العنوان اقرئي ولكن بمفهوم أعمق..
الكاتب ابتهال قدور
تاريخ النشر الأحد 07-يونيو-1992
مشاهدات 58
نشر في العدد 1004
نشر في الصفحة 38
الأحد 07-يونيو-1992
حين
نشعر برغبة في القراءة، نمسك كتابًا، نلتهم ما فيه من أفكار ومعلومات، ثم نلقي به
جانبًا، فقد أخذنا منه ما كنا نريد.
بعض
المعلومات تأخذ مكانها في الذاكرة، والبعض الآخر تترك أثرها في النفس، أما الجزء
الأكبر منها فيتلاشى كأنه ما مر بنا ولا مررنا به.
هذا
معنى من معاني القراءة، إلا أن القراءة بقدسيتها تحمل من المعاني ما هو أوسع وأشمل
من مجرد عملية سرد لما كتب على ورق، وجمع في كتاب.
فالقراءة
أمر إلهي كان بداية الوحي، وتكرر أمرًا اهتز له كيان رسولنا الكريم صلوات الله
عليه.. على الرغم من أنه كان أميًّا!
كيف
يؤمر بالقراءة من كان أميًّا؟ لطالما فكرت في هذا.. إلى أن وصلت إلى أنه من غير
المعقول أن يمنح الإنسان حواسًا بلغت بتعددها وأهميتها ورهافتها ودقتها حدًا يثير
العجب ثم يكون أمر القراءة نظريًا! فالقراءة الحقة والتي تلبي النداء الإلهي انما
هي تلك القراءة التي تشترك كل الحواس فيها.. فالقراءة سمع وتمعن، والقراءة نظر
وتأمل، والقراءة معايشة وملامسة للأيام بكل ما فيها من ظواهر كونية واجتماعية،
والقراءة دراسة عقلية، وتفسيرات منطقية، انطلاقتها: اسم الله وركيزتها الإيمان
بالله.
فالصورة
الذهنية تكون أكثر رسوخًا وثباتًا إذا ما جاءت من واقع الحياة مباشرة، إذ بينما
تكون نسبة ثبات المعلومة من خلال السمع 15% ترتفع إلى 30% عند النظر، ولكنها تصل
إلى 55% عند المعايشة.. وتكتمل النسبة عند اشتراك السمع والنظر والعمل.
والأوامر
الإلهية التي تتوالى في القرآن الكريم تؤكد هذا المعنى، وتنتقل بالقراءة من
مرحلتها الأولية إلى مراحل متقدمة ترتفع بالإنسانية إلى مستويات أكثر (عملية
وعلمية) من هذه الأوامر: استمعوا انظروا، تفكروا، سيروا.. وهذه تصب كلها في بحر
القراءة، قراءة الظواهر الاجتماعية، وقراءة أصول الإنسانية قراءة كل ما يحيط
بالبشرية.
القراءة
هي انتقال من حالة الجمود إلى حالة الوعي.. الوعي بمسببات الجمود وتجنبها.. الوعي
بأمور الحياة والإحاطة بما يرفع من شأن الفرد والمجتمع لنشره والعمل به.. الوعي من
أجل وضع مثل أعلى والعمل على إرواء هذا المثل بشتى الأعمال والخبرات.
القراءة
هي أمر للفرد كي يخوض في معمعة الحياة، إلا أنها تبلغ أسمى صورها حين تتم باسم قوة
عليا، لأن قراءة الفرد باسم قوة عليا تزيد من تفاعله مع الخبرات الاجتماعية
والكونية، وتمنحه فلسفة متجددة، متطورة للظواهر الكونية والاجتماعية، وتوسع من
مداركه، وتعطي دوافع الانطلاق في كل أرجاء الكون، والفرد حينما يقرأ تحت ظل لواء
واحد، واضح الأسس والأهداف تخرج قراءته موافقة للفطرة البشرية ومطابقة لمصلحة
الإنسانية.
مثلت
القراءة بداية نقلة جذرية من حالة جهل وجمود إلى حالة تفتح وحيوية في حياة رسولنا
الكريم، وكذلك يجب أن تكون بالنسبة لنا.
كان ذلك
حين قرأ الأنفس وأحس بها، وحين قرأ الواقع وعايشه، وحين قرأ أسرار الكون وعقلها،
وحين قرأ قصص التاريخ واستشعرها.. أما كيف جاءت قراءاته كلها في أبهى صورة؟ فذلك
لأن انطلاقتها كان اسم الله.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل