; المجتمع التربوي.. عدد 1073 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي.. عدد 1073

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 02-نوفمبر-1993

مشاهدات 70

نشر في العدد 1073

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 02-نوفمبر-1993

وقفة تربوية: التطلع لنعمة الغير

أبو بلال

استمعت يومًا إلى أحد تجار الهيروين، وهو في السجن يجيب على سؤال السائل: «لماذا سَلَكت هذا الطريق؟» فرد قائلًا: «لقد كان زميلي فلان في نفس العمل، وكان يأخذ كلانا راتبًا كأي موظف غير مؤهل في الدولة.

 وغاب عني ذلك الزميل لمدة سنة، وبعدها رأيته بسيارة مرسيدس آخر موديل، وساعة ماركة غالية الثمن، فأغاظني ذلك كثيرًا، وتعجبت من حصوله على هذه الثروة بهذه السرعة، وحسدته على الوضع الذي هو فيه، ولم أهدأ حتى سألته عن مصدر الثروة، فدلني على طريق المخدرات، وهذا نهاية العمل بهذا الطريق».

هذا نموذج حي لإنسان ضل الطريق وضيع نفسه ومن يعول، بسبب عدم القناعة بالرزق الذي قدره الله له، وبسبب الحسد للآخرين، ولو أنه رضي بقدر الله عليه لما اضطره ذلك لسلوك هذا الطريق الذي أوصله إلى هذه النهاية البائسة، ولو أنه تفكر أن ما هو فيه ربما يكون خيرًا مما عليه آلاف الأثرياء، لما سلك هذا الطريق.. إذ إن النعمة ليست مقصورة على المال فحسب، فالصحة نعمة، والزوجة نعمة، والأبناء نعمة، والانشغال بالخير نعمة، وحُب الناس لك نعمة، وعدم حاجتك للناس نعمة.. وهكذا تتعدد النِعم لو تفكر الإنسان فيها.. يقول الفتح بن خاقان: «دخلت يومًا على المتوكل -الخليفة- فرأيته مطرقًا متفكرا، فقلت: يا أمير المؤمنين، ما هذا الفكر؟ فوالله ما على ظهر الأرض أطيب منك عيشًا، ولا أنعم منك بالًا».

فقال: يا فتح، أطيب مني رجل له دار واسعة، وزوجة صالحة، ومعيشة حاضرة، لا يعرفنا فنؤذيه، ولا يحتاج إلينا فنزدريه» (1). ولهذا قال الأولون: «من نظر إلى من هو فوقه تعب، ومن نظر إلى من هو دونه شكر». ولأن هذا التعب عائق يعوق الداعية عن تحقيق أهدافه التي أمر الله بها، وشاغل يشغله في أدائها؛ كان التوجيه الرباني لرسوله صلى الله عليه وسلم بالامتناع عن التطلع لنعمة الغير، فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْواجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ (طه: 131).

(1) تاريخ الخلفاء: ص 353.


كيف تكسب الناس؟

بقلم: عبد الرحمن الحضرمي - الظهران

لابد أن كل إنسان يحب أن يكسب قلوب الناس الذين يعاملهم ويحتك بهم، ولكن هذا الأمر يتضاعف أهمية إذا كان هذا الإنسان ينتسب إلى صفة الدعاة إلى الله؛ لأنه صاحب رسالة في هذه الحياة، وهي أنه أخذ على عاتقه إيصال دين الله إلى كل فرد يعرفه أو لا يعرفه، ولا سبيل لإيصال هذه الرسالة دون التقرب إلى الناس والتودد إليهم؛ ليحققوا بعد ذلك معنى العبودية لله تعالى في أنفسهم، ثم ليكونوا دعاة مصلحين، أو على أقل تقدير يكونوا للدعوة مناصرين ولجندها محبين، ولا يكونوا لها معادين. وديننا الحنيف يعلمنا الوسائل التي يمكن من خلالها أسر القلوب، ومن هذه الرسائل:

  • أولًا: الدعاء: ادع الله أن يجعلك محبوبًا وأن يحبب الناس إليك، وأن يزيل كل بغضاء وحقد في قلبك وقلوب إخوانك، واطلب الدعاء من أخيك فإن دعاء المرء لأخيه بظهر الغيب مستجاب.. وهذا الرسول صلى الله عليه وسلم يقول لعمر: «يا أخي لا تنسانا من دعائك» فما فرح عمر بكلمة مثل فرحه بهذه.
  • ثانيًا: إظهار المحبة: فإنه أدعى لتقويتها، مَر رجل بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه جلوس معه، فقال رجل: یا رسول الله؛ إني أحبه، فقال النبي له: هل أعلمته؟ قال: لا، قال: قم فأعلمه، فقام إليه وقال له: یا فلان، إني أحبك في الله، فقال له: أحبك الذي أحببتني لأجله.
  • ثالثًا: اللين والتساهل في المعاملة: فقد قال صلى الله عليه وسلم: «المؤمن يألف ويؤلف ولا خير فيمن لا يألف ولا يُؤلف» وقال أيضًا: «رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى وإذا قضى». وهذا التوجيه النبوي لنا نابع من إدراك ووعي تام لمعنى الآية الكريمة: ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (آل عمران: 159). قال أنس رضي الله عنه: خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين ما قال لي أُف قَطْ، ولا لشيء فعلته لم فعلت كذا؟
  • رابعًا: التبسم: ولنتدبر هذا الحديث الشريف الذي قال فيه عليه الصلاة والسلام: «إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم، ولكن يسعهم منكم بسط الوجه وحُسن الخلق» وسيلتان يسيرتان، لكنا نغفل عنهما كثيرًا وننسى أن: «تبسمك في وجه أخيك صدقة». ولعل بعضنا قرن بين الالتزام وبين العبوس والتجهم قاصدًا بذلك تصنع الوقار والاتزان، وهذا خطأ؛ بل علينا أن نكون بشوشين باسمين، ولا بأس بالاحتفاظ ببعض الطرائف والملح ليلطف بها الداعية جو المجلس الذي هو فيه.
  • خامسًا: السلام والمصافحة: قال صلى الله عليه وسلم: «ولا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أو لا أدلكم على شيء لو فعلتموه تحاببتم؛ أفشوا السلام بينكم». وليكون السلام أوثق لعرى المحبة إذا اقترن بالمصافحة، فالمصافحة تدلك على ما في قلب أخيك، فهناك فرق بين الذي ينزع يده بسرعة، وبين الذي يشد على يدك بحرارة، قال أبو ذر رضي الله عنه: ما لقيته صلى الله عليه وسلم قَطْ إلا صافحني، وكان صلى الله عليه وسلم لا ينزع يده حتى يكون الآخر هو الذي ينزعها.
  • سادسًا: إحسان الظن: فإذا ما أخطأ أخوك في حقك أو قصر فالتمس له سبعين عُذرًا، فإن لم تجد فقل لعله عُذر لم أعلمه.
  • سابعًا: الزيارة والتفقد الدائم: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتفقد أصحابه في كل وقت وفي كل ظرف؛ حتى في غزواته مع أنه يكون معه غالبية صحابته، فها هو ذا يتفقد أبا ذر مرة وجليبيبا مرة وكعب بن مالك أخرى، كما كان يزور أصحابه في منازلهم، فيؤنسهم، ويُؤلف قلوبهم، ويتفقد أمورهم، ويزيل الكُلفة بينه وبينهم.
  • ثامنًا: المشاورة: فإنك إذا شاورت إخوانك من ذوي الرأي؛ فإنك كاسب من وجهين: الأول أنك حصلت على المشورة والرأي، والثاني: أنك دللت لأخيك أنه قريب منك عندما أشركته في مشكلتك.
  • تاسعًا: الحلم والصفح: قال تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (النور: 22). وقال صلى الله عليه وسلم: «من كف غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظًا ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رضًا يوم القيامة». والصفح يوصلك -أخي الداعية- إلى مرتبة الإحسان، وهي أن تحسن مع من أساء إليك؛ فضلًا عن إحسانك مع من أحسن إليك. والحلم من ألزم صفات الداعية؛ لأنه يخالط أجناسًا ونفسيات مختلفة، ويُلقي بخيره عليهم، ولا بد أن يجد أذية أو استهزاءً من أشرارهم.
  • عاشرًا: التواضع: قال تعالى في صفات المؤمنين الذين يُمكن لهم في الأرض: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (المائدة: 54)، وقال: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (الحجر: 88). وقال صلى الله عليه وسلم: «من كان هينًا لينًا سهلًا حرمه الله على النار»، وإنه أمر مشاهد أن الناس تنفر من المتكبر؛ حتى وإن كان صاحب علم أو مال أو جاه، فما بالك بالذي لا يملك شيئًا من ذلك، فعلى ماذا يحبه الناس؟
  • حادي عشر: مظهر الداعية: أنت أيها الداعية سفيرٌ للإسلام أينما كنت تمثله، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخير سفراءه إلى الملوك، وينتقي أحسنهم مظهرًا ومنطقًا، أمثال دحية الكلبي وجعفر بن أبي طالب؛ لأن النفس تميل للجمال والهيئة الحسنة، وتنفر من المظهر الرث.

كانت هذه صفات حسنة مقربة للقلوب، والصفات الأربع الآتية صفات ممقوتة قبيحة إذا اقترنت بإنسان مسلم، فما بالك إذا كان داعية؟ بالطبع ستكون أشد قبحًا. فعلى الدعاة تجنبها والحذر منها، وهي:

1.    الجدال: وقد رغب رسول الله صلى الله عليه وسلم في تركه فقال: «أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًا». وقال معروف الكرخي: إذا أراد الله بعبد شرًّا أغلق عليه باب العمل وفتح عليه باب الجدل، والجدل لا تخلو نتائجه من حالتين: إما أن تكسب الجدال وتخسر قلب أخيك، أو أن يكسبه هو وتحقد عليه أنت؛ فعليك بكسب الجدال بأن تتجنبه.

2.    الاستهزاء: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ﴾ (الحجرات: 11) والاستهزاء ثمرة الضحك والمزاح في كل وقت وبغير حساب، فإذا عرف الشخص بالاستهزاء أصبح ممقوتًا، وإن لم يُصارح بذلك، ويصبح غير مرغوب في وجوده، وهذا أمر طبيعي؛ لأن النفس تأبى أن ينتقص منها أمام الآخرين، وتكره من ينتقصها.

3.    الجهل: قالوا: كن واحدًا من أربع: «عالمًا أو متعلمًا أو مستمعًا أو محبًا» ولا تكن الخامس، فإنك أيها الداعية موضوع تحت المجهر، ومحاسب على كل عمل تقوم به، وإليك يرجع الناس إذا جهلوا أمرًا في دينهم، فاعلم أن فاقد الشيء لا يعطيه.

4.    الثرثرة: قال صلى الله عليه وسلم: «وكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال». وقال أيضًا: «كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما يسمع». إن الناس لا يحبون من يحدثهم عن نفسه بقدر ما يحبون من يسمع لهم، ويصغى إليهم، ويبدي تجاوبه معهم، فَتعلّم كيف تدخل إلى قلوب الناس بأن تكون مستمعًا جيدًا.

وأخيرًا.. اعلم يا أخي الحبيب أن كسب الناس أمر بيد الله، ومترتب على علاقتك مع الله، فإذا رضي الله عنك وأحبك؛ وضع لك القبول في الأرض، وأمر أهل السماء والأرض بأن يحبوك، والله تعالى أعلم.


مشكلات وحلول في الحقل الدعوي

المشكلة: الاجتهاد المخالف تعريف بالمشكلة: هو القيام بعمل من أعمال الدعوة دون استئذان من القيادة، ويكون عادة مخالفًا لأوامر المؤسسة التي ينتمي إليها، فإما أن يكون ذو نتائج إيجابية أو سلبية، وغالبًا تكون نتائجها سلبية.

أعراض المشكلة

1.    تغير في أداء البرنامج أو النشاط المتفق عليه.

2.    اختلاف بالنتائج المخطط لها سابقًا.

3.    توقف البرنامج أو النشاط بتغيب الموكل له بالعمل.

4.    ضعف النشاط.

أسباب المشكلة

1.    اعتقاد المجتهد أن رأيه أصوب من رأي المؤسسة.

2.    حرص المجتهد على نجاح البرنامج.

3.    استعجال المجتهد للثمرات.

4.    عدم تفهم المجتهد لأصول العمل الجماعي.

5.    الإعجاب برأي خارج إطار المؤسسة.

الحل

1.    معرفة سبب الاجتهاد ومحاولة علاجه، فقد يكون الاجتهاد في محله.

2.    السؤال عن تفاصيل البرنامج قبل البدء.

3.    تحديد المسؤوليات والتأكيد عليها قبل البدء بالنشاط.

4.    المتابعة الدائمة.

5.    سحب بعض الصلاحيات من المجتهد.

6.    عدم التسرع باتخاذ إجراء عقابي قبل معرفة ماضي المجتهد، وفيما إذا كان كثير الاجتهاد أم أن ذلك نادر منه.


المتساقطون على طريق الدعوة

سعود عبد اللطيف الصقر

إنه على الدعاة ألا يجزعوا لسقوط بعض الدعاة من قِطار الدعوة، وإن كانوا ممن علت أصواتهم وصفاتهم في سلم الدعوة، وألا يتعجبوا من ذلك، فيصفوا الدعاة بالقصور والنقص وتخلي هؤلاء عن المسيرة، وقد كان خير البشرية الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر يقول: «اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» وعلى ذلك فمن رأى ساقطًا في طريق الدعوة فليحمد الله على العافية، ويسأله ولإخوانه الثبات، وليقل: «الحمد لله الذي عافاني مما ابتلى به كثيرًا ممن خلق» وهناك أسباب للسقوط منها: الكبر.. فقد يقول المتكبر لماذا فلان أحسن مني؟ ولماذا فلان له كذا وهو كذا وأنا أفضل وأحسن منه؟ وأنا يجب أن أكون.. وكذلك الخوف على الأولاد والأهل والنفس.. وكلنا يذكر قصة الصحابي الجليل الذي تربى في مدرسة الرسول صلى الله عليه وسلم وشارك في غزوة بدر حين أتى فتح مكة أراد أن يخبر قريش، وأرسل رسالة يخبرهم بما ينوي الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعمل، ولكن لولا أن تداركته رحمة الله، فيُخبر الرسول صلى الله عليه وسلم، فيسترد الرسالة قبل وصولها، وينجو حاطب من الانزلاق بشفاعة سبقه في الحركة الإسلامية.. ومنها طول الجهاد وتأخر النصر، فالنصر هو من أمر الله سبحانه إن شاء جعله في عصرهم وعلى أيديهم، وإن شاء أمضاه على أيدي الأجيال من بعدهم. وأخيرًا.. نقول: مع زحمة العمل ينسى الإنسان هذا الأمر، فلا يجد من يثبته فتبدأ قدمه بالانزلاق..


قطوف تربوية

بقلم: د. حمدي شعیب (بريدة - القصيم - السعودية)

معذورون ومغبونون: وفي قصة جريج العابد كان هناك بلاء فوق البلاء عندما: «فلما ولدت قالت: هو من جريج، فأتوه فاستنزلوه وهدموا صومعته، وجعلوا يضربونه، فقال: ما شأنكم؟ قالوا: زنيت بهذه البغي، فولدت منك. قال: أين الصبي؟ فجاءوا به فقال: دعوني حتى أصلي، فصلى، فلما انصرف أتى الصبي، فطعن في بطنه وقال: يا غلام من أبوك؟ قال: فلان الراعي، فأقبلوا على جريج يقبلونه ويتمسحون به وقالوا: نبني لك صومعتك من ذهب، قال: لا، أعيدوها من طين كما كانت ففعلوا» «متفق عليه».

فتأمل هذه المحنة العظيمة التي أوقعته فيها هذه البغي، ثم وهذا هو الأخطر موقف الجمهور من جريج العابد من جهل بقضيته، ثم ما نابه منهم من ضرب وهدم، ثم هذا التحول الغريب القوي في سلوكهم نحوه عندما ثبتت براءته، وليس عليهم ذنب إنما الجرم يقع على سلوكه معهم في البداية «وكان جريج رجلًا عابدًا، فاتخذ صومعة فكان فيها» فهو إذن الذي بني حاجز عزلته بيده. وتأمل كيف أضاع جريج فرصة التحام هؤلاء الناس به واختار سبيل الانعزال ثانية.

فإذا كانت هذه الفئة متهمة من قِبَل غيرها بتفشي «مرض الغثائية» و«مرض الإمعية»، فإن تاريخهم يشهد لهم بالإيجابية، وعدوى التحرك عندما يقتنعون بقضية مظلوم، وبين يديك موقفهم الأخير من جريج، كذلك فقد تستهويهم البطولات الفردية وثبات صاحب القضية، وهذا ما حدث في قصة الغلام والراهب، وذلك عندما طلب الغلام من المَلِك إن أراد التخلص منه؛ فليقتله أمام الناس، وليقل أولًا: بسم رب الغلام وليرمه بالسهم، فلما مات آمن الناس برب الغلام، ولم يرجعهم عن دينهم إحراقهم في الأخدود؛ وذلك لأن أول قضية انفعل بها الغلام تلك الدابة العظيمة التي حبست الناس، وبمبادرة فردية تولى هو أمر قتلها.

استدراك: ولو تأملت سير المجاهدين -رضوان الله عليهم- لرأيت أن دعوتهم تستمد سماتها من السِمة العالمية لدعوة الإسلام، وتستقي خطابها الدعوي من هديه -صلى الله عليه وسلم- الذي جمع حوله مختلف الطبقات وشتى الأجناس، ففي سيرة الإمام حسن البنا -رحمه الله- أنه في خطابه الدعوي لم يجعل دعوته نخبوية، ونادى: «يا قومنا، وكل المسلمين قومنا». وعندما صنف المدعوين لم تحده النظرة الطبقية فقال: «وكل الذي نريده من الناس أن يكون أمامنا واحدًا من أربعة: مؤمن بدعوتنا، ومتردد، ونفعي، ومتحامل» «مجموعة الرسائل - دعوتنا 14 - 15 بتصرف». وفي «رسالة المؤتمر الخامس» يعلن الخصائص السبع لدعوته، ومنها: سرعة الانتشار في القرى والمدن. وعندما أراد أن ينتقل من الإسماعيلية، رشح نائبًا له يخلفه فيها وهو الشيخ علي الجداوي، وقد كان يحترف النجارة، وقد وافق عليه الإخوان بالإجماع. «مذكرات الدعوة والداعية: البنا ص 117».

وكان من ذكائه وحكمته -رحمه الله- أنه عرف مفاتيح قلوب هذه الفئة، وأنه يحرك عاطفتها وغيرتها على قضايا أمتها المعاصرة، ولقد سطر التاريخ بحروف من ذهب سباق آلاف المتطوعين لحرب الإنجليز على رمال القناة، ولقتال يهود على ثرى فلسطين. وما أشبه الليلة بالبارحة، فجروح أمتنا لم تزل تنزف وتتجدد وتتنوع، ولكن أين الذي يحرك العواطف والقلوب للبذل؟! وأكبر شاهد على التقصير هو تلك الشكوى المُرة من نائب جمهورية البوسنة، أيوب جانيتش، في لقائه والأستاذ فهمي هويدي من «ظاهرة الغياب العام لصوت الجماهير المسلمة ورأيها فيما يجرى على أرض البوسنة، وعلله بأنه تغييب أكثر منه غياب». «الشرق الأوسط: العدد 3568 بتاريخ 9/8/1993م الموافق 21/2/1414ه».

والداعية.. الذي تثقله جراح أمته، فإن انشغاله بالتنقيب عن الرواحل لا يعفيه من أن يتقدم إلى هذه الفئة ولا يهملها.. فيومًا ستتحرك إما له وإما عليه.. وجريج يشهد لها. ولم تزل كنوزها غنية.. وإنه لتفريط للأمانة أن تنقلب ذاتية التحرك بالدعوة بين الناس إلى ذاتية غريبة تسمى التقوقع والتشرنق!! كذلك لم تزل عندها القابلية للإجابة.. فإما إنصاف رواحل وإما قوات المستبد!!


دعاة بعد الموت

ناجي الخرس

عن محمد بن العباس المكي سمعت الوركاني - جار الإمام أحمد بن حنبل - قال: «أسلم يوم مات أحمد بن حنبل عشرون ألفًا من اليهود والنصارى والمجوس» انتهت الرواية. سبحان الله انظر إلى تأثير الإمام أحمد بن حنبل في حياته وبعد مماته، وهذا يدل على صدق الإمام أحمد وثباته واستقامته حتى في آخر حياته رضي الله عنه. وهذا يدل على أهمية الثبات وأنها من أهم وسائل التأثير الدعوي على الناس، فاحرص أخي الداعية أن تكون لك حسنة جارية إلى يوم القيامة، كما أخرج الإمام مسلم في صحيحه: «من سن سُنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة». وكما قال د. يوسف القرضاوي: والناس متفقون على أن الذكر الحسن الذي يتركه الإنسان بعد موته يعتبر عمرًا آخر له: عمرًا غير محدود بعد عمره المحدود، قال المتنبي:

ذكر الفتى عمره الثاني وحاجته ما قاته، وفضول العيش أشغال

ولا عجب أن كان من دعاء أبي الأنبياء خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام: ﴿وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ (الشعراء: 84). انتهى كلام د. يوسف القرضاوي.


البنيان

سليمان العتيقي (مشرف – الكويت)

عن أبي ذر جندب بن جنادة وأبي عبد الرحمن معاذ بن جبل رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن» رواه الترمذي. وصية نبوية كريمة.. تجمع حُسن الخصال، وجميل الطباع، وطيِّبِ الأخلاق، يوصينا بها صلى الله عليه وسلم أن نتمسك بها فلا نتركها ولا ندعها.. إنها الأخلاق السامية.. والمرء بأخلاقه لا بثيابه.. ولذا يقول الشاعر:

صلاح أمرك للأخلاق مرجعه فقوّم النفس بالأخلاق تستقم النفس كالطفل إن تتركه شبّ على حُب الرضاع وإن تفطمه ينفطم

وضرب لنا صلى الله عليه وسلم خير قدوة لذلك.. فقد «كان خُلقه القرآن»، «وما أعطى العبد بعد الإسلام خيرًا من خلق حسن». إنها عملية البناء في النفس بتلك الأخلاق السامية.. وهو البناء والبناء فقط!! ويا لصعوبته، إن بنيانًا يُراد، ومبنى يُبْتَغى، وجدارًا سميكًا يُبْنَى. ليس بأمر هيّن، بل هو أيام طوال من البناء والعمل، حتى يكمل!! أرأيت لو أنك أردت بنيانًا تقيمه، وصرحًا تؤسسه أتظن أن ذلك سهل، بل إن المراد صعب!! فهو عمل في حفر أرض البناء، ثم وضع الأسس والأساسات، ثم رفع البناء لَبِنة على لَبِنة، مع حُسن التخطيط والهندسة، وهكذا دواليك حتى يتم لك ما أردت، بعد تعب طويل، وجُهد شاق.. وهكذا النفس!! تحتاج منك لحُسن رعاية وتربية، واضبط نفسك دائمًا لكيلا تتفلت، ولا نخسرك إن كان ذلك!! سايسها وألزمها الحق والصواب، وعليك بحُسن الخلق لا تتركه.. وإياك أن تتبرأ من مبادئك.. بل عليك بحُسن الخلق.. لا تدعه.. ولك بإذن الله الأجر.. والحمد لله رب العالمين..


عبادة في الأسواق

جاسم المطوع

وهذا فن آخر من فنون التابعين في اقتناص الأوقات بذكر الله؛ حيث يستغلون فرصة شغل الناس بالأسواق، وهمهم بالبيع والشراء ويصرفون همهم بعبادة الله تعالى، فيستفيدون من وقتهم بالأسواق، ينفردون بالعبادة من دون الناس، فترتفع العبادة إلى الله من أبغض الأماكن إليه، فيفوزون بالسبق، وعلى رأس ذلك التابعي: «محمد بن سيرين» -رحمه الله- الذي كان إذا رأيته ذكرت الله، فقد كان: «يدخل السوق نصف النهار فيكبّر الله ويسبحه ويذكره ويقول: إنها ساعة غفلة الناس».

هذا شأن من يوفقه الله فيحسن استغلال وقته، فنراه يقتنص ساعة غفلة الناس في المجالس أو في الأسواق أو في أماكن اللهو، فيذكر الله تعالى لينال فضل السبق والتفرد في عبادة الله تعالى. من كان يعلم أن «ابن سيرين» كان يذكر الله تعالى!!؟ فلو رآه الناس لظنوا أنه لاهٍ بالبيع والشراء، وأنه يتاجر في الدنيا، ولكن الحقيقة تقول: إنه من أكبر تجار الآخرة. لقد أسس هذا المنهج -التفرد والسبق- النبي صلى الله عليه وسلم حين أخبرت عنه عائشة رضي الله عنها قالت: «اغتم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة بالعشاء، وذلك قبل أن يفشو الإسلام، فلم يخرج حتى قال عمر: نام النساء والصبيان، فخرج فقال لأهل المسجد: ما ينتظرها أحد من أهل الأرض غيركم».

قال «ابن رجب الحنبلي» -رحمه الله-: «قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما ينتظرها أحد من أهل الأرض غيركم» وفي هذا إشارة إلى فضيلة التفرد بذكر الله في وقت من الأوقات لا يوجد فيه ذاكر له». فاقتنص أخي ساعات غفلة الناس؛ لتكتب من الذاكرين، فتنال شرف التفرد والسبق في ذلك.

 

الرابط المختصر :