العنوان أجنحة العنف الموالية لإيران في الساحة العربية
الكاتب محمد عبد الهادي
تاريخ النشر الثلاثاء 26-أبريل-1988
مشاهدات 52
نشر في العدد 864
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 26-أبريل-1988
تناولنا في
العدد الماضي تعريفًا بأبرز المنظمات الموالية لإيران في الساحة العربية، ونتابع
حديثنا في هذا العدد عن أجنحة العنف المنبعثة عن تلك المنظمات الموالية لإيران.
وابتداءً نقول:
إن الملاحظ كثرة
الأسماء المعلن عنها بهذا الصدد، بل إن هذه الكثرة في الأسماء يصحبها نوع من
التداخل والتشابه، إلا أن المؤكد أن لبعض هذه الأسماء مسميات حقيقية تنشط في تنفيذ
أعمال العنف وفق مخطط له وسائله وأهدافه. وقبل أن ندرج أسماء الأجنحة الإرهابية
التابعة لتلك المنظمات لا بد من التذكير بالأمور الآتية:
• بعد قيام حكومة الخميني في طهران، أمر
بتشكيل ما يسمى بـ «مجلس الدفاع الأعلى»، والذي يضم كلًا من «رئيس الجمهورية
الإيرانية، ورئيس مجلس الشورى، ورئيس حرس الثورة» وعهد إليه بعدد من الأمور، منها:
الإشراف على الحركات الموالية للثورة الإيرانية في العالم الإسلامي.
• تشكلت في كل منطقة -ولا سيما في العراق،
ولبنان، وأوروبا، وبعض بلدان الخليج- مجموعات عمل تتفاوت برامجها بين الدعاية
السياسية للثورة الإيرانية، وبين تنفيذ أعمال العنف الداخلة في مخطط تصدير الثورة.
• ومن هذين المنطلقين تم وضع البرامج الكلية
والجزئية لكل منطقة، وأنيط (بمجلس الدفاع الأعلى الإيراني) تنفيذها بشقيها
(السياسي والإرهابي)، ومن ثم وجدت المنظمات الموالية لإيران كما ذكرنا في عددنا
الماضي، ووجدت معها أجنحة العنف التي أعلنت عن نفسها بأسماء كثيرة ومختلفة، مثل:
o الجيش
الثوري الإسلامي: وهو جناح خاص تابع لمنظمة العمل الإسلامي العراقية، وتتركز
أعماله الإرهابية داخل العراق.
o منظمة
الجهاد الإسلامي: وهي فرق العنف والخطف التابعة لحزب الله في لبنان، وتعمل في
أنحاء مختلفة من العالم.
o منظمة
جند الله: وهي مجموعات للعنف، تابعة لمجلس الدفاع الأعلى في إيران، وهي غير «جند
الله» التابعة لحركة التوحيد اللبنانية التي يرأسها الشيخ سعيد شعبان.
o منظمة
الثورة الإسلامية في الجزيرة العربية.
o منظمة
العدالة الثورية: وهي التي احتجزت مهندس الضوء في القناة الثانية في التلفزيون
الفرنسي.
o حركة
الثورة الإسلامية الحرة: وهي اسم من بين الأسماء التي نُسبت لنفسها مسؤولية
التفجيرات التي حدثت في الكويت عام 1983.
o جبهة
العدالة والتضامن: وهي التي نسبت إلى نفسها قتل الملحق العسكري الفرنسي في لبنان
يوم 18/9/1986.
o إضافة
إلى أسماء طُرحت ونُسبت لنفسها القيام بعمليات إرهابية عديدة، مثل: «الخلايا
الثورية، الألوية الدولية وغيرها».
أسماء وهمية:
وإزاء كثرة
الأسماء التي تنسب لنفسها أعمال العنف والخطف والقتل والإرهاب، نعتقد أن كثيرًا من
هذه الأسماء إنما هي أسماء وهمية متعددة، غالبًا ما تعود لمسمى واحد، أو لمخطط
يرجع بالتالي في تنفيذه إلى المخطط المتمثل بمجلس الدفاع الأعلى في إيران.
الذي انبثقت منه
مجالس ثورية إقليمية عديدة، على أن ما يعزز الاعتقاد بأن بعض تلك المنظمات هي
أسماء وهمية متعددة لمسمى واحد:
• تداخلها، حيث تعلن أكثر من منظمة مسؤوليتها
عن عمل واحد، فالتفجيرات التي حدثت في الكويت عام 1983 قامت به إحدى شبكات حزب
الدعوة، بينما أعلنت أسماء إرهابية أخرى مسؤوليتها عن تلك الأحداث، مثل: «حركة
الثورة الإسلامية الحرة»، و «منظمة الجهاد».
• التصريحات التي يدلي بها قادة الأحزاب
الموالية لإيران في لبنان حول تلك الأسماء؛ حيث سمّى المرشد الروحي لحزب الله محمد
حسين فضل الله كثرة المنظمات التي تنسب لنفسها أحداث العنف بأنها منظمات تلفونية،
ولعل تصريح محمد حسين فضل الله هو من محاولات التمويه أيضًا، إلا أنه يبقى مؤشرًا
إلى أن هناك مسمى هو الفاعل الذي يتسمى بعدد من المسميات.
وخلاصة القول في
هذا الجانب هو أن كثرة الأسماء لا تعني تعداد المنظمات، فالمؤكد أن الموجه والمخطط
الأعلى واحد، وقد يتعدد المنفذون، بل قد يشترك عدد من أفراد منظمات مختلفة
الجنسيات في عملية واحدة، وأبرز دليل على ذلك مجرمو حوادث التفجيرات في الكويت،
والذين يعودون إلى عدد من الجنسيات العربية.
مجلس أعلى ثوري:
لم يشأ مجلس
الدفاع الأعلى في إيران أن يترك الحبل على غاربه للأفراد والمنظمات الموالية له في
الساحة العربية، بل أحكم تنظيمها، وجهد في توحيد صفوفها؛ حيث انبثق عن المجلس
الإيراني المذكور مجلس خاص بالثورة خارج الحدود الإيرانية يسمى «المجلس الأعلى
للثورة الإيرانية»، ويضم في عضويته كلًا من:
• الدكتور تقي الدين المدرسي، ويشرف على
أعمال جناح خاص من أجنحة المجلس الثوري يسمى «منظمة الأمل الإسلامية».
• عزيز الحكيم، ويرأس مجموعات يُطلق عليها
اسم «المجاهدون»، وهي تابعة لحزب الدعوة.
• صبحي الطفيلي وهو الرجل الأقوى في حزب الله
اللبناني الذي تتفرع منه منظمة الجهاد الإسلامي.
وإذا كانت هذه
المجموعات تمثل بعض أجنحة العنف؛ فقد تكون هناك أطراف أخرى تمتلك عضوية في هذا
المجلس الثوري، إلا أنها ما زالت طي الكتمان الشديد.
إشراف السفراء:
على أن مجلس
الدفاع الأعلى في إيران خول سفراءه برعاية النشاط التنفيذي المطلوب في الأقاليم
الخارجية، ومنذ بداية الثورة الإيرانية (على سبيل المثال) عُهد إلى السفير
الإيراني في لبنان (محمد نوراني) أن يشرف على نشاط رجال الدين الشيعة في جنوب
لبنان وبعلبك، وقد ساهم نوراني في صياغة تشكيلات حزب الله وأجنحته السياسية
والعسكرية والإرهابية، وكان (نوراني) يعمل من خلال مجلس مصغر يضم كلًا من (إبراهيم
الأمين، عباس الموسوي، وحسن نصر الله الذي يعتبر مؤسس برنامج العمليات العسكرية
لحزب الله في لبنان).
على أن لسفير
إيران خارج لبنان نشاطًا إضافيًا مع هذه المنظمات، فقد نقلت (كونا) يوم 20/1/1984،
عن مجلة جوان أفريك الفرنسية: «إن جميع العمليات التي نفذتها مجموعات الجهاد
الإسلامي ضد مصالح عربية وغربية تمت بإشراف وتنسيق السفير الإيراني في دمشق «سيد
محتشمي»، والذي كان يساعده رجلان إيرانيان، هما: «محمد أحمد الحيدري، وسيد
داكاني».
ويبدو أن السفير
حسن اختري ورث مهمة السفير السابق سيد محتشمي بعد أن حل محله في الإشراف على هذا
النشاط.
وإذا كان
السفراء الإيرانيون ضالعين في تخطيط وتنفيذ الأنشطة الإرهابية في الساحة العربية،
فإن عددًا آخر من الشخصيات العسكرية الإيرانية تساهم في تنفيذ هذه الأنشطة، مثل:
«مصطفى شمران»، والذي كان قائدًا عسكريًا للفرق الشيعية في لبنان في المرحلة
الأولى من انتصار الثورة الإيرانية، إلا أن الخميني نقله إلى طهران حيث اغتيل فيها
بعد ذلك.
يضاف إلى هذا أن
قيادة الحرس الثوري الإيراني افتتحت مكتبًا لها في لبنان، ويرتبط المكتب ارتباطًا
وثيقًا بعمليات الفرق الإرهابية، ويحتفظ المكتب بمركز أساسي له بالقرب من القيادة
العسكرية لحزب الله في لبنان في ثكنة الشيخ عبد الله بمنطقة البقاع، كما أن لهذا
المكتب الإيراني وحدات ثابتة في المراكز العشرة الأخرى التابعة لحزب الله في مناطق
لبنان كلها.
أهداف دموية:
ومن خلال
ممارسات أجنحة الإرهاب للمنظمات الموالية لإيران نلاحظ أن الأهداف محصورة بأمرين:
• المطالبة بالإفراج عن معتقلين في بعض الدول
العربية.
• التأثير على مواقف بعض الدول غير العربية
من مجريات الأحداث في المنطقة، ولا سيما الحرب العراقية الإيرانية وأحداث لبنان.
وينحصر التنفيذ
الإرهابي الدائر حول تلك الأهداف في خطف الأشخاص أو الطائرات، وتفجير المؤسسات،
وقتل الأفراد، ونسف العمارات المدنية، وتفخيخ السيارات، وتخريب المنشآت
الاقتصادية، وضرب المصالح الخارجية.
تدريب:
والسؤال الذي
يطرح نفسه:
كيف أتقنت أجنحة
الإرهاب الموالية لإيران تنفيذ بعض العمليات الدقيقة ومنها بعض العمليات
الانتحارية؟
الجواب فيما
نقلته كونا، يوم 20/1/1984، عن مجلة جون أفريك الفرنسية التي قالت:
«إن أعضاء هذه
الفرق تدربوا في ثمانية معسكرات تتناثر بين إيران ولبنان.»
وأوضحت المجلة:
«أن معسكرات
التدريب في إيران مقامة في مناطق الأهواز، وطهران، وتبريز، وأصفهان، وقم.» وأشارت
جون أفريك أيضًا إلى أن هناك «ضباطًا يشرفون على تدريب هذه الجماعات في سهل
البقاع» اللبناني.
ملاحظات هامة:
بعد هذا
الاستعراض لواقع أجنحة العنف والإرهاب التابعة للمنظمات الموالية لإيران في الساحة
العربية لا بد من القول:
• إن المنظمات الموالية لإيران وأجنحتها
الإرهابية وإن تعددت، إلا أنها ترجع إلى هيئة واحدة تخطط لها ما يراد أن تنفذه،
مهما اختلفت جنسيات تلك المجموعات والمنظمات وأفرادها.
• إن الساحة الأوروبية غدت اليوم مرتعًا
خصبًا لتنظيم الشبكات الإرهابية التي ترفد أجنحة العنف الموالية لإيران، وواضح من
خلال العمليات التي أُحبطت أو انكشف أمرها أن المنفذين ليسوا أبناء جنسية واحدة،
وقد يكون كثير منهم من الطلبة الجامعيين أو خريجيها.
• إن إيران تتعهد بتمويل كافة هذه الشبكات
والأحزاب، وعلى سبيل المثال فإن السفارة الإيرانية في لبنان تدفع لشبكات حزب الله
وأجنحته المختلفة ما يعادل 11.5 مليون دولار سنويًا؛ وذلك للاستعانة بالمبلغ من
أجل تنفيذ العمليات والمخططات المطلوبة.
المقر العملي:
إن مجلس الدفاع
الأعلى الإيراني الذي منح سفراءه صلاحيات واسعة في لبنان، جعل من أرض لبنان الممزق
منطلقًا ومقرًا للتخطيط والتنفيذ، ومن أجل رعاية أنشطة أجنحة الإرهاب، ثم دعم حزب
الله الموالي لإيران في لبنان طيلة الفترات الماضية؛ وذلك للسيطرة أولًا على الأرض
التي تُعتبر ضرورة قصوى لانطلاقة أنشطة المنظمات الموالية للإيرانيين. وقد استفادت
إيران من تشابك الأحداث والأوضاع داخل لبنان، كما استفادت من صراعات القوى
الخارجية داخل لبنان. وقد علمت المجتمع أن ما بين 30 و 33 جهازًا للمخابرات
العربية والدولية له وجود في لبنان، ولكل هؤلاء عملاء ينشطون لتنفيذ مآرب دولهم
والمؤسسات التي تشرف عليهم. ولعل في هذا التشابك ما يساعد الإيرانيين على اتخاذ
المناطق التي يسيطر عليها مؤيدوها نقطة مقر ومنطلق لعملياتها في الساحة العربية.
تطلعات:
إن كل الجهود
التي تبذلها المنظمات الموالية لإيران تستهدف تحقيق تطلع يوحد بينها جميعًا، وهو
توسيع رقعة الجمهورية الإسلامية على النمط الإيراني. ومنذ عام 1985 أوضحت المنظمات
الموالية لإيران هذا الهدف، وذلك في رسالة مفتوحة وزعتها لمن أسمتهم «المستضعفون
في العالم»، وقد جاء فيها:
«إننا أبناء أمة
حزب الله نعتبر أنفسنا جزءًا من أمة الإسلام في العالم التي تواجه أعتى همجية
استكبارية من الغرب ومن الشرق على السواء؛ بهدف تفريغها من مضمونها الرسالي. إننا
أبناء أمة حزب الله التي نصر الله طليعتها في إيران، وأسست من جديد نواة دولة
الإسلام المركزية في العالم- نلتزم بأوامر قيادة واحدة حكيمة وعادلة تتمثل بالولي
الفقيه الجامع للشرائط، وتتجسد حاضرًا بالإمام الخميني.»
وواضح من هذا
النص ارتباط تلك المنظمات بإيران، وواضح أن المقصد النهائي هو جعل كل أجزاء العالم
الإسلامي تابعًا لطليعة حزب الله في إيران.
ولكن:
ما هو الموقف
المضاد الذي اتخذته الأمة لتحصين نفسها وصيانة هويتها العقدية؟ وكيف ستواجه
الأنظمة العربية والإسلامية المعنية مخططات الإرهاب والتصدير الثوري الإيراني؟
هذا ما نترك
الإجابة عليه لمن يهمه الأمر.