; سُنة الله في تنازع رجال المال ودعاة الإصلاح (٢-٤).. المال خادم الرسالة ووسيلة لهدف | مجلة المجتمع

العنوان سُنة الله في تنازع رجال المال ودعاة الإصلاح (٢-٤).. المال خادم الرسالة ووسيلة لهدف

الكاتب رمضان خميس الغريب

تاريخ النشر السبت 27-أكتوبر-2012

مشاهدات 56

نشر في العدد 2025

نشر في الصفحة 54

السبت 27-أكتوبر-2012

·      رجال المال الفاسدون يبخسون الناس أشياءهم ويستكبرون في الأرض ويبغونها عوجًا.

ومضت آيات القرآن الكريم تبين صفات هؤلاء الذين لا يلوون على شيء إلا الجمع والكنز، دون أن يعرفوا أن للمال غاية، وأنه خادم الرسالة، ووسيلة لهدف وليس هو في ذاته الهدف والغاية، فبينت أن من صفات رجال المال هؤلاء:

٢- بخسهم الناس أشياءهم:

وهؤلاء الماليون الذين لديهم نهم للمال سمة لازمة من لوازمهم سجلها عليهم القرآن الكريم أنهم يبخسون الناس أشياءهم؛ لأن مقاييسهم معتلة، وموازينهم مختلة، ونظرتهم إلى قيم الأشياء والأشخاص غير طبيعية، فقال تعالى، ناعيًا على قوم شعيب تلك الصفة وناهيًا لهم عنها: ﴿وإلى مدين أخاهم شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مَنْ إِلَهِ غَيْرُهُ قدْ جَاءَتْكُم بَيْنَةٌ مَن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إصلاحها ذلكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ (الأعراف: 85).

وقال في موطن آخر ناهيًا لهم عن نقص المكيال والميزان، وعدم بخس الناس أشياءهم، ومبينًا لهم أن ما عند الله خير وأبقى: ﴿ويا قَوْمِ أَوْفُوا المكيال وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلا تَعثوا في الأرض مفسدين (85) بقيت الله خير لكم إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ (86)  (هود: 85 - 86).

وانطلاقًا من نظرتهم إلى المال أنكروا على شعيب قوله، وعدوا ذلك الذي يدعوهم إلى فعله غير مقبول: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَفْعَلَ فِي أَمْوَالَنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (87)  (هود: 87).

3- يبغونها عوجًا:

وهؤلاء لا يريدون الإصلاح، ولا يرغبون في الصلاح، ولا يريدون أن يكون الناس على بينة من دينهم، بل يسعون في أن تكون الطريقة التي يحيا الناس بها عوجًا غير مستقيمة؛ لأنهم لا يعيشون إلا في مثل هذه الأجواء، وتلك المناخات التي تتيح لهم العثو في الأرض فسادًا، ولذلك نهاهم شعيب عنها، لعلمه بطرائقهم، ومعرفته بسماتهم: ﴿ولا تَقْعُدُوا بكل صراط تُوعَدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبيل الله من آمن به وتَبْغُونَها عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنتُمْ قليلا فكثركُمْ وَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (الأعراف: 86).

وهذا مبالغة في رغبتهم في كون سبيل الناس على غير هدى، فهم لا يريدون أن يضلوا الناس فقط، بل يبغون أن تكون السبيل التي يطلبها الناس هي نفسها عوجًا، و«الهاء والألف» اللتان في قوله: «تبغونها» عائدتان على «السبيل»، وأنثها لتأنيث «السبيل» (۱).

4- اختلال ميزانهم للأشياء والأشخاص:

وهؤلاء الماليون يرون كل ما حولهم موزونًا بميزان واحد، هو «كم»، لا «كيف»، ولا «من»، فكل ما حولهم من الأشياء والأشخاص له سعر وثمن، ولعل تعاملهم مع البضائع والأثمان، أورثتهم تلك الصفة، فالمهنة تؤثر في الممتهن كما يقول علماء الاجتماع.

ولقد رصد القرآن الكريم نظرة هؤلاء تلك، وعابها عليهم فقال: ﴿وَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (الأعراف: 90).

ورد القرآن فهمهم لقيم الأشخاص وحكمهم عليهم بالخسران بأنهم هم أهل الخسار والبوار، وأهل النقص والانكسار بقوله: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (الأعراف: 92).

وهؤلاء لأن عزهم في المال وحده، وشرفهم في جاهه وسطوته، ونهمتهم لا تشبع إلا به فهم يعدونه كل أملهم يقوي ضعفهم، ويرفع خسيستهم، ويعدون ما عداه صغيرًا وإن كبر، ويرونه قليلًا وإن كثر، حقيرًا وإن عظم، تلك نظرتهم للحياة والأحياء، وذلك تقييمهم للأشخاص والأشياء، ولقد رصدت آيات القرآن الكريم تلك الصفة لديهم، فقال تعالى: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن تَفْعَلَ فِي أَمْوَالَنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لأنتَ الحَلِيمُ الرشيد (هود: 87).

5- الاستكبار في الأرض والاعتداد الكاذب:

وهم مستكبرون على الخلق محتقرون للعباد، لأنهم في نظر أنفسهم يملكون ما لا يملك غيرهم، ولديهم ما ليس لدى من سواهم ظنا منهم أن قيمة الإنسان بما يملك، ولقد صور القرآن الكريم نظرتهم تلك واستكبارهم هذا بقوله: ﴿قال الملأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا من قومه لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ من قريتنا أوْ لَتَعُودُنَ في ملتنَا قَالَ أَوْ لَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (الأعراف: 88).

وقال عن قارون وفرعون وهامان ثلاثي الطغيان، المترابط المبني على المصلحة والنفعية المتبادلة: ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ ۖ وَلَقَدْ جَاءَهُم مُّوسَىٰ بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (العنكبوت: 39).

كما أبان القرآن أن قارون تجاوز على قومه وتعدى عليهم فقال تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةَ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْفَرحِينَ (القصص: 76).

كما حكم القرآن بأن الآخرة لا تكون للمستكبرين المتعالين المفسدين، في صورة سُننية حُكمية قاطعة، لا تتبدل ولا تتغير، وفي قالب قاعدي ناموسي ثابت، بقوله: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (القصص: 83).

وتلك طريقة القرآن الكريم ومنهاجه في التعقيب على القصص التي يسوقها والقضايا التي يطرحها، يعقب عليها بصورة قاعدية سننية ثابتة والمتتبع للقصص القرآني يدرك ذلك تمامًا، ومن هنا فالقصص القرآني من أخصب مظان السنن الربانية، وأغزر مواردها.

------------------------------

الهامش

(۱) جامع البيان: (6 / 53).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1420

77

الثلاثاء 03-أكتوبر-2000

المجتمع الثقافي (1420)

نشر في العدد 1780

111

السبت 08-ديسمبر-2007

الزمان القصصي