; هل مات الجسد الواحد َوتوفي العرب؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل مات الجسد الواحد َوتوفي العرب؟

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 22-يوليو-2006

مشاهدات 68

نشر في العدد 1711

نشر في الصفحة 43

السبت 22-يوليو-2006

لقد صدق رسول الله ﷺ حين صور هذه الأمة بالجسد الواحد في إحساسه ولحمته وسداه روحه ونفسه وهواه، فقال r: «مثل المؤمنين في  توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر» (أخرجه البخاري (6011)، ومسلم (2586) ومن هنا كانت قوة المسلمين وصمودهم في ساعد واحد، وعزم واحد وهدف واحد، تجري في عروقهم حياة العزة والكرامة تخالط دماءهم روح المحبة والأخوة والشهامة ترضيهم تعاليم ربهم، وتحدوهم آيات ربهم يزيدهم صلابة وبأساً ونجابة ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ (آل عمران: ۱۰۳) 

وهذه الوحدة، وهذا الاعتصام، لا بد له من قوة تحميه، وجهاد يردع أعاديه واستعداد يرهب الطامعين، ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (الأنفال ٦٠). فإنه لا عزة بدون رجولة، ولا عزيمة بدون قوة ولا قوة بدون استعداد.

وذلك كله يلزمه صبر وجلاد، وثبات وتضحيات حتي تنتصر الإرادات، وتتعملق العزمات، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [ آل عمران: 200].

فالآلام هي عربون النصر، والقروح والضحايا هي وقود الفوز، ولهذا شدد القرآن على ذلك وبينه وأظهره، لأن الباطل يضحي في سبيل بغية وظلمه وعدوانه، فلم لا يضحي الحق ليسود ويرود ويشمخ؟ والدرس في ذلك يتضمن ثلاث وقفات:

 الأولى، لابد في هذه الحياة من هذا الصراع سواء كنت غالباً أو مغلوباً، غالباً ستعيش سيداً لا يضم لك حق أو يهاض منك جناح، ومغلوباً تعيش أبدًا ذليلاً لا يرفع لك حق ولا تصان لك كرامة ولا يحقن لك دم، ولا يسلم لك عرض، وصدق الله: ﴿كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ [ الرعد: 17] والبقاء للأصلح أقوى وهذه سنة الحياة. 

الثانية: ليس الحق وحده هو الذي يتألم أو يدفع الثمن الفادح إذا كان مقداماً، وإنما الذي يدفع في العاقبة الاندحار والذلة هو الباطل ﴿ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مؤمنين﴾ (التوبة: 14) ﴿ وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ  وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [ النساء: 104].

 الثالثة: طريق المجد والفلاح والعزة رسمها لقرآن وآبائه فضلاً منه ومنة وإنعاماً على عباده المؤمنين في حديث مفصل وواضح وصريح في مواضع كثيرة في القرآن الكريم في ساعات الشدة والبأس، وفي أوقات اليسر والرخاء، ونحن نضرب المثل بحديث القرآن في وقت الشدة، قال تعالى في بیان ثابت وواضح وعاجل، وهذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين ﴿هَٰذَا بَيَان لِّلنَّاسِ وَهُدى وَمَوعِظَة لِّلمُتَّقِينَ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: 138-141] 

 ثم أبان الحق سبحانه أن سنن الكون حاكمة ولا تحابي أحداً سواء كان مؤمناً أو كافراً، من ضيع ضاع ومن جد وجد ومن زرع حصد، ولا يلومن الفاشل ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 152] وكثيراً ما ينطق المتخاذلون بالباطل ليوهموا الناس بأنه الحق وهم مصيبة كل زمان ووهن كل أمة، لا يعرفون غير مصالح أنفسهم، وإشباع شهواتهم ويريدون أن يكونوا متنفذين في الأمة، وعلى رأسها وهاماتها، وقد خارت قواهم ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: 154].

وبعد هل تستطيع الأمة وهي في محنتها الشديدة والصعبة أن تتحمل تبعات جهادها اليوم خاصة أن هناك رجالاً يريدون أن يحملوا عبء الأمة، وتكاليف الكفاح، وقد كانوا سببا على مر التاريخ في تحريك المياه الراكدة في الأمة وانتزاع. النصر في ساعات العسرة ؟! وسارع إخوانهم إلى شد أزرهم ونجدتهم وحفظ لهم التاريخ رجولتهم وتضحياتهم.

 وقد وعى التاريخ وسطرت صفحاته في العصر الحديث ما قدمه الإمام البنا، وإخوانه وأبناؤه في مساعدة سورية ضد فرنسا حينما قام الشعب السوري بثورته العارمة ضد فرنسا، بعد مماطلتها في منح البلاد الاستقلال الذي وعدت به قبيل انتهاء الحرب العالمية الثانية رأى الإمام الشهيد بعاطفته الإسلامية وإيمانه العميق بوحدة المشاعر والمصير، أن يقف الإخوان في مصر إلى جانب إخوانهم في سورية، فأرسل إلى سفير سورية بمصر الخطاب التالي: 

حضرة صاحب السعادة، وزير سورية المفوض بالقاهرة.

 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: 

فإن الإخوان المسلمين في المملكة المصرية لا بد أن يقفوا ويشاركوا الحكومة السورية المجاهدة والشعب السوري الباسل الشعور ضد الاستعمار والعدوان والظلم في هذه الآونة الدقيقة من تاريخ العروبة وهم ينتهزون هذه الفرصة ليعلنوا أن عشرة آلاف من شباب الإخوان يرجون قبولهم كمتطوعين في الجيش السوري، وهم على أتم الاستعداد للسفر في أي وقت ترى الحكومة السورية أن تدعوهم فيه إلى الانضمام إلى القوات المجاهدة لأداء الواجب المفروض على كل عربي وأتشرف بأن أخطر سيادتكم بذلك.. بانتظار أوامركم.

 مع أصدق العواطف وأطيب التمنيات،  السلام عليكم ورحمة الله.

 حسن البنا

 ثم لما قابلت فرنسا بقواتها الغاشمة هذه الثورة بالحديد والنار وقصفت مدفعيتها الثقيلة الشعب السوري وسقط الكثير من الضحايا والشهداء، أرسل فضيلة الشيخ البنا البعثات الطبية التي أسست مستشفيات في المساجد لإغاثة الجرحى وشاركت الشعب السوري في محنته.

واليوم تتخاذل الأنظمة كما تخاذلت من قبل ولم يثبت في الميدان إلا جند الله، ويسأل الجميع هل ماتت الأمة؟ نقول لا بل الذي توفي هو السلطات والأنظمة، ونسأل الله أن يوفق الصامدين آمين آمين.

الرابط المختصر :