العنوان هيكل.. من الدعوة إلى الدكتاتورية إلى البحث عن المال والشهرة
الكاتب عبد اللطيف الصبيحي
تاريخ النشر الثلاثاء 07-يونيو-1983
مشاهدات 79
نشر في العدد 624
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 07-يونيو-1983
- محمد حسنين هيكل الذي
يبيع لسانه وقلمه لدور النشر الأجنبية ويوظف نفسه وجهده للحصول على الشهرة.
- هل قال هيكل كلمة حق
واحدة دفاعًا عن أهل اليمن وقبائل اليمن؟
تعمد الصحفي الأستاذ محمد حسنين هيكل في الحلقة 17 من كتاب «خريف الغضب- قصة بداية ونهاية عصر السادات»، والتي نشرتها جريدة الدستور يوم 8/5/1983، أن يقنع القارئ بأن الجماعات الإسلامية تتلقى الوحي والدعم المالي من خارج نطاقها ومن جهات فاسدة ترغب في استغلال الدين وتوظيفه لخدمة مصالحها وحماية مآثمها وجرائمها، وهذا ما عناه عندما أورد في حديثه أن عثمان أحمد عثمان -المقاول المشهور- ومحمد عثمان إسماعيل قدَّما مساعدات مالية وأسلحة للجماعات الإسلامية، وأن الجزء الأكبر منها كان يذهب إلى الجماعات لتمويل حملة اجتماعية مقصدها ترويج الزي الديني المحتشم بين الطلبة والطالبات. وأضاف إن جهودًا كبيرة قد بُذلت لتمكين الجماعات الإسلامية من السيطرة على اتحادات الطلاب بقصد استبعاد القيادات الناصرية وإلغاء وجودها تمامًا من القيادات الطلابية، إلى درجة أنه في عام 1978 استطاع شباب الجماعات الإسلامية أن يحصلوا في جامعة الإسكندرية على كامل مقاعد اتحاد الطلاب في كلية الطب وكلية الهندسة والبالغة ستين مقعدًا في كل منهما، وحصلوا على 47 مقعدًا من 48 في كلية الحقوق و43 مقعدًا من 60 في كلية الصيدلة.
وحول هذه النقطة أحب أن أسأل الأستاذ هيكل ومن يصدق كلامه: هل من الممكن والمستطاع مهما أُنفق من أموال وجهد أن تشطب ضمائر وعقول شباب عالي الثقافة في كليات الطب والهندسة والحقوق والصيدلة، وأن يُصابوا بالعمى دفعة واحدة لكي يعطوا كامل مقاعد الاتحادات أو أغلبيتها العظمى للجماعات الإسلامية، لو لم يكن الطالبات والطلبة الإسلاميون في جامعة الإسكندرية يشكلون أكثرية حقيقية وواقعية ساحقة؟ هل هؤلاء الطلبة من الغفلة والسذاجة والبله إلى الدرجة التي يتصورها هيكل لكي يخضعوا للتهديد أو الإغراء المالي فيبيعون ضمائرهم لمن يشتري؟
ثم يزعم هيكل -بوصفه ناصري الوجه واليد واللسان- أن هذه الجماعات الإسلامية أخذت تفرض وجودها داخل الجامعة في قاعات الدرس وخارجها، وأنهم أمروا أن تبدأ الدراسة كل يوم بالصلاة، ومن المؤسف أن هيكل لا يفرق بين الصلاة التي قوامها الركوع والسجود وتحتاج إلى وضوء قبل ذلك وبين تلاوة آيات من القرآن الكريم والدعاء مدة دقيقة أو دقيقتين صباحًا قبل بداية الحصة الأولى.
والأستاذ هيكل يدس بين السطور أن السلطات العليا كانت تؤيدهم وأنهم بوحي منها كانوا يتصرفون فيعترضون على أنواع اللحوم التي تقدم في مطاعم الجامعة، ويحاولون منع المفاسد الخلقية التي تحدث من خلال الخلوات المحرمة ما بين بعض الطالبات والطلبة، ويعتبر هيكل كل هذه التصرفات مرتبة من قبل السلطات العليا لغايات استغلال الدين لصالح الحاكم المستبد.
ومن المآخذ التي استنكرها هيكل دعوة الجماعات الإسلامية في عيد الأضحى سنة 1980 الجماهير المسلمة إلى أداء الصلاة في ميدان عابدين، حيث تجمع أربعمائة ألف من المصلين أمام القصر الجمهوري بعابدين، فهل هذا العمل يا سيد هيكل كان لخدمة القابع في القصر الجمهوري؟ أم هو في حقيقته يبعث في نفسه الخوف والرعب ويحسب له ألف حساب، وكان أشبه بمظاهرة معادية للنظام؟
ثم ما ذنب الجماعات الإسلامية حين يرى بعض رجال السادات من الفاسدين والمنافقين قوة التيار الإسلامي فيحاولون مسايرته والظهور بمظاهر المخلصين للدين ببناء المساجد وتحويل الطوابق الأرضية من عماراتهم الشاهقة إلى أماكن للصلاة؟
أليس الله بأعلم بما في القلوب وإنما لكل امرئ ما نوى؟ وهل يريد هيكل من الجماعات الإسلامية أن تهدم هذه المساجد وتغلق تلك الأماكن؟ ثم انظروا إلى هذا الرجل الذي يؤيد بصراحة نظرية «ماركس» المشهورة، ويزعم أن أفعال الجماعات الدينية كانت تطبيقًا عمليًّا لمقولة ماركس «الدين أفيون الشعوب»، هل يقول ذلك إنسان في قلبه ذرة من إيمان؟
ويخلص بالنتيجة إلى الزعم بأن التيار الديني الجارف في مصر أحيا الأفكار الإسلامية الأصولية التي أخذت تفرض نفسها على الحياة المصيرية، وساءه أن تعود اجتهادات الإمام أحمد بن حنبل والإمام ابن تيمية إلى الاستعلاء على ما سواها، والتي استتبعت انتشار أفكار أبوالأعلى المودودي وسيد قطب، ووصف هذه الظاهرة بأنها خروج المارد من القمقم وتساءل قائلًا: ومن يستطيع السيطرة على المارد ويعيد حبسه مرة أخرى في القمقم مهما استعمل من أسلحة الطلاسم وفنون السحر؟
في أي صورة يمكن أن نركب الفكر الهيكلي! وهل يريد أن نعود إلى صفحات الأهرام ونستعرض مقالاته «بصراحة» ليعلم الناس، بل ليذكروا كيف كان يتلون بلون الحاكم ويؤيد الاستبداد ويدعو للدكتاتورية ويبرر أخطاء السادة الحكام؟ هل نسي مهاجمة الطلبة الجامعيين لدار الأهرام ومحاولاتهم الوصول إليه لخنقه بعد أن تجاوز الظالمون المدى؟ هل قال هيكل كلمة حق واحدة دفاعًا عن أهل اليمن وقبائل اليمن التي لم تكن تملك من السلاح إلا البنادق العثمانية والخناجر والعصي حين كانت طائرات الحاكم المصري تضربهم من الجو بالقنابل وتهدم عليهم أكواخهم وتتركهم نهبًا للجوع والتشرد والعري؟ هل كان هؤلاء الفقراء آفات زراعية حين يحصدهم حاكم مصر حصدًا ويفنيهم إفناءً؟ أين كانت إنسانية هيكل مختبئة وفي أي جحر كانت محشورة؟ أين كان هيكل الذي نصب نفسه مدافعًا عن الحريات حين كان رجال المباحث المصرية يلاحقون الطلبة حتى إلى دورات المياه ليسمعوا ماذا يهمسون وبأي هواء يتنفسون؟
أين كان هيكل «المخلص لمصر» حين كانت أموال الشعب المصري تبعثر بسخاء في أقطار إفريقيا القاصية ودول الشرق الأوسط لإحداث انقلابات وهمية حتى تحول الشعب المصري جراء ضياع ثروته إلى قطعان من الفقراء البائسين يلتمسون لقمة العيش في كل صقع؟ ألا يتذكر الأستاذ هيكل أنه كان يصفق للاتحاد السوفييتي حين كان الزعيم البطل راضيًا عنه ثم ينقلب عليه ويرقص للولايات المتحدة في حال تحول اتجاه الريح؟!
هل يفعل ذلك رجل مستقيم العقيدة واضح الرأي والاتجاه، ملتزم جانب الحق والعدل؟ لقد كان الأستاذ هيكل في نفاقه للحاكم المستبد أشبه بأحمد شوقي في بعض حالاته النفسية حين قال: «ولقد ولدت بباب إسماعيل» ويقصد الخديوي إسماعيل ويثني عليه بإسراف، في وقت كان الشعب المصري يلعنه لأنه رهن قناة السويس للأجانب وأغرق مصر بالديون بسبب مظاهر البذخ والتبذير والفساد وجر الاستعمار البريطاني على مصر.
عندما وجد هيكل أن بضاعته في بلاد العرب والمسلمين زائفة ومرفوضة أخذ يتجه في صلاته نحو الغرب، ويؤلف بالإنجليزية مراعيًا ما يرغبون وما لا يرغبون، فما يرضيهم يصنعه وما لا يرضيهم يتجنبه، وحيث إنه يعلم أن الصهيونية العالمية والصليبية الحاقدة تطربان للطعن في الإسلام والتشنيع على المسلمين، اتخذ من دور النشر الأجنبية صوامع يصلي ويتعبد لها وبلغتها وأجرها.
شيئان يحرص هيكل بكل قواه على الحصول عليهما:
- المال والشهرة.
أما المال فليس لك من مالك في الدنيا يا أستاذ إلا ما لبست فأبليت وما أكلت فأفنيت، وإنك سوف تحاسب يومًا على كل دينار من أين اكتسبته وفي أي شيء أنفقته، وأن كل ثروتك من المال الحرام سوف تعود عليك وعلى أولادك وأهلك بالوبال في الدنيا والآخرة، أليس عصمت السادات الذي جمع الملايين من طرق ملتوية يقاسي الآن العذاب ويتمنى لو كان حمالًا على شواطئ الإسكندرية حُرًّا ويتمتع بصحة جيدة؟!
أما الشهرة يا أستاذ هيكل، أليس لك بالسادات عبرة عندما حاول أن يدخل التاريخ من باب لم يدخله أحد قبله فصنع ما صنع ثم قتله قومه بأيدي الجيش الذي حارب به عام 1973؟!
مهما تعبت نهارك يا أستاذ هيكل وسهرت ليلك لتبني لنفسك منزلة بين الناس وعلى صفحات التاريخ، فلن تبلغ من الشهرة ما بلغ المهرج أحمد سعيد، حين كان العرب من المحيط إلى الخليج يترقبون ثرثرته من «صوت العرب» مستفزًّا عواطفهم ومستثيرًا حماسهم وطالبًا من الأسماك في البحر أن تصوم وتجوع لتأكل من أجساد الصهاينة حين تلقيهم خطاباته النارية في البحر، قل لنا أين هو الآن؟ بل هل تطمع في أن تبلغ من الشهرة ما بلغه يونس البحري المذيع المشهور في أثناء الحرب العالمية الثانية من برلين، الذي اكتشفوا بعد ذلك أنه كان جاسوسًا لبريطانيا؟ ونريد أن نناقشك في موضوع الشهرة والسمعة العالمية التي تحرص عليها لتكون من رجال التاريخ.
ماذا ينفع الإنسان بعد أن يصبح في قفص القبر ترابًا وعظامًا لو أن سكان الأرض أجمع كانوا يمجدونه ويثنون عليه؟ هل يسمع ثناءهم؟ هل تحييه عواطفهم؟ هل ينفعه من ذلك شيء عند الله؟ إن الذي يلتمس رضاء الناس بسخط الله عليه هو حتمًا من الخاسرين، فهل حاول الأستاذ هيكل يومًا أن يختلي بنفسه ساعة من ليل أو نهار ويفكر في مستقبله بعد الموت؟
هل حاول أن يقرأ صفحات قليلة من كتاب الله ويتدبر معانيها بينما هو يقرأ يوميًّا الصفحات من كتب الأجانب معروفة الاتجاهات والميول؟
هل حاول أن يقرأ سيرة سيد البشر محمد -صلى الله عليه وسلم- ويستخلص منها العبر والعظات بينما هو قرأ سير المئات من رجالات أوروبا وأميركا من عسكريين وسياسيين وأدباء؟
هل فكرت يا أستاذ هيكل وهل تعلم أن الموت حتمي؟ وحق أن تقدم لنفسك شيئًا ينفعك يوم الحساب، يوم تناشد ربك أن يرجعك إلى الدنيا لتعمل صالحًا وتمزق جميع ما كتبته في الدنيا طمعًا في المال والشهرة، فيقال لك: لا رجوع، فقد أعطيناك فرصة العمر فاتخذتها لهوًا ولعبًا وخداعًا وتضليلًا.
كل ما أتمناه أن يصحو الأستاذ هيكل على صوت الحقيقة والواقع وأن يستمع إلى نداء ربه.
- محمد حسنين هيكل الذي
يبيع لسانه وقلمه لدور النشر الأجنبية ويوظف نفسه وجهده للحصول على الشهرة.