; السودان.. ثورة الإنقاذ وحصيلة عامها الأول | مجلة المجتمع

العنوان السودان.. ثورة الإنقاذ وحصيلة عامها الأول

الكاتب عبيد الأمين

تاريخ النشر الثلاثاء 24-يوليو-1990

مشاهدات 73

نشر في العدد 975

نشر في الصفحة 12

الثلاثاء 24-يوليو-1990

  • إنجازات ثورة الإنقاذ الوطني في عامها الأول

    ·       في أقل من عام، تمكنت الثورة من استقطاب الاستثمارات العالمية، وجذبت اهتمام كثير من الدول العربية والأجنبية.

    ·       اهتمام الثورة بإعادة صياغة البنية الأساسية يفتح المجال واسعًا أمام تطوير العملية الإنتاجية. نهوض الوطن من وهدة التردي يقتضي الاهتمام بالتطور النوعي لصالح الإنسان وارتباطه بالعلم والتقنية الحديثة.

    ·       مشروعات التنمية مستمرة رغم الضغوط الخارجية.

    ·       الفريق عمر البشير في حفل العشاء الذي أقامه لأعضاء ندوة ترقية الاستثمار.
    ثورة الإنقاذ وتطوير المعاهد والجامعات
    .

    تمكنت ثورة الإنقاذ الوطني في السودان، بفضل الله تعالى، من تحقيق كثير من الإنجازات في عامها الأول، وذلك على الرغم من ضيق الطاقة الإنتاجية التي ورثتها عن النظام الحزبي الطائفي، فقد جاءت الثورة وخزينة الدولة خاوية على عروشها مما ألجأ الإدارة الاقتصادية للثورة إلى خلق أدوات جالبة تمثلت في محاربة السوق السوداء والقضاء على الاتجار في العملة إلا عن طريق القنوات الرسمية «البنوك» وتطوير الأسواق الحرة. وقد كانت نتائج تلك الخطوات فاعلة جدًا، أكسبت خزينة الدولة ما يقارب من نصف مليار دولار في الشهور الستة الأولى. وبذلك بدأت المعالجات الإنتاجية تجد طريقها إلى حيز التنفيذ باعتماد سياسة زيادة الإنتاج، حيث بلغت الزيادة في القمح 66% وبلغ إنتاجه 410 آلاف طن، وبلغت في مجال السكر 27% وبلغ إنتاجه 155 ألف طن «مصانع سكر عسلاية، ستار، الجنيد، قسم القرية» و240 ألف طن سكر كنانة، مما أُعلن معه الاكتفاء الذاتي من سلعة السكر وتصدير 20 ألف طن من فائض الإنتاج. وبلغت الزيادة في الذرة 84% وارتفعت إنتاجية القطن والحبوب الزيتية بنسب تفاوتت بين 17 و 28%، كما ارتفعت الزيادة في دخل مؤسسة الأسواق الحرة 169% في مجال الأرباح، وبلغت جملة الدخل من النقد الأجنبي 240 مليون دولار في الأشهر الستة الأولى، وكذلك ارتفع إنتاج مصانع الغزل والنسيج بنسبة تجاوزت 35%، كما ارتفعت كفاءة الطاقة التشغيلية للميناء والسكك الحديدية بنسبة 65% عما كانت عليه في العام المنصرم. وهكذا كانت حصيلة الجهد في زيادة الإنتاج ناجحة إنجازًا وإعجازًا. وفي إطار محاصرة الأزمة الاقتصادية وتطوير الطاقة الاستيعابية للعملية الإنتاجية حتى تصل إلى تحقيق الفائض أو الكفاية الإنتاجية، فقد رصدت الدولة مبلغ 500 مليون دولار لتوفير احتياجات الموسم الزراعي القادم، ومن ثم ترقية العمل في المجال الزراعي. وفي ذات السياق تأتي الدعوة لتطوير العمل الاستثماري، حيث عقدت في شهر مارس الماضي ندوة ترقية الاستثمار التي أمّها أقطاب المال ورجال الأعمال من مختلف الدول العربية والأجنبية، وبلغ عددهم 234 رجل أعمال، 96% منهم جاءوا من المملكة العربية السعودية. وقد حققت الندوة أجواء مفعمة بالصدق فيما يتعلق بالاستثمار في السودان. ومن جانب آخر، تواصلت المشاريع بين الدول والحكومة، حيث شرعت كثير من المؤسسات الاقتصادية والحكومات في تنفيذ مشاريع كانت قد أوقف تنفيذها بحكم الأجواء غير الملائمة التي سادت في الفترة السابقة لقيام ثورة الإنقاذ الوطني، حيث بدأت الصين في العمل في مجالات صناعة الغزل والنسيج وصناعة السكر وصناعة الجلود. ومن المعروف أن الصين نفذت في الماضي عدة مشاريع ضخمة في مجال الغزل والنسيج، وبدأت اليابان في تنفيذ مشروع بمساحة 850 ألف فدان لزراعة الأرز في منطقة الدويم على النيل الأبيض. وفي ذات الوقت، وافقت العراق على الاستثمار في مجال السكر وصناعة الورق، ويأتي هذا في إطار العلاقات المتينة بين البلدين، كما وافقت ليبيا على البدء في العمل الزراعي في السودان، وخاصة إنتاج القمح، وذلك في إطار التكامل بين البلدين. وهناك مشاريع تنفذها كل من المغرب وتونس ومصر في المجالات الزراعية وصناعة السكر، فضلًا عن أن الكويت تواصل دعمها الاقتصادي والثقافي والصحي عبر مشروعات ثنائية بين البلدين.

    وأما فيما يخص الاستثمار الأجنبي، فقد وافقت إيطاليا على العمل في مجال استثمار الثروة السمكية، على أن تعمل على تأسيس البنية التحتية لتطوير استغلال تلك الثروة الهائلة، كما أكدت الهند استعدادها للعمل في مجالات صناعة السكر والصناعات الثقيلة، إضافة إلى تعزيز التعاون في مجالات العلوم والتكنولوجيا، وكذلك أبدت تركيا تعاونها في مجال توفير المدخلات الصناعية والزراعية، وكذلك احتياجات المواصلات السلكية واللاسلكية. هذا فضلًا عن مشروع تطوير النقل البحري والنهري الذي أبدت يوغسلافيا استعدادها لتنفيذه في السودان. بالإضافة إلى بدء الدولة في ترفيع مشاريع البنية الأساسية كإنشاء وتطوير مراكز ومحطات الأبحاث العلمية مثل مركز البحوث والاستشارات الصناعية، والمركز القومي للبحوث، ومركز تكنولوجيا الأغذية، ومؤسسة التنمية السودانية، ومركز تطوير الإدارة، بجانب مراكز البحوث في البنوك المتخصصة. ومن جانب آخر، شرعت الدولة في تعبيد الطرق لربط مناطق الإنتاج بالعاصمة ومراكز التصدير، حيث بدأ العمل في طريق الدمازين-الكرمك، وطريق عطبرة-هيا-بورتسودان، وطريق أم درمان-دنقلا، وطريق كوستي-ملكال-جوبا (جنوب السودان)، ويبلغ طول هذه الطرق أكثر من 2500 كيلومتر، ويعتبر طريق كوستي-جوبا عملًا استراتيجيًا وذا اعتبارات عظيمة في ربط الجنوب بمراكز الإنتاج في الشمال.

    ومن جانب آخر، فإن الثورة عملت على تطوير مراكز التصدير في إطار تدعيم الطاقة الاستيعابية، حيث عملت على توسيع الأحواض الجافة في ميناء بورتسودان وتطوير الآلية العاملة، كما بدأ العمل في تطوير مطار بورتسودان حتى يساهم في مجال التصدير العاجل. ومما يذكر في هذا المضمار النجاح الباهر الذي حققته الثورة في مجال التعامل مع النقد الأجنبي، حيث استطاعت القنوات الرسمية أن تستقطب أكثر من 90% من النقد الأجنبي في الوقت الذي كان دخل هذه المؤسسات لا يتجاوز 1%، وبلغت تحويلات المغتربين حتى يونيو الماضي 230 مليون دولار. وبما أن الدولة تسعى لتطوير الإنتاج، فقد بدأ العمل في إنشاء مصنع ضخم لإنتاج الأسمنت في منطقة درديب وبطاقة إنتاجية تصل إلى مليون طن سنويًا. وعمومًا، فإن المشاريع التي نفذتها الثورة في عامها الأول أكثر من أن تُحصى، كما أن مشاريع الإنشاء تتجاوز تلك التي ذُكرت آنفًا.


    الذات والآخر

    لقد حققت الثورة نجاحات متعددة في صياغة حضور السلطة في جهاز الدولة، حيث أصبحت الثورة وحكومتها موضع تقدير واحترام الآخرين بعد أن كانت الأهواء السياسية قد ضعضعت وجودها لدرجة أن بعض الدول الخارجية لم تكن تتحرج في التعامل الدبلوماسي مع قيادة التمرد في جنوب السودان. ولقد كسبت حكومة الثورة هذا الوضع بعد أن استعادت شرعيتها داخل الحدود المعترف بها، وذلك بتقوية القوات المسلحة والقوات النظامية التي تمثل القوى الشرعية الوحيدة التي يحق لها أن تحمل السلاح للدفاع عن دستور الدولة وكيانها، وبذلك لم يعد المتمرد قرنق وقوات الخوارج التي تنساق وراءه تتمتع بأدنى شرعية، كما أن التعامل الرسمي والمفاوضات التي تجري مع وفودها لا يكسبها وضعية أخرى.

    وقد استطاعت الثورة أن تعيد تشكيل القوات المسلحة وتطوير أجهزتها ومعداتها حتى استطاعت أن تُجلي المتمردين من 80% من الأرض التي احتلوها إبان عهد الشتات الطائفي، وعاد الاستقرار والأمن في ربوع إقليم بحر الغزال وإقليم دارفور وإقليم كردفان، كما طُردت قوات التمرد من الإقليم الاستوائي على الرغم من الضجة التي تتداولها أجهزة الإعلام الغربية وبعض الصحف العربية.

    وأما في مجال العمل الدبلوماسي والعلاقات الخارجية، فقد استطاعت الثورة أن تكسب ثقة الدول العربية ودول الجوار الأفريقي بصورة حسنة، كما أقامت علاقات متميزة مع كل من العراق والجزائر وليبيا، وهناك مشاريع تكامل مع ليبيا ومصر، كما عُقدت اتفاقية تعاون مشترك مع أوغندا في مجال الأمن والمتمردين. وفي مجال العلاقات مع الدول الأجنبية، فقد طورت الثورة علاقاتها مع الصين واليابان بدرجة ممتازة، مما دفع هذه الأخيرة إلى الاهتمام بزيادة الدعم من 15 مليون دولار إلى 400 مليون دولار. وكذلك أقامت الثورة علاقات متبادلة مع الهند وكوريا وتركيا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا، وحتى الولايات المتحدة التي احتجت على نظام الثورة وقطعت معونتها (50) مليون دولار، ما زالت تبدي كثيرًا من الاهتمام بالثورة وتجدد مبادراتها بصفة مستمرة من أجل السلام في السودان، ولا يأتي هذا اعتباطًا وإنما تقديرًا للعمل الدؤوب الذي أضفته الثورة على مكانة السودان. ومما هو جدير بالذكر أن الثورة فتحت أبواب السودان أمام الأشقاء العرب دون حاجة إلى تأشيرات مسبقة، وهو إجراء أتى للموازنة في الارتباط القائم بالشعوب العربية. إن الثورة وهي تعمل على إعادة السودان إلى مكانته الدولية لا تنسى تعميق الصلات من أجل المصالح المشتركة، كما أن ذلك لا يعني تفريطها بهويتها وأصالتها بكل الأبعاد الإسلامية والعربية. لقد آلت الثورة على نفسها منذ يومها الأول أن تعمل على إنقاذ الوطن من وهدة التردي الذي ساقته إليه الأنظمة السابقة، ولذا فهي في سبيل تحقيق ذلك الهدف الشريف لا بد أن تلتفت للإنسان باعتبار أن الإنسان هو غاية النهضة والتنمية ووسيلتها، وترقية الإنسان تتجلى بكفالة حقوقه الأساسية والعدالة والحرية والكفاية والأمن، بالإضافة إلى تبصيره بما عليه من واجبات. وقد أقبلت الثورة على تلك القيم فبثتها في نفوس المواطنين في ثقة وإيمان وكرامة، فكانت المشاركة في القرارات الأساسية عن طريق ديمقراطية المؤتمرات «الحوار الوطني، الإنقاذ الاقتصادي، التعليم العالي، الاستثمار، قضايا المرأة، التنمية الاجتماعية، وغيرها». وعملت على الأمن والكفاية مما حقق وضعًا مريحًا للإنسان بعد أن كان يعاني من جراء أدواء التسيب والسطو المسلح. وفي سبيل ترقية الإنسان جاءت قرارات الثورة في توسيع التعليم العالي حيث أنشأت 5 جامعات جديدة، وهي جامعة وادي النيل في الإقليم الشمالي، وجامعة الشرق في الإقليم الشرقي، وجامعة كردفان، وجامعة الفاتح في إقليم دارفور، كما طورت معهد الكليات التكنولوجية إلى جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا. وفي إطار التوسع الأفقي لم تنس الثورة أهمية نوعية المناهج؛ ولهذا كان قرارها حاسمًا في تحديد هوية التعليم وارتباطه بالمجتمع وعقيدة الأمة وثقافتها، ولهذا كان قرار تعريب التعليم الجامعي في جامعات السودان العشر قرارًا يُحسب لصالح استئصال الازدواجية الثقافية.

    ومثلما اهتمت الثورة بالتعليم، أبدت حرصها كذلك على تقديم خدمات أفضل في المجال الصحي، حيث شرعت وزارة الصحة في برنامجها الرامي إلى إصحاح البيئة وتطوير الخدمات الصحية والعمل على الاكتفاء الذاتي من الدواء، وأثمرت تلك المشاريع حيث انخفضت الأمراض.

     

الرابط المختصر :