العنوان التسلل من البوابة الخلفية للدول النامية
الكاتب محمد الحسناوي
تاريخ النشر السبت 11-مايو-2002
مشاهدات 59
نشر في العدد 1500
نشر في الصفحة 52
السبت 11-مايو-2002
التعددية في العمل الإسلامي ضرورة يمليها الحرص على استيعاب الطاقات الإسلامية على اختلاف أنواعها ودرجاتها
ربما لا يرتاح القارئ العابر إلى عنوان هذه الرواية «الثعابيني»، بل ربما امتعض من جفاء اللفظة، ومن مدلولها المخيف، حتى خطر لي – وأنا في بدايتها- أن اقترح على المؤلف: عبد الله عيسي السلامه صرف النظر عن هذا العنوان، لكنني تراجعت عن هذا، سوف يكتشف القارئ أن الرؤية التي تعكسها الرواية زاخرة بآفاقٍ متعددة تسترعي الانتباه، وتغري بالتأمل والتذوق على حد سواء، فإن كنت ذا اهتمام سياسي صادفت رؤيا سياسية تضعك وجهاً لوجه أمام الواقع السياسي الذي يراه المؤلف في عدد من دول العالم الثالث وعالمنا العربي بالذات، وإن كنت مغرماً بالبعد الاجتماعي، وقعت على أنماط اجتماعية غنية بالتمايز والتشابك والتوالد ودعك من طرافة الشخصيات وبراعة العرض وتوظيف ذلك كله في بنية قصصية حيّة.
إن لفظ «الثعابيني»، لقب رئيس دولة «وادي النعيم» التي تدور أحداث الرواية فيها، واللفظ نفسه خيط متصل برؤية منددة بالحيوانية الأخذة بخناق المجتمع البشري وهي رؤية متغلغلة حنايا الرواية بشكل شامل سواء على مستوى الشخصيات أم الوحدات الاجتماعية والسياسية، أم العلاقات والمشاعر والأهداف.
ولكي نتجنب الالتباس نبادر إلى توضيح المراد بمصطلح «الحيوانية» هاهنا الحيوانية في الرواية تعني تسمية الأشخاص والقبائل بأسماء الحيوانات، وتعني وجود حيوانات حقيقية بوفرة، كما تعني انعكاس ذلك على الشخصيات والجماعات والعلاقات فالحيوانات تعني، السذاجة والبدائية، كما تعني الوحشية والفوضى والعدمية بقدر ما تعني الهبوط عن مستوى الإنسان والمجتمع الإنساني.
خذ مثلاً بطل الرؤية «هاني بن غالب الثعابيني»، رئيس أغنى دولة في إفريقيا، وصل إلى السلطة قبل سبع سنوات بطريقة غير إنسانية من موقع رئيس الأركان وأوّل ما تتعرف عليه. في صفحات الفصل الأول، وهو يستقبل سفير دولة كبرى في قاعة الأفاعي، حيث يداعبها، ويستمتع بحركاتها، فلقب الثعابيني ليس اسمًا وراثيًا وحسب.
في قصر الرئاسة قاعة خاصة بالثعابين تنوعت أسماؤها وأشكالها وأوطانها، وكلف بخدمتها مجموعة من البشر منهم لا روش الطبيب البيطري المتخصص ما بيني بمداواة الأفاعي الذي يقبض راتباً ضخماً، يكفي لإعالة منة أسرة فقيرة في دولة تجتاحها المجاعات.
تخيل رئيس هذه الدولة، وهو يمسك بقضيب يداعب فيه «سامبريا» الحية الأسترالي الضخمة الوديعة ذات الجلد الأبرش الناعم أو «رافيسكا» الحية اللعوب المشتراة من أوكرانيا السوفييتية أو «جودية» من عمان أو «سخبولة»، من اليمن، أو كلاً من وداعة، وساجية، من الحجاز، أو مرجانة من البحرين أو «هاريشا» من تايوان أو «خلادة»، من تونس أو «بلهونة»، من ليبيا أو الليدي «راميتسا» من فرنسا، أو «العلوعة»، ذات اللسان الناري من سورية أو «طرفاية»، الكحلاء من مصر، أو «بنعوسة» ذات الجلد الزئبقي المتموج من الجزائر هل أزيدك؟
لقد جلد الرئيس «الكادر» المكلف برعاية هذه الحيوانات الجميلة اللطيفة؛ لأنهم اجتهدوا -دون الرجوع إلى الطبيب- في إطعام الحية «سامبريا»، هدهدا، فتأذت من ريشه ومنقاره، فمرضت هل تعلم كم ثمن هذه الحية، النادرة إنه عشرة آلاف دولار أمريكي وكيف تم العثور عليها؟ إن سفير دولة وادي النعيم المخلص يعلم مدى اهتمام رئيسه بالحيات، ولذا فإنه يعطيه أهمية كبيرة ويبذل من وقته وجهده الشيء الكثير، إنه يخرج إلى الأرياف الأسترالية البعيدة، وإلى الغابات النائية عله يعثر على صياد يمتلك أفعى جميلة مثل: «سامبريا»، ويضيف الرئيس: «لا أحفظ أسماءهن فقط، بل أحفظ أعمارهن وأصولهن، وأعرف طباعهن أكثر مما أعرف عن وزرائي وقادة جيشي أما معلوماتي عن أعضاء مجلس النواب فمحدودة بالأصل، لذا لا أدخلها في هذا المقياس».
قد يخطر في البال أن هذه الهواية من مقتضيات الرئاسة كما يقول الرئيس «الحقيقة أن رجل التاريخ يجب الا يبقى بلا هواية وإلا تحطمت نفسيته تحت أعباء الحكم ومشكلات الدولة» لكن السؤال: لماذا كانت هواية الرئيس «حيوانية» بهذا الشكل؟ هل نجد بعض الجواب في أسماء القبائل مثل قبيلة التماسيح التي ينحدر منها حواس الأرقط، وزير الخارجية، أو قبيلة الزنابير التي تنتمي إليها عشيرة القنافذ، وهي التي ينحدر منها «مخلص الحشاد» رئيس مجلس النواب.
ثم بماذا تفسر استخدام أسماء الحيوانات في البرقيات واقترب الدب من عش الغراب والنسر في القفص الأرقط أرقطه السنونوة في الحقل؟
وبماذا تفسر اللقب الذي أطلق على أم زيدان الفاتك مستشار الرئيس ألا وهو عنز الذرة أما التعليل الذي ساقه المؤلف فهو لكثرة ما تأكل من عرانيس الذرة، ولك أن تحمل هذا التعليل محمل الجد، ولك الا تقف عند مدلوله الحقيقي، مستجيباً الموحيات السياق التي تنطوي على شتائم لهذا المستشار الوافد إلى «وادي النعيم» قادماً من بادية الشام، حيث كان أبوه يركب «ناقة عجفاء».
قد يكون الجواب في أن الأفق الحيواني في هذه الرواية لا يقف عند حدود الأسماء والمسميات بل يتجاوز ذلك إلى صميم النفوس والعلاقات سواء على مستوى الأفراد أم الجماعات.
مسیو «كاربينيه» سفير فرنسا في «وادي النعيم» - مثلاً- يستخدم ابنته الشابة الفارعة الطول «سوزان» لاصطياد كل من رئيس المخابرات العامة «سلطان الحداد» ومعاونه «نعيم اللاوي» وهو ابن أخت الأول في مجتمع عربي إسلامي محافظ يدين العلاقات الجنسية المحرمة «الزني» ويستفظع مشاعر الخال وابن الاخت والتواطؤ على ذلك، فأي واحد من هؤلاء الأربعة أقل حيوانية من غيره؟!
يقول المؤلف عن مخلص الحشاد: كان الرجل ذا زاد متواضع جداً من العلم المدرسي، إلا أنه ذو حنكة ودراية في شؤون الحياة، إنه كأي قنفذ مجرب، يجيد الالتفاف على الأفعى، وإنشاب أنيابه في ذيلها، متترسًا بفروة الشوك التي تغطي جسده.. ثم يستمر في قضمها حتى يصل إلى رأسها، دون أن يعرض وجهه لنابها الفتاكة لحظة واحدة. إلا أنه حظي بصفتين أخريين من صفات القنفذ الحقيقي هما الدناءة والجبن، هل يكفي انتسابه إلى عشيرة القنافذ لتفسير «القنفذية» أم أن هناك أسباباً أخرى كالعلاقات الاجتماعية والسياسية السائدة في «وادي النعيم» والأودية الأخرى؟!
ثم ما المسوغ الأخلاقي أو الإنساني الذي أجاز لـ «مرهف البراض» أن يتواطأ مع الشاب الثوري منازل «العجلان» ضد الشيخ أسعد بن البراء قائد الحركة الإسلامية الذي جعل «البراض» نائباً ثانياً له؟
إن الأمر لا يقف عند حدود «وادي النعيم» أفراداً وجماعات ونظام حكم، بل يتعداه إلى دولة عظمى مثل أمريكا حين تراهن على فرسين في وقت واحد أحدهما رئيس الدولة والآخر رئيس الأركان «موهوب الباغت» الذي وقع البلاغ رقم واحد، وعين رئيساً للجمهورية بعد الإطاحة بالثعابيني.
من الواضح أن تعبير «المراهنة على فرسين» استعارة جميلة تخفي حقيقة الغدر والتآمر الحيوانيين اللذين انحدرت إليهما العلاقات الدولية اليوم، وانعكست دماراً سياسياً واجتماعياً وثقافياً على المجتمع البشري الغالب فيه والمغلوب على حد سواء.
هذه مجرد عينات وليست نماذج كافية لتصوير أبعاد الهبوط الحيواني في المجتمع البشري ويوسعك أن تستقصي هذه الجوانب بنفسك بدءاً من تحول الأفكار في دماغ (رياض الصافي: الكركدن» إلى مخلوقات صغيرة تتحرك كما تتحرك «الأسماك..» ومروراً بأمثال وزير الخارجية الأرقط الذي تحول أيضاً إلى دابة ذلول تثير الأرض وتسقي الحرث ثم تنام مل جفونها بعد أن تنال حظها من التين والشعير والبرسيم. غافلة عن كل ما يجري في اصطبلها البائس من ويلات.. ثم تجدها انتهاء بأفاعي الرئيس ما كان منها يزحف على بطنه، وما كان يمشي على رجلين.
ألم يبق في هذا المجتمع «غير الإنساني» بارقة أمل أو مسكة من عقل أو أخلاق؟
لقد بقي الكثير، لكنه يظل قليلاً محدوداً بالنسبة إلى الطغيان غير الإنساني المشار إليه.
في دولة «وادي النعيم» يتجلى الأمل بالتنظيم الإسلامي الذي يقوده الشيخ اسعد بن البراء، لكن هذا التنظيم- على ما فيه من خيرية وإنسانية- يجر إلى لعبة «الصيد البارد» ويكون أحد ضحاياها، كيف؟ ولماذا؟
تقول الرواية: إن هناك ثغرات في هذا التنظيم أفاد منها الأعداء لاسيما الثغرات في الصف القيادي، لكن هناك شخصية واحدة قد تكون الشخصية الأثيرة لدى المؤلف وقد تكون النموذج الأفضل لإحياء الأمل أو لعملية التغيير المنشودة، إنها شخصية «سامح الهديان» النائب الثالث لقائد التنظيم.
لنتأمل صورة «سامح الهديان» من خلال أرشيف السفارة الفرنسية: ذكي جداً، يحمل شهادة البكالوريوس في العلوم السياسية، مثقف واسع الأفق دقيق الملاحظة، عميق التفكير دمث. نشيط عينه ابن البراء معاوناً له ومستشاراً في الشؤون السياسية يؤمن بالتعددية في العمل الإسلامي، من حيث أساليب العمل، وطرائق الدعوة، ومناهج التفكير، مادام ذلك ضمن الإطار الإسلامي الصحيح وقناعته من كون التعددية واقعاً لا مفر منه، وضرورة يعليها الحرص على استيعاب الطاقات الإسلامية كلها على اختلاف أنواعها ودرجاتها الح عليه ابن البراء ليتسلم أي وزارة يختارها من بين الوزارات التي أعطاهم إياها الثعابيني، فاعتذر عن ذلك، وأثر أن يظل مجرد مستشار سياسي للشيخ أسعد، إنه الوحيد منبين أبناء الحركة الإسلامية الذين عرفناهم، الذي يستطيع أن يستثمرنا أكثر مما نستثمره إنه باختصار رجل خطر ويجب أن نتقي إشعاعاتعقله المتوهج وحدسه العجيب بقدر ما نستطيع ويوسعنا أن نستخلص مزايا الهديان على الشكل التالي:
1- مزايا عقلية متميزة ذكي، واسع الأفق.. إشعاعات عقل حدس عجيب.
2- علاقات عمل ناجحة دمث نشيط.
3- ذو برنامج عمل يؤمن بالتعددية في العمل الإسلامي.
٤- متخصص: يحمل شهادة البكالوريوس في العلوم السياسية.
5- إيثاره العمل في الظل: اعتذر عن استلام وزارة.
ومحصلة هذه المزايا- وهو المهم- في رأي السفارة الفرنسية أنه الوحيد الذي يستطيع أن يستثمر الأعداء أكثر مما يستثمرونه، لذلك هو في رأيهم خطر وخطورته بالطبع منصبة على الاستلاب على البهيمية والهمجية وعالم الغاب الذي يستبد بمدنية القرن العشرين سواء منها الغالب والمغلوب.
لكنه (الوحيد)!!