; صفحات من دفتر الذكريات (٤٧) الابتزاز الرباعي | مجلة المجتمع

العنوان صفحات من دفتر الذكريات (٤٧) الابتزاز الرباعي

الكاتب الدكتور توفيق الشاوي

تاريخ النشر الثلاثاء 16-مايو-1995

مشاهدات 71

نشر في العدد 1150

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 16-مايو-1995

  • إقصاء الإسلاميين سمح لعملاء الصهيونية والغرب بالتسلل إلى مراكز القيادة في جبهة التحرير وهذا سر أزمة الجزائر المستحكمة اليوم 

 

عنوان الباب السابع في كتاب السيد فتحي الديب هو الثورة الجزائرية تدخل دائرة الابتزاز السياسي والمالي الدولي.

 وأول الجهات التي حاولت هذا الابتزاز في نظرههي أمريكا إذ جعل عنوان الفصل الأول من هذا الباب «أمريكا تحاول التسلل من خلال الأمير الحسن ولي عهد المغرب آنذاك» ثم جعل عنوان الفصل الثاني بورقيبة يدلي بدلوه في المخطط الأمريكي الفرنسي، ثم انتقل بعد ذلك في الفصل الثالث والرابع ما سماه صفقة السلاح الأولى من الكتلة الشرقية، وأفاض فيما قام به من دور في إمداد الثورة بالسلاح في الفصل الخامس والسادس ونتيجة لذلك جعل الباب الثامن قيادة الثورة تتخذ من القاهرة مقرا للقيادة... ومعنى ذلك في نظره أن الناصريين نجحوا في مخططهم لاحتواء الثورة على النحو الذي فصله في اجتماعات المؤتمر التحضيري لعام ١٩٥٧م ثم انعقاد المؤتمر الوطني للثورة الجزائرية بالقاهرة في سبتمبر ١٩٥٧م، وما بعد قرارات هذا المؤتمر... وخاصة تشكيل أول حكومة جزائرية مؤقتة في المنفى بالقاهرة وهو موضوع الباب التاسع.

واضح أن هذه الجهات جميعاً كانت تتسابق وتتنافس من أجل السيطرة على الثورة الجزائرية لكن هذا التنافس لم يمنع من التنسيق والتعاون فيما بينها من أجل الهدف الذي تنفق عليه جميع هذه الجهات. وهو إقصاء الاتجاه الإسلامي من ساحة الثورة الجزائرية ليخلو الجو لعملاء الحكم الناصري والنفوذ الفرنسي والتسلل الاشتراكي والخطط الصهيونية الأمريكية بعيدة المدى.

 لذلك فإنني أعتقد أن المرحلة التالية للعدوان الثلاثي كانت مرحلة التنسيق بين أطراف أربعة اقتنعت بأن مصلحتها المشتركة تقتضي إقصاء الإسلام من الساحة السياسية في الجزائر - بل وفي العالم العربي كله، وهي المخابرات الفرنسية والناصرية والسوفييتيةوالإسرائيلية الأمريكية.  

كلما تكلمنا عن الخطط الإسرائيلية فإننا نقصد بذلك الاستراتيجية الأمريكية التي أصبح لإسرائيل والصهيونية دور بارز في توجيههاونحن نعتبر أن المحاولات الأمريكية للدخول طرفا في قضية الجزائر وشمال إفريقية عامة - مثل سياستها نحو العالم العربي والإسلامي كله - كانت دائما واجهة للخطط الصهيونية ومتواطئة معها. 

وقد أشار السيد الديب إلى بروز هذا الاتجاه الأمريكي بعد العدوان الثلاثي - وإن كان يتجاهل علاقته بإسرائيل والصهيونية. كما أنه يؤكد أن المحاولات الأمريكية بدأت منذ قيام الثورة عام ١٩٥٤ م.

لكن سيادته لم يجد داعيا للكلام عنها عندما كانت علاقات الناصريين بأمريكا ودية وبدأ كلامه في التعريض بها بعد أن اتجهت السياسة الناصرية للتعاون مع الاتحاد السوفييتي وبدأ التباعد بينها وبين السياسة الأمريكية. 

في ص ۲۹۷ يجعل عنوان الفصل الأول النظام الناصري ينسق مع المخابرات الفرنسية والسوفييتية لإقصاء الإسلام عنالساحة السياسية في الجزائر وتمثل ذلك في إبعاد مصالى حاج وجمعية علماء الجزائر (من الباب السابع) قوله: أمريكا تحاول التسلل من خلال الأمير (الحسن) ولي عهد المغرب إن ذاك يشير إلى أن ذلك بدأ في الأيام الأولى لعام ١٩٥٧م (بعد شهرين فقط من العدوان الثلاثي) عندما وصلتهم مذكرة من الملحق العسكري المصري في مدريد بأن الأمير الحسن طلب منه سرعة نقل وجهة نظره لحل القضية الجزائرية.. على إثر زيارة قام بها إلى أمريكا حيث اقتنع بما يلي أن أمريكا أصبحت تعطف على قضايا العرب وإن دالاس على استعداد لتقديم المساعدة، ولكن البنتاجون يعارض لاعتقادهم أن مصر وحليفاتها انجرفت للشيوعية. 

ويرى الأمير الحسن أهمية تكييف السياسة المصرية بصورة تبعد عنها هذه الصفة (اليسارية الاشتراكية). 

وقد عاد سيادته لشرح سياسة أمريكا في محاولاتها للوصول إلى قيادات الثورة الجزائرية بقوله (في ص ٣٠٣ وص ٣٠٤) ما يلي: 

ولا يعني ذلك أن محاولات أمريكا للتسلل إلى داخل القيادات الجزائرية المسيطرة على الثورة لم تبدأ قبل ذلك، فمنذ تفجر ثورة الجزائر في أول نوفمبر ١٩٥٤م وبعد اتساع نطاق ونجاح ثورة الجزائر في تثبيت أقدامها بدأت المحاولات الأمريكية للاتصال بالجزائريين وعرضت على مصر استعدادها لمعاونة الكفاح الجزائري بكمية كبيرة من السلاح وطلبت تسهيل مهمة ممثليها للاتصال المباشر بالمسئولين الجزائريين لتتعرف من خلالهم على أسلوب ومكان إيصال السلاح إليهم داخل الجزائر، ووضح من الهدف الاتصال وأوقف الاتصال مباشرة، وتلا ذلك محاولة أخرى بواسطة ضابط مخابرات قاعدة الملاحة الأمريكية بطرابلس ورفض عرضه تسليم بن بيللا كمية من السلاح لإصراره على شروط لم يقبلها بن بيللا وزملاؤه.

وحاولت أمريكا من جديد الاتصال بـبن بيللا عن طريق جمعية دار السلام التركستانية الأمريكية الجنسية، ويرأسها وقتئذ من يدعى كمال الذي عرض استعدادهم لإمداد الجزائر بكميات كبيرة من السلاح بشرط ابتعاد الجزائر بعد استقلالها عن العرب وعن التعاون مع مصر، وعرفنا أن هذه الجمعية تعمل في خدمة المخابرات الأمريكية ورفض عرض جمعية دار السلام. وبعد سفر بورقيبة والحسن إلى أمريكا تم التفاهم معهما على السياسة الأمريكية الجديدة في المنطقة والتي تقوم على أساس تكوين حلف شمال إفريقيا لتنضم إليه دول غرب البحر الأبيض وباعتباره امتدادا لحلفالأطلنطي. 

وفشلت كل محاولات أمريكا للنفاذ إلى داخل قيادة الثورة الجزائرية واحتوائها، وإن كل ذلك الفشل لن يوقف السلطات الأمريكية من معاودة المحاولة وبكل صور ووسائل التسلل بأمل وراثة المصالح والنفوذ الفرنسيبشمال إفريقيا.

وانتقادات السيد فتحي الديب للمحاولات الأمريكية لم يشر إليها في الفترة التي كانت علاقة أمريكا بالناصريين ودية حميمة - ثم إنه لم يقصد بها اعتراضه على مبدأ محاولات أمريكا للتدخل في شئون الجزائر، بل إنه انتقدها بسبب اتخاذ بورقيبة والأمير الحسن وسطاء في الموضوع.. لأن الطبيعي في نظره أن يتصلوا بالنظام الناصري ومخابراته مباشرة دون وسطاء - ومن المؤكد أنهم فعلوا ذلك في الوقت المناسب. أما التنسيق مع فرنسا فأكبر دليل على استمراره وزيادته هو عقد الاتفاق الاقتصاديبين فرنسا وعبد الناصر.

يشير السيد فتحي الديب في كتابه (ص ۳۹۰) إلى أنه عقب صدور قرارات المؤتمر الوطني وقرار تشكيل الحكومة المؤقتة على النحو السابق وصدور برنامج تلك الحكومة في أواخر سبتمبر ١٩٥٨م - التقى كريم بلقاسم وعبد الحفيظ بوصوف جمال عبد الناصر وطلبا منه توجيه كلمة لرفع معنويات جيش التحرير وأفراد الشعب للقضاء على أثر الدعاية الفرنسية التي تحاول إيهام الشعب الجزائري بتخلي الرئيس عبد الناصر عنه بعد توقيعه للاتفاق الاقتصادي مع فرنسا. وهكذا يظهر أن النظام الناصري قد نال مكافأة متواضعة من فرنسا - متمثلة في التوقيع على اتفاق اقتصادي معها.

 ويظهر أن أثر هذا الاتفاق الاقتصادي كان عميقا وبعيدا لدرجة أدت إلى تأزم العلاقات بين القاهرة والحكومة الجزائرية الذي جعله عنوان الفصل السادس من الباب التاسع حيث يذكر أن الرئيس عبد الناصر نفسه قد اضطر إلى الدفاع عن موقفه أمام زعماء الثورة الجزائرية.

 ويشرح لنا ذلك في ص (٤١٧) في تقريره عن مقابلة الرئيس عبد الناصر لفرحات عباس وحكومته يوم 6\2\1959م الذي استمر أكثر من ساعة ونصف الساعة. 

حيث يقول: واجههم الرئيس جمال بمواقفهم العدائية للقاهرة وافتراءاتهم على المسئولين المصريين ص (٤١٦) وأن القصد من ذلك هو التشويش على سمعة مصر وتغطية انسياقهم في المفاوضات السرية مع فرنسا والتي يعلم بتفاصيلها كل من له عين ترى وأذن تسمع.  

وانتقل الرئيس جمال إلى موضوع استغلالهم لتوقيع القاهرة للاتفاقية الاقتصادية مع فرنسا للاستدلال بها على تغييرنا لسياستنا تجاه القضية الجزائرية موضحاً لهم أن الجمهورية العربية بلد نام إمكانياته محدودة ورغم ذلك لم يقصر في إمداد الثورة الجزائرية ومنذ البداية بكل ما في إمكانياتنا أو في قدرتنا بلا قيد أو شرط وكثيرا ما اقتطعنا من أيدي جنودنا السلاح لتعطيه لإخوتهم المناضلين الجزائريين وهم على علم كامل بذلك، ووجه لهم الكلام قائلا ماذا تريدون منا أن نفعله أكثر من ذلك أم إنكم أعطيتم لأنفسكم الحق في تسيير اقتصادنا حسب أهوائكم . 

وما أدراكم أن توقيعنا للاتفاق الاقتصادي مع فرنسا لا يخدم زيادة قدرات القاهرة لإمداد الثورة الجزائرية باحتياجاتها، اللهم إلا إذا كان هدفكم من ذلككله هو التشويش ليس إلا في نهاية اللقاء أعلنهم الرئيس عبد الناصر وبكل وضوح أنه لم يطلب منهم اتخاذ القاهرة مقرا لهم. 

ولا يهمنا ولا يضيرنا أن ينقلوا مقرهم من القاهرة إلى أي مكان، ولهم أن يقرروا ما يخدم مصلحة الكفاح المسلح بالدرجة الأولى. 

يظهر من ذلك أن عبد الناصر لمح في خطابه إلى أن عباس فرحات ومن يعملون معه للتشهير على الموقف المصري إنما كانوا في الواقع ينفذون خطتهم للتفاهم مع فرنسا من وراء ظهر الحكومة الناصرية.

 وقد رد عباس فرحات على ذلك عندما التقى بعد هذا الاجتماع مع السيد فتحي الديب وقال له: إن الشعب الجزائري هو الذي اختاره رئيسا للحكومة الجزائرية فهو في نظره يعمل لصالح الشعب الذي اختاره... ولم يشر إلى النصيحة التي قدمها له مسئول كبير في الإقامة العامة الفرنسية (الإدارة الاستعمارية في الجزائر) من التوجه للقاهرة للانضمام لجبهة التحرير ولا إلى ترحيب الحكومة والمخابرات الناصرية به ليحل محل مصالي حاج رئيس حزب الشعب. 

الرابط المختصر :