العنوان صراعات القرن.. ودول المنطقة الانتقالية نموذجان للكيد الغربي للحركات الإسلامية
الكاتب حامد عبد الماجد
تاريخ النشر السبت 19-مايو-2001
مشاهدات 54
نشر في العدد 1451
نشر في الصفحة 32
السبت 19-مايو-2001
* تقع معظم أنشطة الحركات الإسلامية ضمن دائرة الصراع المنخفض الحدة.
* ستيفن سلوان: العالم يعاني من «صدمة المستقبل» الحادة في دول ما بعد الاستعمار أو دول المنطقة الانتقالية.
* 6 أبعاد للصراعات المنخفضة الحدة تستدعي:
- دعم شرعية النظم الحليفة والموالية.
- تنظيم فعال وسلطة غير مشتتة.
- دعم خارجي منتظم.
- وقف الدعم الخارجي للمعارضة.
- توافر المعلومات.
- السيطرة على المؤسسة العسكرية.
* الصراع يحتدم بين قوى المشروع الليبرالي المتحالفة مع فئات حاكمة، والقوى التقليدية ومعها الحركات الإسلامية.
* من المهم وجود قوات تستطيع حسم الصراع ضد الحركات المعارضة من دون إثارة الجماهير.
تعد الدراسات المستقبلية من أهم الحقول العلمية وأكثرها إثارة للفضول والتساؤلات، وهي تمثل مرحلة متقدمة في منهجية التفكير والبحث العلميين، إذ تقوم في أبسط معانيها على اقتراح رؤى وتصورات على أسس علمية لما سوف تتطور إليه الأحداث والوقائع مستقبلًا، ورسم سيناريوهات هذا التطور، وتقديم إمكانات لضبطها والتحكم فيها تحقيقًا للمصلحة العامة والأمن القومي للأمم والشعوب، ولعل هذا هو إحدى دلالات مفهوم الممارسة السياسية، الذي يعني المبادرة بالأفعال بناء على وضع أو وجود رؤى وتصورات للمستقبل وعدم الاكتفاء بالانتظار لممارسة ردود الأفعال.
دراسة مستقبلنا في المنطقة العربية والعالم الإسلامي أمر بالغ الأهمية في ضوء فهم وتحديد جوهر صراعات القرن الحادي والعشرين؛ المرتبطة بشكل أساسي بالتطورات التي شهدها الإطار العالمي الحاكم والمستجدات الأساسية فيه، خاصة أن العالم العربي والإسلامي هو ساحة تلك الصراعات.
أولًا: المستجدات على النطاق الدولي وموضع الولايات المتحدة:
دون الدخول في تفاصيل معلومة فإنه بسقوط الاتحاد السوفييتي، وانهيار الكتلة الشرقية، وانتهاء الحرب الباردة والقطبية الثنائية... إلخ، لم يعد ممكنًا اعتبار بلدان العالم الثالث ومن ضمنها العالم العربي والإسلامي تابعة لإحدى القوتين بشكل سافر، وبالتالي تواری استخدام مفاهیم حروب التحرر الوطني، وفقدت المبررات التقليدية التي كانت تساق في السابق لتبرير التدخل في هذه البلدان جديتها، وكذلك تصاعد دور العوامل المحلية والإقليمية في الصراعات إلى جانب العوامل المتعلقة بالنظام الدولي، ولعل من أهم المستجدات على النطاق الدولي تعاظم موضع الولايات المتحدة والمكانة المحورية لها، والدور القيادي الذي تحاول لعبه، وهي التي تشكل الإطار العالمي الضابط أو الحاكم -من وجهة نظرنا- لمستقبل الأحداث والتطورات في المنطقة العربية والإسلامية، ويمكن إجمال هذه المستجدات في العوامل والمتغيرات التالية:
1- تتوافر حاليًا للولايات المتحدة معظم مقومات القوة العسكرية، والتكنولوجية والاقتصادية، والمعلوماتية... إلخ، ومن المنتظر أن تحافظ على هذه الوضعية خلال الربع الأول من هذا القرن على الأقل، ومن المتصور ألا تستطيع «دولة» منافسة القوة الأمريكية بمختلف مكوناتها وعناصرها، بحيث تشكل بديلًا ولو محتملًا لها في المدى المنظور.
۲- يوجد عدد من القوى البازغة متمثلة في أوروبا، والصين، واليابان ستعمل على تقييد خيارات الولايات المتحدة في السيطرة والتحكم على المستوى الدولي، والحد من تأثير استراتيجيتها العالمية. ورغم استمرارية نمو القوة الأمريكية إلا أن هناك شعورًا بالرفض الممزوج بالتحدي للعجرفة الأمريكية في إدارة سياستها الدولية، وقد يدفع ذلك جماعات أو دولًا معينة لمحاولة إلحاق الضرر بالمصالح الأمريكية خارجها أو داخلها، ومن ثم فإنها سوف تستمر في تقوية رادعها النووي وأجهزة استخباراتها صيانة لأمنها القومي، والتنبؤ بالأفعال العدائية المحيطة بها في العالم بأسره، ولعل هذا ما نشاهده في سياسة جورج بوش الابن بالعودة إلى أجواء الحرب الباردة في السياسة الخارجية الأمريكية في الكثير من مناطق العالم.
3- يزداد معدل سرعة الثورة المعلوماتية عالميًّا، الأمر الذي يترتب عليه ازدياد الفجوة المعرفية، حيث يسهم من ناحية في تجميع العالم في كينونة واحدة، ومن ناحية أخرى سيؤدي إلى نمو النزعات الإقليمية والعرقية من قبل أولئك الذين يعجزون عن التفاعل مع هذه المتغيرات، الأمر الذي سيؤدي إلى ظهور انقسامات وتناقضات فيمختلف أوجه الحياة.
٤ - تتغير طبيعة النظام الاقتصادي العالمي بوتيرة متزايدة، الأمر الذي سيؤدي إلى ارتفاع مستويات الدخل مع ازدياد الفجوة بين الفقراء والأغنياء، بالإضافة إلى حدوث مزيد من الاندماجيات بين التكتلات والدول من ناحية، وأيضًا مزيد من التفكك وانفراط عقد كيانات أخرى نتيجة الضغوط المفروضة عليها.
ه - تتبلور الملامح الأساسية لأيديولوجيةعالمية تحمل عنوان العولمة، مضمونها المشروع الليبرالي الغربي الأمريكي تحديدًا، وتدور في فلك الأفكار الكبرى حول «الديمقراطية»، و«حقوق الإنسان»، الأمر الذي سيؤدي في أحد أبعاده إلى تعظيم دور المنظمات الأهلية غير الحكومية على الصعيدين الداخلي والدولي.
6- ستحدث تغيرات جذرية في طبيعة الدولة والأنظمة السياسية داخلها، وكذلك مجموعة من المبادئ السياسية الأساسية الحاكمة، فعلى سبيل المثال سيواجه مفهوم السيادة تحديات ضخمة، كما ستبرز الحاجة إلى تشكيل مؤسسات فوق القومية لمواجهة المشكلات العالمية، وسوف تسلك الولايات المتحدة سبل التدخل عبر المنظمات الدولية على النمط اليوغسلافي في أجزاء كثيرة من العالم، خاصة إذا عجزت عن تشكيل آليات سياسية حاكمة تستطيع التعامل مع العالم في شكله البازغ الجديد.
ثانيًا: نمط الصراع المستقبلي «الصراع المنخفض الحدة»: Low Intensity Conflict
ستقع غالبية الصراعات المستقبلية بين الدول وداخلها خاصة في العالم الثالث وفقًا لبعض الدراسات، وستكون الأقليات أقل قدرة على احتمال الظلم والتهميش المجتمعي من قبل الأنظمة الحاكمة مع إدراك أهمية «تقرير المصير»، الأمر الذي يعني بوضوح أن المستقبل سيشهد «محميات» دولية، أو مناطق مستقلة تبزغ من رحم هذا النوع من العنف الذي سيحدث في بعض الدول، وقد قدم بعض علماء التحليل السياسي في ضوء استقراء بعض متغيرات هذا الإطار تصوراتهم عن طبيعة التفاعلات المستقبلية في منطقتنا، وهناك في هذا الصدد نموذجان للتحليل ينطلقان من فكرة «الصراعات المنخفضة الحدة»، ويعنى النموذج الأول بتوصيف الظاهرة وتحديدها، فيما يعنى الثاني ببيان جوانبها وأبعادها المختلفة:
۱ - نموذج ستيفين سلوان Stephen Sloan Model
ويقدمه البروفيسور ستيفن سلوان على أنه يفسر طبيعة المرحلة القادمة خلال الربع الأول من القرن الحادي والعشرين، التي ستتميز بعدم التأكد أو اليقين مع أنها قد تتيح «فرصًا»، وتفرض «قيودًا»، ويرى أنه إذا كان العالم قد تجاوز ما حدث في الاتحاد السوفييتي وأوروبا الشرقية، فإنه سيعاني مما يسميه صدمة المستقبل الحادة في دول ما بعد الاستعمار في آسيا وإفريقيا والشرق الأوسط التي يسميها دول المنطقة الانتقالية. ويرى سلوان أن الصراع في هذه المنطقة سوف يحتدم بين قوتين هما القوى التحديثية حاملة المشروع الليبرالي ولو في صورته الدعائية التي تتحالف مع فئات حاكمة، والقوى التقليدية مثل العائلات والأسر، والقبائل، والأصولية الإسلامية... إلخ، وهذه قوى -وفقًا له- ما زالت حية وفاعلة في تلك المنطقة الإقليمية، بل سترتفع أهميتها في ظل العولمة، حيث تفرض القوميات والعرقيات والأديان دورها وتطالب باستقلالها، ورغم أن القوى الأولى قد حاولت القضاء عليها تاريخيًّا إلا أنها لم تستطع -بل زادت قوتها- في بعض الأحيان، وذلك كردة فعل على سياسات التحديث والعلمانية. ولكن ما طبيعة هذا النوع من الصراعات؟ هذا ما يجيب عنه سلوان بأنه الصراع المنخفض الحدة، وهو باختصار «مواجهات سياسية وعسكرية مختلطة بين دول أو جماعات متنافسة دون الحرب التقليدية وفوق التنافس السلمي، وغالبًا ما يحتوي صراعات «مبادئ»، و«عقائد»، ويشتعل عبر وسائط ووسائل متعددة سياسية واقتصادية ومعلوماتية وعسكرية... إلخ. مصادر هذا الصراع ستكون إلى حد كبير العوامل الداخلية التي تتراوح ما بين منافسة بين النخب السياسية إلى فرض الأقليات لذاتها في نزاعات تأخذ أشكالًا عدة من صراعات قبلية إلى حركات انفصالية، كما أن له تأثيرات أمنية وإقليمية وعالمية.
مفهوم الصراعات المنخفضة الحدة كاصطلاح مستقى من التقسيم التقليدي للصراعات في تقاليد علم العلاقات الدولية الذي يقسمها إلى أنواع ثلاثة:
1- الصراع المرتفع الحدة، مثل الحرب العالمية الثانية.
2- الصراع المتوسط الحدة، مثل حرب الخليج الثانية.
3- الصراع المنخفض الحدة بالمعنى الذي أسلفنا.
ویری سلوان أن الولايات المتحدة تستطيع أن تتعامل مع النوعين الأولين من الصراع بسهولة، حيث تستفيد من حجم مواردها وطاقاتها المادية والبشرية... إلخ، في حروب واضحة المعالم مقبولة من الرأي العام الأمريكي لا يصعب التوقع فيها أو التنبؤ بمساراتها، ويمكن إدارتها بمهارة فائقة «كما حدث في حرب الخليج الثانية». أما النوع الثالث فقد واجهت فيه أمريكا تاريخيًّا -ومن المنتظر أن تواجه مستقبلًا- إخفاقات كثيرة بسبب غموض هذا النوع من الصراع، وتعدد عوامله، وعدم تدرب الإدارات الأمريكية على التعامل معه، وصعوبة إقناع الرأي العام الأمريكي به، وأهمية السرية بأساليبها المختلفة فيه، وصعوبة تحقيقها في آن واحد.
وإذا كانت الولايات المتحدة هي القوة المهيمنة على النظام الدولي مع وجود تهديدات من قوى بازغة -كما أسلفنا- فسوف يدور بينها صراع على توزيع الأسلاب والغنائم، أما الدول «العاصية» و«المتمردة» على الأوضاع فسيجري استيعابها وتدجينها باستمرار مثل كوريا الشمالية، السودان، كوبا، إيران. إضافة إلى وجود حركات اجتماعية وسياسية داخل الدول الخاضعة للهيمنة تسعى إلى تغيير هذا الوضع ينبغي التعامل معها، وستحاول الولايات المتحدة تثبيت النظام الدولي عبر تثبيت الأنظمة «المتعاونة» و«الخاضعة»، وفي الوقت نفسه القضاء على الحركات التغييرية التي تقود أشكالًا من الصراعات المنخفضة الحدة حول الشرعية والسيطرة وتهدد الاستقرار ضمن دولة أو منطقة معينة.
۲ - نموذج ماكس مانورانج : Max Manwaring Model
طرح البروفيسور ماكس مانورانج نموذجًا لدراسة الأبعاد المهمة للصراعات المنخفضة الحدة يفيد في ثلاثة جوانب متكاملة:
الأول: تحليل الصراعات المنخفضة الحدة في بلاد كثيرة من العالم عبر مراحل تطورها المختلفة: السياسية والاجتماعية والاقتصادية... إلخ، وقد تضمن الكتاب دراسات حالة عن: تايلاند، جواتيمالا، إثيوبيا، بيرو، إيران، أفغانستان، السلفادور.
الثاني: تحديد مدى قدرة الحكومات المختلفة المهددة وحلفائها على مواجهة الأبعاد والجوانب المتعددة التي تخلفها الصراعات المنخفضة الحدة.
الثالث: تقييم مدى قدرة الحركات المعارضة على تحقيق أهدافها الاستراتيجية في الصراعات المنخفضة الحدة. وقد أثبتت الحالات الاختبارية في تطبيق هذا النموذج بجميع أبعاده التي يدور حولها الصراع فاعلية قصوى في تحليلها وفهمها، وتحديد أساليب المواجهة في ظروف الصراعات المنخفضة الحدة.
ثالثًا: الأبعاد الأساسية لنموذج الصراعات المنخفضة الحدة:
1 - قضية الشرعية: بعد الصراع حول قضية الشرعية من أهم جوانب الصراعات المنخفضة الحدة، فإذا كان الهدف الأساسي للحكومة هو المحافظة على الوضع القائم، وحماية بقائها واستقرارها السياسي، فإن هدف الحركات والقوى المعارضة تحطيم شرعية الوضع القائم لصالح بناء شرعية جديدة، ولذلك يقترح النموذج أن تكون قضية الشرعية محل الاهتمام الأول للقوى التي تدعم الحكومة، أي باختصار تحديد طرق دعم شرعية النظم الحليفة والموالية، وسحب دعاوى الشرعية عن الحركات المعارضة.
2- الرؤية والتنظيم:
بمعنى أن تكون كل الجهود منطلقة من رؤية استراتيجية متسقة مرتكزة على الأهداف العليا وهي: البقاء، وتسوية الصراع، وإزالة أسبابه... إلخ. ويسعى التنظيم لتوحيد الجهود، فبدون تنظيم على أعلى المستويات لوضع خطة موحدة لحركة قومية تشمل الجهود المدنية والعسكرية فإن السلطة تصبح مشتتة، ولن يوجد توحيد ملائم للجهود لتسوية المشكلات الضخمة التي تصاحب الصراعات المنخفضة الحدة. إن فشل الحكومة أو الحركات التغييرية والسياسية في خلق التنظيم الفعال يؤدي غالبًا للهزيمة، وفي كثير من الأحيان تكون الحكومة في موضع ضعف خاصة إذا استلمت الحركات زمام المبادرة عبر قدرات تنظيمية فائقة تصاحبها أهداف محددة بوضوح، ومن ثم فإن مانورانج يقترح بوضوح مساعدة الدول على وضع الخطط الموحدة لمواجهة القوى والحركات المعارضة، وضمان وحدة الخطة والاستراتيجية، وكفاءة التنظيم.
3- انتظام الدعم الخارجي للدول والأنظمة الصديقة:
من العناصر المهمة والحساسة وجود وتوافر «نوعية» و«حجم» طويل المدى من الدعم المنتظم للحكومات المستهدفة الموالية خلال فترة الصراعات المنخفضة الحدة وبعدها. ويؤكد النموذج أنه عندما يسحب الدعم المادي وغيره أو لا يتم توفيره -بانتظام- خلال الصراع، فإن نسبة النجاح تنخفض بدرجة كبيرة، والعكس صحيح. وكذلك فعندما ينقطع الدعم عن حكومة مهددة بعد نجاح عسكري أو أمني ضد الحركات المعارضة فإن ذلك يضر بتقدم الأبعاد الأخرى في النموذج، وفي أكثر الأحيان يؤدي ذلك إلى استعادة الحركات المعارضة زخمها واستمرار خسائر الحكومات والأنظمة، أي أنه يقترح ويوصي -باختصار- بتنظيم الدعم الخارجي لهذه الدول والحكومات بحيث يتميز بالاستمرارية.
4- القدرة على الحد من قضية الدعم والإسناد الخارجي للحركات المعارضة:
يعتبر هذا البعد الرابع من أبعاد النموذج هو الوجه المقابل للسابق، ويمثل حاجة الحكومة أو الدولة المستهدفة لفصل الحركات المعارضة عن شبكة الدعم ومناطق الأمان الداخلية والخارجية، كما يبين حاجة هذه الحركات إلى المحافظة على الدعم الخارجي لتتمكن من النجاح، ولذلك فإن القضاء على الدعم الخارجي أمر مهم، إذ يؤدي نجاحه إلى مضاعفة فرص النجاح في الأبعاد الأخرى، وهكذا يركز النموذج في هذا الصدد على طرق قطع هذا الدعم الخارجي ويقدم العديد من الأمثلة مما لا مجال لتفصيله.
5 - مدى توافر المعلومات من حيث الكمية، والنوعية، والدقة، والتوقيت:
يعد هذا البعد عنصرًا مهمًّا في نجاح الحكومة أو الحركات المعارضة، فالأخيرة تحتاج إلى المعلومات لكي تقتصد في استخدام قوتها التي تكون عادة محدودة وأصغر إذا ما وضعت موضع المقارنة مع الحكومات والأنظمة، وهي أيضًا مهمة لاستخدام وإحداث عنصر المفاجأة في علاقاتها معها، وهي -أي المعلومات- تعد بعدًا مهمًّا للحكومة المستهدفة في عزل قيادة الحركات المعارضة والقضاء عليها، وتفكيك أبنيتها التنظيمية، وهكذا فإن هذا البعد في النموذج يركز على طرق تنمية وتحديث الشبكة المعلوماتية في كل مكان.
6- فاعلية السيطرة على المؤسسة العسكرية:
يهتم هذا البعد الأخير بمدى قدرة الحكومات على التأثير الإيجابي لصالحها من خلال التحكم في تصرفات القوات المسلحة أو المؤسسة العسكرية بشكل عام بما فيها جهاز الشرطة والأمن من خلال إحراز نجاحات واضحة في مواجهة الحركات المعارضة، مما يدعمها أمام قوى الرأي العام ويتيح لها تشكيل توجهاته، وهكذا فإن قدرة المؤسسة العسكرية بجناحيها الجيش وأجهزة الأمن على مواجهة وهزيمة الحركات المعارضة في عمليات عسكرية، أو ميدانية، يعتبر من العناصر الحاسمة في العملية. وتشير التحليلات بشكل واضح إلى أن هذا البعد هو المهم وربما الأفضل من الأبعاد الأخرى لمواجهة الحركات المعارضة، وإن الأبعاد الأخرى لا تؤثر كثيرًا دون وجود قوات تستطيع حسم الصراع دون إثارة الجماهير ضد الحكومة والنظام. ويلفت النموذج الانتباه إلى أنه قد يكون من الأهداف الأساسية للمعارضة في مواجهة الحكومة في إطار هذا البعد إثارة الرأي العام، الأمر الذي قد يدفع الحكومة لكي تخوض صراعًا عشوائيًّا وترتكب انتهاكات لحقوق الإنسان، ثم الاستفادة من سوء تصرف الحكومات وممارساتها من أجل تحطيم شرعيتها، عبر توظيف مختلف الظروف لتحقيق ذلك، والتوجيه الذي يقدمه النموذج في إطار هذا البعد هو تنمية قدرات المؤسسة العسكرية لمواجهة الحركات المعارضة، بحيث تستطيع أن تحسم الصراع دون إثارة الرأي العام ضدها. وهكذا فإن نجاح الولايات المتحدة وحلفائها في الاستفادة من النموذج المطروح يعني حرمان القوى المعارضة من النجاح والعكس صحيح.
رابعًا: ملامح تعامل الولايات المتحدة مع حالات الصراعات المنخفضة الحدة:
يضع العديد من المحللين والخبراء الاستراتيجيين أسسًا لما يعتقدون أنه ضوابط تحكم ممارسات وتحركات الإدارة الأمريكية الحالية إزاء حالات الصراعات المنخفضة الحدة على النحو التالي:
أ- إزاء حالة السيولة وعدم الاستقرار والغموض واتخاذ الصراعات أشكال صراعات إقليمية، ومحلية منخفضة الحدة ليس لها في حد ذاتها تأثير استراتيجي جيوبوليتيكي مباشر على الولايات المتحدة، ولا تدخل ضمن النمط السابق للصراع بين الدولتين العظميين إبان الحرب الباردة، فإنه بالتالي لن يتأثر الأمن القومي الأمريكي بشكل مباشر، ومن ثم سيكون التدخل الأمريكي محدودًا بالجانب الدبلوماسي وتقريب وجهات النظر والمساعدة الإنسانية إذا طلب منها ذلك صراحة، مع ملاحظة أن ذلك سيكون في المناطق التي لا تهدد فيها المصالح الأمريكية على المدى القصير والبعيد.
ب - تحديد المناطق التي تشهد الصراعات المنخفضة الحدة، ويمكن أن تتطور إلى حالة عامة من عدم الاستقرار الشامل ويمكن أن تؤثر سلبيًّا على الأمن القومي الأمريكي، وبالتالي يجب على الإدارات الأمريكية تعرف تلك المناطق المحتمل أن يتطور فيها مثل هذا الصراع، ومن ثم عليها -والأفضل أن يتم ذلك بمساعدة دول أخرى- العمل على نزع فتيل هذه الصراعات قبل أن يكون لها تأثير إقليمي مهم، وعلى واضعي السياسات أن يعيروا اهتمامًا خاصًّا بالدول التي تريد أن تصبح قوة إقليمية، أو هي كذلك بالفعل. وأيضًا في السياق نفسه يعيروا اهتمامًا بالحركات الاجتماعية والسياسية، التي يمكن أن تهدد استقرار منطقة معينة أو دول من هذا القبيل، ولعل هذا ما تقوم به الإدارة الأمريكية الحالية في المنطقة.
ج - يتم التعامل مع الوضع الدولي بالتوصيفالسابق عبر قيام صانعي السياسات بتعريف ما الذي يدخل ضمن مصالح الأمن القومي، وتعديل الاهتمامات، وإعادة ترتيب الأولويات باستمرار مثل الاهتمام بقضايا الإرهاب، ونقل التكنولوجيا وانتشار الأسلحة النووية، والاهتمام بنمو القوى السياسية لليابان والدول الصناعية الجديدة مثل كوريا الجنوبية، أما الدول الخارجة على القانون والمدرجة على لائحة الإرهاب فهي تمثل خطرًا قصير المدى.
د . تقبل الحقيقة القائلة إن الخط الفاصل بين الحرب والسلام سيزداد ضبابية وغموضًا، ومع أن احتمال حدوث حرب إقليمية مثل حرب الخليج لا يزال قائمًا، فإن البيئة السائدة ستكون أكثر غموضًا، ومن ثم يجب على صانعي السياسات من مدنيين وعسكريين وبيروقراطيين عدم التمييز بين حالة الحرب والسلام، إذ إن الفروق بين الصراع المسلح والسياسي تميعت وبالتالي عليهم أن يسعوا لتوحيد جهودهم.
وهكذا فإن الدراسات المستقبلية حول أنماط الصراعات المحتملة في منطقتنا، وكيفية تفكير مراكز الأبحاث والدراسات، وكذلك صناع القرار في التعامل معها، يمكن أن تكشف أمامنا أحد الجوانب المهمة للصورة؛ لكي نستطيع أن نحدد على أساس منها ماذا نستطيع أن نفعله ونمارسه من سياسات خلال هذا الربع الأول من القرن الحادي والعشرين.
مراجع أساسية للدراسة:
-John Lewis Gaddis, Rethinking Cold
War history, Oxford University Press, 1999. -David Haeld, (and others), Global Transformation, London, Polity Press, 1999.
-Alexander W Wendt, Social Theory of international politics, Cambridge Uni- versity Press, 1999
- Stephen D. Kranser, Soverigenty, Princeton University Press, 1999
Martin Van Creveld. The rise and Decline of the State, Cambridge Univer- sity Press, 1999.
-Edwin Corry Stephen Sloan, Low In-
tensity Conflicts, Old F
Threats in a new world
View West view Press, 1998.
(*) أستاذ زائر للعلوم السياسية- جامعة لندن- SOAS بريطانيا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل