العنوان التعددية حق والجماهير هي المحدد لشروط ممارسته
الكاتب عبدالفتاح مورو
تاريخ النشر الثلاثاء 19-مايو-1981
مشاهدات 65
نشر في العدد 529
نشر في الصفحة 25
الثلاثاء 19-مايو-1981
عرفت البلاد التونسية التعددية السياسية والثقافية والاجتماعية منذ أوائل القرن، حتى إذا استتب الأمر للحزب الدستوري الجديد أصدر مجموعة من القوانين (قانون الجمعيات والصحافة) ساهمت مساهمة كبيرة في تعطيل حركة التطور الاجتماعي والسياسي، وفي إثارة سلسلة من الأزمات والانتفاضات وما نتج عنها من محاكمات لم تكد تخلو منها سنة، وبلغت أوجها في أحداث جانفي 78، وجانفي 80، وفيفري 81.
وأمام الأزمات المتتالية وقوى المعارضة في إمكان وجودها القانوني حسب شروط حددها، و«الاتجاه الإسلامي» بعد درسه لهذه المعطيات المستجدة يرى أن التعددية حق مشروع طالما ناضل الشعب بمختلف طلائعه من أجل استرجاعه خاصة، وأن قيمة الحرية متجذرة في ثقافتنا الإسلامية التي ناهضت -ولا تزال- كل أشكال الاستعباد، وأعلنتها صريحة: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟».
إذا كانت الحرية والتعددية السياسية فرعها اللازم طبيعيًا وشرعيًا اعترف به دستور البلاد فلا معنى لاشتراط توفر صفة «النضج» في الشعب حتى يمارس هذا الحق؛ لأن هذا النضج على فرض عدم وجوده في فترة سابقة فلن يوجد في فترة لاحقة بعيدًا عن ممارسة الحرية ومعاناتها، فضلًا عن أن مقولة النضج هذه هي مقولة لتبرير الاستبداد، وظاهرة تعال على الشعب، وتكريس للوصاية.
إذا كان الشعب هو صاحب الحق والمصلحة في ممارسة الحرية في إطار التعدد فليس لأحد أو لطرف أن يفرض عليه شروطه الخاصة أو تصوره الخاص لإطار ممارسته هذا الحق، وإنما هو الشعب -من خلال منظماته وتشكيلاته السياسية وصحافته الحرة- هو الذي يحدد شروط ممارسة ذلك الحق، فلابد أن تتاح الفرص لطلائعه المعارضة للتعبير والحوار حتى تعرف بنفسها، وتحدد تصورها للديموقراطية، وتدفع الشبهات التي كيلت لها جزافًا في مرحلة ما قبل التعددية كي لا يظل أرشيف وزارة الداخلية وما يزخر به من اعترافات ووثائق -يبعد جدًا أن تكون معبرة عن الموقف الرسمي لطلائع العارضة من كثير من القضايا- هو السيف المسلط على رؤوسها، والمقياس الوحيد بيد النظام للقبول أو الرفض أو اللااستثناء.
إن ما ورد في وثائق ومؤتمر الحزب الدستوري من تأكيد على استبعاد المنظمات السياسية المرتبطة أيديولوجيًا وماديًا بالخارج مما اعتبرته بعض الصحف العالمية موجهًا إلينا، نحن لا نعتبر أنفسنا معنیین به من أي وجه من الوجوه إلا إذا اعتبرنا الإسلام، وهو إطارنا وموجهنا العقائدي، بضاعة مستوردة من الشرق أو الغرب، وليس تنزيلًا من العزيز الحكيم، والمكون الأساسي لتاريخنا وثقافتنا، أما الاتجاه الإسلامي كتنظيم فمستقل في نشأته وفي قراره، لا يلزمه إلا إطاره العقائدي، وقراره الشوري الذي تملیه قواعده، مع إننا نعتبر أنفسنا جزءًا لا يتجزأ من الأمة الإسلامية، نعمل مع بقية المسلمين في العالم على تحقيق وحدتها ونهضتها، ونحن من ناحية أخرى لا نعتقد أن أحدًا هو في موقع يسمح له بتوجيه تهمة العمالة إلينا.
والاتجاه الإسلامي يذكر في الأخير أن ما تعرضت إليه صحافته من مصادرة، وما تعرض ويتعرض إليه مناضلوه من إيقافات تعسفية، وفنون من التعذيب لا يتفق بحال مع ما تعلن عنه المواقف الرسمية من توجهات ديموقراطية، ويؤكد أن ذلك وأكثر منه ليس بقادر -بعون الله- على أن يعطل مسيرة شعبنا نحو الالتحام بذاته وتحديد مصيره، وسنعتصم بالثبات والصبر الجميل في مواجهة شتى ضروب الاضطهاد والاستفزاز، التي يراد من ورائها دفعنا إلى ردود أفعال عنيفة، لا يعلم خطورة عواقبها إلا الله سبحانه ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف:21).
تونس في 12 جمادي الثانية 1401 هـ - 17 ابريل 1918م.
أرسل هذا البيان إلى:
«الصباح»، و«المستقبل»، و«الديموقراطية»، و«لومند» عن الاتجاه الإسلامي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل