقل في العواصم الأوروبية محاولًا إيقاظ «ضمير أوروبا الحضاري» قال في مدريد: «إن أكبر مشكلة تواجه السكان هي أزمة الوقود بعد أن فقدت 65% من منازلنا أسقفها وتهشمت غالبية نوافذها في بلد تصل درجة حرارته في فصل الشتاء إلى عشرين درجة تحت الصفر». وهو أمر مرعب خاصة وإن أكثر المعرضين للهلاك هم الأطفال والشيوخ والمرضى والجرحى، والناس هناك ليس لديهم وقت للاستعداد والتجهيز لفصل الشتاء لأنهم مشغولون بحماية أرواحهم؟ إنهم لا يملكون طعامًا يقتاتون به ناهيك عن كهرباء أو وقود أو مياه، بل لا يملكون سقفًا يحمي رؤوسهم أو مأوى يلجأون إليه.
وحسب تكهنات الأطباء التي نشرتها
الصحف المحلية فإن عدة آلاف من الأطفال دون الخامسة عشرة سيموتون في سراييفو في
هذا الشتاء.
ولعل خبرًا نشرته الصحف بين
صفحاتها ولم يهتم به أحد ولم يلق دهشة القراء وهو أن قرارًا اتخذته السلطات في
سراييفو بمنع دفن الموتى إلا في الأماكن المخصصة لذلك، وقرار آخر ينص على تحويل
ملعب كوشينو الذي أعد خصيصًا للألعاب الأوليمبية عام 1984 إلى مقبرة لضحايا الحرب
المجنونة.
محافظ المدينة المحاصرة سراييفو يقول: «لم يعد لدينا المقابر الكافية.. فماذا نفعل غير ذلك؟» ويضيف أثري اسمه «كيشفيا كوتيشي»: لقد اضطررنا لفتح المقابر القديمة التي ترجح أصولها إلى زمن العثمانيين والإمبراطورية النمساوية المجرية من أجل دفن ثمانية آلاف من الموتى» وفي حي دوبرينا بسراييفو يقوم الناس بدفن موتاهم في الحدائق أمام بيوتهم ليلًا خوفًا من رصاص القناصة، الذي قد يخطئهم أحيانًا.. لكن الشتاء لا يخطئهم أبدًا!