; الفلسطينيون بين مطرقة نتنياهو وسندان عرفات | مجلة المجتمع

العنوان الفلسطينيون بين مطرقة نتنياهو وسندان عرفات

الكاتب المحرر المحلي

تاريخ النشر الثلاثاء 26-نوفمبر-1996

مشاهدات 111

نشر في العدد 1227

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 26-نوفمبر-1996

تبددت الآمال العريضة وموجة التفاؤل التي سادت المجتمع الفلسطيني بتحقيق الازدهار الاقتصادي وارتفاع مستوى معيشة السكان في الأراضي العربية المحتلة في الضفة الغربية وقطاع غزة إثر توقيع الاتفاق الفلسطيني الإسرائيلي في سبتمبر «أيلول» عام ۱۹۹۳، وما رافق هذا التوقيع من حملات دعائية، ووعود بالرفاهية والعيش الرغيد، ناهيك عن تحويل قطاع غزة إلى سنغافورة الشرق الأوسط وشاطئها إلى ريفيرا مماثلة للريفيرا الفرنسية، فبعد مضي ثلاث سنوات على توقيع اتفاق أوسلو، وعقد ثلاثة مؤتمرات دولية اقتصادية لتنمية الأراضي الفلسطينية والشرق الأوسط في الدار البيضاء وعمان والقاهرة على التوالي، وعدة اجتماعات للدول المانحة للمساعدات الدولية لدعم الشعب الفلسطيني، فإن المحصلة الأخيرة لهذه الجهود وانعكاسها على تحسن الأوضاع الحياتية كانت مخيبة للآمال، بل إن جميع التقارير الاقتصادية تؤكد على أن الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في الأراضي الفلسطينية في الضفة والقطاع هي أسوأ مما كانت عليه أيام الاحتلال رغم ظروفه القاسية، فموازنة السلطة تعاني من عجز كبير.

 ومساعدات الدول المانحة لم يصل منها سوى40 في المائة فقط من المساعدات المقررة، والفساد المالي والإداري بلغ مستويات قياسية حتى نافس دولًا مشهورة في هذا المجال، فالثراء غير المشروع واستغلال المناصب والوظائف وانتشار الرشوة قصص أصبحت للتندر، الأمر الذي دفع بأحد مرافقي عرفات إلى القول «إن عرفات أفسد مجتمعًا بأكمله بالمال وعندما يصبح دون مال فسيلجأ إلى وسائل كثيرة غير قانونية».[1]

إن صورة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في مناطق الحكم الذاتي في الضفة الغربية وقطاع غزة في ظل استمرار الحصار الإسرائيلي الكامل تبدو مفزعة وذات دلالات مرعبة وتبعث على القلق، حيث تتفشي الفاقة والحرمان بشكل لم تعرفه الأراضي الفلسطينية حتى خلال سنوات الاحتلال الـ ٢٧ الماضية، وانعكست هذه الأوضاع على الحياة الفلسطينية في ظواهر اجتماعية واقتصادية غريبة وغير معروفة من قبل مثل الإقدام على الانتحار بسبب البطالة والفقر، علاوة على انتشار الجوع والأمراض الناتجة عن سوء التغذية وخاصة بين الأطفال، علاوة على الأمراض النفسية وظواهر العنف، وستعرض فيما يلي صورة للوضع الاقتصادي والانعكاسات الناتجة عن استمرار هذا الوضع.

اتفاق أوسلو وهم خادع

كانت تجربة الثلاث سنوات الماضية منذ توقيع اتفاق أوسلو وحتى الآن كافية لتؤكد فشل الاتفاق لعوامل كثيرة، وهذا الفشل يؤكده خبراء دوليون علاوة على أن الأوضاع السائدة خير دليل، ومن هؤلاء الخبير الاقتصادي «أنطوني غوردسمين» أحد مدراء برنامج الشرق الأوسط في مركز الدراسات الاستراتيجية والاقتصادية الدولية في واشنطن, حيث أكد في مقال نشرته صحيفة إنترناشيونال هيرالد تربيون الأمريكية أن أوضاع المواطنين الفلسطينيين شهدت تدهورًا ملحوظًا للغاية منذ توقيع اتفاق أوسلو للحكم الذاتي بين منظمة التحرير وإسرائيل قبل ثلاث سنوات وقال غوردتسمين إن الأمل الذي بناه الفلسطينيون من أن اتفاق أوسلو سيجلب معه الازدهار، وأنه سيعوضهم عن الخسائر التي تحملوها خلال سنوات الاحتلال، قد ظهر أنه خادع وحل مكانه «فقر مريع» وتفش للبطالة والإحباط في صفوف مليوني فلسطيني في الضفة وغزة. 

وقال الباحث الاقتصادي الدولي «إن الفجوة في الدخل أخذة بالتزايد بين الفلسطينيين والإسرائيليين مشيرًا إلى أنه في الوقت الذي كان فيه دخل الفرد السنوي في الدول العبرية قبل ثلاث سنوات ۱۳ ألفًا و ۸۸۰ دولارًا، فإن دخل الفرد الفلسطيني لم يزد على ٢٤٠٠ دولار في العام، بينما تبلغ نسبة البطالة بين الفلسطينيين نحو ٤٥ في المائة مقابل 7.5 في المائة لدى الإسرائيليين»، ونقل الكاتب عن مسؤولين في البنك الدولي قولهم في أغسطس «آب» الماضي أن الأوضاع في الأراضي الفلسطينية تدهورت بشكل متزايد، وأن دخل الفرد انخفض منذ اتفاق إعلان المبادئ في سبتمبر «أيلول» ۱۹۹۳، بنسبة ٢٥ في المائة، وهو الآن أسوأ مما كان عليه في السابق، حيث أصبح متوسط الدخل السنوي للفرد حاليًا ۱۸۰۰ دولار بينما ارتفع في إسرائيل إلى ١٥ ألف دولار في السنة.

وخلص غوردسمين إلى حقيقة مفادها أن اتفاق أوسلو جلب للفلسطينيين فقرًا شديدًا، وقال إنه لم يتضمن حوافز اقتصادية تقنع المواطنين في الأراضي الفلسطينية بالوقوف إلى جانبه. [2]

 وقد أكد ما ذهب إليه غوردسمين ممثل البنك الدولي في أراضي الحكم الذاتي «أودين كنودسن» بقوله: «إن الفلسطينيين لم يحصلوا حتى الآن على أي مكسب من عملية السلام، فهناك انحسار اقتصادي في الواقع، حيث تراجع إجمالي الناتج المحلي للأراضي الفلسطينية بمعدل ٢3% خلال السنوات الأربع الماضية».[3] 

الحصار الإسرائيلي

تفرض سلطات الاحتلال الإسرائيلي منذ الخامس والعشرين من فبراير «شباط» الماضي حصارًا محكمًا على الأراضي الفلسطينية بعد سلسلة عمليات استشهادية جرت في القدس وعسقلان وتل أبيب أدت إلى مقتل ٦٣ إسرائيليًا، وجرح أكثر من 3٠٠ آخرين، وهو ليس الحصار الأول، إلا أنه الأطول حتى الآن, وقد أدى هذا الحصار إلى تردي الوضع الاقتصادي, وتعطيل عملية التنمية, وشل حركة التجارة وحرمان العمال من الذهاب إلى أماكن عملهم وحرمان المزارعين أيضًا من تصدير منتجاتهم، مما دفع بعدد كبير منهم إلى إتلاف محاصيلهم ورميها في الشوارع، كما أدى الحصار إلى إغلاق المصانع والمؤسسات نتيجة عدم السماح باستيراد المواد الخام التي تصل من إسرائيل وتقييد حركة تنقل المواطنين بين الضفة والقطاع.

الخسائر الناجمة عن الحصار

تختلف التقديرات حول الخسائر التي يسببها الحصار الإسرائيلي الشامل على الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وذلك لانعكاسات هذا الحصار على مختلف أوجه النشاط الاقتصادي الأمر الذي يصعب معه تحديد قيمة الخسائر بشكل كامل ودقيق، إلا أن السلطة الفلسطينية تقول: «إن الخسائر الناجمة عن فرض الحصار الإسرائيلي المتشدد على الأراضي الفلسطينية تبلغ 6 ملايين دولار يوميًا».[4]

ويقول تقرير آخر أعده مكتب المنسق الخاص للأمم المتحدة في الأراضي الفلسطينية «إن الإغلاقات كانت عاملًا مهمًا بشكل خاص في عرقلة انتقال العمالة والسلع وتدهور معدلات النمو الاقتصادي، وأوضاع العمل وبالتالي أحوال معيشة الأسرة».[5]

ولخص وزير المالية الفلسطيني محمد زهدي النشاشيبي أمام مؤتمر القاهرة الاقتصادي الثالث للشرق الأوسط وشمال إفريقيا الذي عقد في الفترة من ١٢ - ١٤ نوفمبر «تشرين الثاني» الجاري الأوضاع الاقتصادية على صعيد الخسائر فقال: «إن إغلاق الأراضي الفلسطينية يكلف الاقتصاد الفلسطيني خسائر يومية تتراوح ما بين ٦ و ٧ ملايين دولار»، وقد فاقت خسائرنا في النشاط الاقتصادي وموارد العمال والبنية ما كنا نتوقع من دعم مالي من الدول المانحة، لتنفيذ برامج التنمية والبنية التحتية»، وأوضح أن «الخسارة مضاعفة في الزراعة الفلسطينية؛ لأن الفلسطينيين لا يتحكمون في مواردهم المائية التي تسيطر عليها إسرائيل».

 وقال النشاشيبي: «إن إسرائيل تحجب عن الفلسطينيين حق الوصول إلى أسواق الأردن ومصر والاتحاد الأوروبي استيرادًا وتصديرًا عبر إخضاع الصادرات لقواعد صارمة ومراقبة شديدة مما يؤدي إلى إتلاف السلع، كما تفرض على المنتجات المصدرة إلى الأسواق الإسرائيلية قواعد صارمة أيضًا ونتيجة لذلك بلغت الصادرات الإسرائيلية ۱۲۰۰ مليون دولار سنويًا, مقابل ۲۱۰ ملايين دولار للصادرات الفلسطينية».

 وأكد النشاشيبي: «أن هذا الوضع أدى إلى انتشار الفقر مع تفشي البطالة التي تصل إلى ٦٠ في المائة، في قطاع غزة و 45 إلى ٥٠ في المائة في الضفة الغربية، فالعائلات الفلسطينية تنفق مدخراتها وبدأت ببيع السلع المعمرة بعد أن بات ٦٥ في المائة يعيش تحت خط الفقر منذ ١٩٩٥، طبقًا لأرقام الأمم المتحدة التي صنفت ٩٠ في المائة من الأسر الفلسطينية عند مستوى الفقر، حيث لا يتجاوز دخلها ٥٠٠ دولار في السنة».

وقال: «إن إجمالي الناتج الوطني «أكرر الوطني» في الضفة والقطاع هبط بمعدل 22.7% خلال الفترة من ۱۹۹۲ إلى ١٩٩٦، كما هبط نصيب الفرد من الناتج الوطني «أكرر الوطني» خلال الفترة نفسها بمعدل ۳۸ في المائة من ٢٤٢٥ دولارًا إلى ١٤٨٠ دولارًا».[6]

الدعم الدولي والعجز في ميزانية السلطة

يرجع البعض أن من أسباب تردي الأوضاع الاقتصادية في الأراضي العربية المحتلة بطء تدفق المساعدات الدولية وبقاء معظم الوعود حبرًا على ورق، علاوة على أن المبالغ التي تأتي يذهب غالبيتها لتمويل متطلبات أجهزة الأمن التي زادت على العشرة أجهزة، فيما زاد عدد المنتسبين إليها على ٣٥ ألف شخص حسب بعض التقديرات، وما تبقى يصرف لمواجهة تداعيات الحصار والإغلاق الذي يكلف السلطة حوالي 7 ملايين دولار يوميًا،  وهذه الأوضاع أدت إلى تفاقم العجز في ميزانية السلطة عن تلبية الحاجات الملحة للسكان فقد وصل العجز هذا العام إلى ١٣٦ مليون دولار.

 ومن المعروف أنه عقب التوقيع على معاهدة  السلام الإسرائيلية الفلسطينية تعهدت الدول المانحة التي حضرت مؤتمر واشنطن بعد توقيع أوسلو بتقديم مساعدات مالية مجزية لدعم الاتفاق وتسهيل تطبيقه، وبالرغم من أن المساعدات المقررة لا تفي بالحاجات الملحة للشعب الفلسطيني فكيف إذا لم يأت سوى جزء بسيط منها، وقد أكد السفير سعيد كمال الأمين العام للجامعة العربية للشؤون الفلسطينية هذه القضية بقوله: «إن مجمل البرنامج الدولي لدعم السلطة الفلسطينية، ودفع جهود التنمية بمناطق الحكم الذاتي لا يتجاوز ٢٠ في المائة من التقديرات الفلسطينية للاحتياجات وهي 11.7 بليون دولار، لكن الالتزام الدولي قدرها بنحو 2.3 بليون دولار خلال المرحلة الانتقالية من٩٤ - ٩٨ موزعة بنسبة 44.8 في المائة للمؤسسات والدول الأوروبية بـ 21.5 في المائة للولايات المتحدة، و 8.9 في المائة للدول والمؤسسات العربية 8.8 في المائة لليابان و ۲.۲ في المائة لمؤسسة التعاون الدولي, وبالرغم من ذلك فإن ما تم تحصيله بالفعل من البرنامج العامي ٩٤ و٩٥ لا يتجاوز 41 في المائة من الالتزامات, كما أن ٢٠ في المائة من المبالغ المقدمة هي بمثابة فروض تتراكم كديون تشكل عبئًا على الاقتصاد الفلسطيني في المستقبل».

الاقتصاد الفلسطيني في المستقبل

 وأكد السفير كمال «أن تباطؤ العون الدولي يترك أثره السلبي على مجمل النشاط الاقتصادي الفلسطيني ليس فقط بسبب انخفاض سداد الدول المانحة لالتزاماتها ولكن لتوجيه الجزء الأكبر من المساعدات الضئيلة في الأصل لتمويل أنشطة غير تنموية».[7]

وشدد السفير سعيد كمال على ما ذكره تقرير مركز الدراسات الاستراتيجية الدولية بواشنطن من أن أزمة الاقتصاد الفلسطيني تتمثل في غياب الاستثمار بسبب غياب السلام الذي يقع عبئه على إسرائيل والولايات المتحدة.

 الخبير الدولي غوردسمين: الأمل الذي بناه الفلسطينيون من وراء أوسلو خادع وحل مكانه فقر مريع وتفش للبطالة وإحباط لدى مليوني فلسطيني.

وزير الاقتصاد الفلسطيني ماهر المصري من جانبه وفي مقابلة صحفية أكد عدم وجود أي تطور إيجابي في قضية المساعدات، وقال إن إجمالي المتأخرات في هذا الصدد خلال العامين الماضيين تراوح بين 651,7 مليون دولار و817.7ملیون دولار بنسبة 54.6 في المائة لإجمالي الالتزامات،60,1 في المائة لإجمالي التعهدات مشيرًا إلي أن الدول العربية أوقت بنحو 52.7 في المائة من إجمالي تعهداتها لعامي ٩٤ و ١٩٩٥، البالغة 192,8 مليون دولار بنسبة 48.2 في المائة إجمالي تعهداتها المرحلة الانتقالية المقدرة بنحو 210.8 مليون دولار كمنح لا تسترد، بينما بلغت نسبة وفاء الجهات الأوروبية المانحة 42.2 في المائة من إجمالي تعهداتها البالغة 611.2 مليون دولار لعامي ٩٤ و ٩٥ منها 7.3 في المائة قروض، وذلك من إجمالي تعهدات أوروبية تصل إلى بليون و 247.4 مليون دولار بنسبة سداد 20.2 في المائة، كما سددت اليابان 39.4 في المائة من تعهداتها البالغة ٢٠٠ مليون دولار مقابل 65.2 في المائة للولايات المتحدة من تعهدات قيمتها ۲۰۰ مليون دولار ومقابل 21.6 في المائة لإسرائيل من إجمالي تعهدات تبلغ ٧٥ مليون دولار، بينما لم تبلغ نسبة سداد البنك الدولي 18.6 في المائة من إجمالي تعهداته البالغة 66.7 في المائة».[8] 

 اما على صعيد انعكاس مجمل القضايا الاقتصادية على ميزانية السلطة، فتؤكد التقارير المختصة أنه في مطلع السنة الجارية كان من المنتظر «أن يبلغ العجز ٧٥ مليون دولار عن العام كله، وفي تقدير يقال إنه صدر عن صندوق النقد الدولي أكد أن العجز سيكون بين ۱۰۰ و ۱۱۰ ملايين دولار»[9] لكن هذا التقدير كان أقل بكثير مما حدث بالفعل، فقد كشف وزير الاقتصاد الفلسطيني ماهر المصري في حوار أجرته معه صحيفة الشرق الأوسط على هامش أعمال الدورة الـ ٥٨ لاجتماع وزراء المالية والاقتصاد العرب «أن العجز في الميزانية الفلسطينية تضاعف من ٧٥مليون دولار إلى ١٩٥ مليونًا، وأن معدل التراجع في المشروعات الاستثمارية سيصل خلال العام الحالي لنحو ٢٦ في المائة، وزادت نسبة المديونية الخارجية مقارنة بالناتج المحلي بشكل يهدد الاقتصاد الفلسطيني، ولا يشجع المستثمرين على ضخ أموالهم، وتوظيفها في مشروعات فلسطينية» مضيفًا: «أن الحصار قد أدى حتى الآن لتدهور شديد في الناتج المحلي الفلسطيني الذي من المنتظر أن يتراوح خلال العام الحالي حسب التقديرات الأولية بين ٩.٨ في المائة و ٢٩ في المائة فيما كان قد حقق نموًا إيجابيًا العام الماضي نسبته ٣.٥ في المائة وبلغ نحو 3 بلايين و ٣٥۲ ملیون دولار».

 وأكد الوزير الفلسطيني «أنه من المنتظر أن يتراجع الاستهلاك الخاص الفلسطيني بنحو ١٦ في المائة نتيجة انخفاض الدخل القومي الإجمالي المتاح والناتج القومي الإجمالي نتيجة لانخفاض تحويلات العمالة الفلسطينية، وأوضح أن نسبة الاستثمار الكلي إلى الناتج المحلي الإجمالي خلال سنوات الاحتلال بلغت ٢٦ في المائة، فيما تراجعت خلال التسعينيات من ٣٠.٤ في المائة عام ١٩٩١ إلى 16.7 في العام الماضي، وتشير التوقعات إلى انخفاض الاستثمارات الكلية بنحو ٢٦ في المائة العام الحالي بسبب الحصار لتنخفض نسبتها إلى إجمالي الناتج المحلي إلى نحو 6.9 في المائة فقط».

 وخلص الوزير الفلسطيني إلى القول: «إن الواقع الاقتصادي الفلسطيني الآن أسوأ منه قبل التسوية، وأن استمرار الإغلاق والحصار والممارسات التعسفية سيضاعف من سوء الموقف وعندئذ ستتعرض كل دول المنطقة بما فيها إسرائيل الانتكاسة، ربما تعود بها إلى سابق عهدها في الماضي من عدم الأمن والاستقرار وهجرة الاستثمار».[10] 

 النشاشيبي يقول: ٦٥% من الأسر الفلسطينية تعيش تحت خط الفقر و٩٠ يعيشون عند مستوى الفقر.

 وتشير مصادر مطلعة إلى أن الدول المانحة تتذمر من الحصار الإسرائيلي وتشعر أن عليها أن تدفع ثمن إغلاق الحدود، كما أنها ترغب في أن تشهد تحسينات في البيانات المالية الصادرة عن السلطات الفلسطينية أيضًا، وفي هذا السياق يقول مصدر من المصادر الدولية المطلعة على المعلومات المالية التي قدمها الفلسطينيون: «نحتاج إلى معلومات عن الحسابات الفلسطينية المجمعة وهو ما لم يقدمه الفلسطينيون».

وتقول هذه المصادر إن ثمة مصدرين للشكوك المحيطة بالصورة المالية التي يقدمها الفلسطينيون, وأول هذين المصدرين يرتبط بما ينقله الإسرائيليون من أموال، أو يحولونه إلى الفلسطينيين، وثمة فكرة جيدة عن مبلغ هذه الأموال المحولة إلى الحسابات الفلسطينية، لكن ما هو غامض أو غير بين فهو طبيعة ما يخرج أو يصرف من هذه الحسابات، أما المصدر الثاني فهو ما يحيط من شكوك بعائدات الاحتكارات التي منحتها السلطة الفلسطينية لاستيراد الأسمنت ومواد البناء الأخرى، ويقال إن الشكوك المحيطة بهذا الأمر بالذات أكبر من الشكوك المحيطة بأمر المصروف مما تحوله السلطات الإسرائيلية من أموال ويقول مصدر «لا يوجد وضوح حول هذه الأموال وكيفية استخدامها وصرفها».[11] 

مشكلة البطالة

تكتظ مناطق الحكم الذاتي بالأيدي العاملة العاطلة عن العمل نتيجة لكثافة التواجد البشري في هذه القطعة المحدودة، حيث تشير آخر الإحصاءات الصادرة عن دائرة الإحصاء الفلسطيني إلى أن عدد سكان الضفة الغربية وقطاع غزة يبلغ نحو 2.5 مليون نسمة منهم ٩٦٣ ألف نسمة يعيشون في قطاع غزة على شريط ساحلي ممتد من أقصى الجنوب في مدينة رفح إلى أقصى الشمال عند نقطة أبرز مكونًا منطقة «غيتو» مساحتها ٢٥٨ كيلو مترًا مربعًا فقط، وفي داخلها تسعة مخيمات بيوتها مسقوفة بالتنك والزنك وثلاث مدن وقرى عدة، فيما أنشأت إسرائيل تسعة عشر مستوطنة، وتشير الأرقام إلى أن عدد العمال الفلسطينيين من قطاع غرة الذين كانوا يعملون في إسرائيل قبل الانتفاضة يبلغ ١٣٥ ألف عامل، ثم تقلص هذا العدد إلى حوالي ٥٠ ألفًا خلال سنوات الانتفاضة، ثم إلى ٣٥ ألفًا بعد اتفاق أوسلو، ثم إلى بضعة آلاف، ثم إلى صفر بعدما اعتمدت إسرائيل سياسة الحصار والإغلاق الشاملين خصوصًا منذ ٢٥ فبراير «شباط» الماضي.

 ومنذ اتفاق أوسلو وحتى الآن طرأت تغيرات كبيرة على أوضاع القوى العاملة في الأراضي الفلسطينية في الضفة والقطاع، حيث زاد عدد العمال من ٤٠٠ ألف عامل عام ١٩٩٤ إلى ٤٣٣ ألفًا في العام الحالي غير أنه في ظل الإجراءات الأمنية الإسرائيلية المتشددة والإغلاق الأمني، فإن عدد العاملين الفلسطينيين في إسرائيل انخفض من ٥٣ ألف عامل إلى ١٨ ألف عامل حسب مصادر صندوق النقد الدولي، مقابل ١١٦ ألفًا كانوا يعملون في إسرائيل عام ۱۹۹۱، الأمر الذي أدى إلى تفاقم مشكلة البطالة التي تختلف التقديرات حول نسبتها، حيث يبلغ متوسط هذه التقديرات نحو 65 في المائة، كما انخفض الدخل القومي للفرد بنسبة ٣٦ في المائة. 

وقد أكد هذا التدهور مسؤول التشغيل والاستخدام في السلطة الفلسطينية سعيد المدلل الذي قال: «إن معدل البطالة بين العمال الفلسطينيين وصل إلى ٦٥ في المائة في قطاع غزة، وإلى ٥٠ في المائة في الضفة الغربية بعد إغلاق إسرائيل مناطق الحكم الذاتي» مشيرًا إلى أن الإغلاق يحرم ثمانية عشر ألف عامل من غزة يحملون تصاريح عمل من الوصول إلى أماكن عملهم في إسرائيل.[12]

انعكاس الحصار على الحياة العامة 

مثلث قضية انتحار المواطن الفلسطيني محمد بدوي (٢١ عامًا) في أحد مخيمات اللاجئين الفلسطينيين لفشله في الحصول على عمل لإطعام زوجته وطفله بإشعال النار في جسده، قمة الشعور باليأس والحرمان وصعوبة الأوضاع الاقتصادية في الأراضي الفلسطينية، وخاصة تلك الواقعة تحت سلطة الحكم الذاتي، وظاهرة الانتحار غريبة وغير معروفة في أوساط الشعب الفلسطيني، وترسم التقارير الاقتصادية صورة مأساوية لما آلت إليه أوضاع السكان وخاصة الأطفال، ومنها ما جاء في تقرير نشرته صحيفة الشرق الأوسط يقول التقرير: «أطفال يعدون بعشرات الآلاف، تتراوح أعمارهم بين شهر واحد وعشر سنوات، بينهم أطفال يقتاتون على الخبز والشاي فقط أسابيع، وأحيانًا أشهر, أطفال أحياء، لكنهم يعيشون على حافة المجاعة، وهم بالتأكيد يعانون الهزال وفقر الدم وغيرهما من أمراض وأعراض سوء التغذية، ولأن تراجع الدخل وتزايد الفقر ينعكس على مجمل الأسرة، فإن سوء التغذية يبدأ من مرحلة الحمل, أمهات لا تتوفر لهن الكميات الكافية من البروتين حتى الأسماك شحيحة في غزة بسبب تحديد المساحات المسموح الصيد فيها - فيلدن أطفالًا يشبهون أطفال المجاعات في إفريقيا».[13]

ويورد التقرير شهادات من داخل القطاع منها شهادة الدكتور سامي أبو ضلفة - نائب مدير مستشفى النصر للأطفال- الذي يقول: «إن تأثير الوضع الاقتصادي نراه في تزايد حالات الكساح والهزال ونقص الحديد وتأثيره الواضح في زيادة حالات الأنيميا نقص فيتامين (أ)، وتأثير نقص هذا الفيتامين على النظر، هذه الحالات كانت موجودة في السبعينيات واختفت في الثمانينيات، لكنها عادت الآن في التسعينيات وهي في تزايد مستمر مع تزايد التراجع في الدخول بسبب تشديد قبضة الحصار الإسرائيلي للقطاع».

ويلاحظ الدكتور أبو ضلفة انعكاس تمدد الفقر على الوضع الصحي للأطفال في ارتفاع عدد حالات الوفيات بين الأطفال حديثي الولادة الذين يولدون ومعهم أمراض نقص النمو ويفشلون في التغلب عليها، يقول هذه النسب ارتفعت من ٣٥ في الألف إلى ٤٢ في الألف، وهي نسبة عالية جدًا في الأحوال العادية ١٦ في الألف.

شهادة أخرى ينقلها التقرير عن مسؤولة في جمعية أرض الإنسان التي تعنى بمراقبة أحوال التغذية بين أطفال غزة وهي اعتدال الخطيب التي تقول: «إن حالات سوء التغذية زادت بنسبة ٣٩ في المائة خلال الأشهر المنقضية من هذا العام بالمقارنة مع العام الماضي».

أما الدكتور خالد المشهراوي الطبيب في الجمعية نفسها فيقول إن: « ٧٥ في المائة من أمراض الأطفال هي نتيجة سوء تغذية، و 34 في المائة من حالات سوء التغذية هذه ناتجة من فقر الأسرة من بين ٣٤٠٤ حالات مرت على الجمعية خلال عام ٩٥ كان هناك ٢٥٦٣ حالة سوء تغذية».

 وتشير خبيرة التغذية جين هانون «بريطانية» إلى التراجع الملاحظ في القيمة الغذائية لما تستطيع الأسر الفقيرة في غزة شراءه، ففي استطلاع أعدته جين مع زميلتها ريم أبو عيادة وشمل عينة عشوائية من ٣٠٠ أسرة تبين أن «٤٧ في المائة فقط تناولوا فواكه خلال شهري مايو «أيار» ويونيو «حزيران» الماضيين، وأن استهلاك البيض تراجع بنسبة ٢٢ في المائة، بينما تراجع استهلاك اللحوم بنسبة ٣٠ في المائة، في حين لم يتجاوز استهلاك الحليب نسبة 43.7 في المائة، ويوضح الاستطلاع أيضًا أن هناك زيادة من ١٤ إلى 14.7 في المائة في عدد العائلات التي تتوفر لها وجبتان فقط لا ثلاث وجبات».[14]

هذه هي حصيلة عملية التسوية بالنسبة للفلسطينيين، فمع تزايد قبضة الإغلاق ومع استمرار هذا الحصار يتعدد الفقر وترتفع نسب البطالة وتزداد المآسي التي ترتسم صورها على وجوه وأجساد أطفال قطاع غزة الذين انتفخت بطونهم وجحظت عيونهم، وظهرت ظواهر اجتماعية غريبة كالانتحار، والعنف المتمثل بضرب الآباء لأبنائهم والأزواج لزوجاتهم، وازداد رواد العيادات النفسية وأصبحت ترى الأطفال يبحثون في صناديق القمامة عن الطعام، ومما يزيد من آلام الشعب الفلسطيني أن جزءً كبيرًا من المسؤولية تقع على عاتق السلطة الفلسطينية، فهؤلاء الذين يسحقهم الفقر والإحباط والبطالة ويحسون بالعجز والمهانة أمام أسرهم يرون رجال السلطة وشلة المنتفعين والمفسدين يحيطون بالسلطة من كل جانب وقد أثروا على حساب قوت الشعب الفلسطيني وآلامه حتى أصبح الفساد ظاهرة مستشرية.

وعلى الجانب الآخر تبدو الصورة مغايرة تمامًا بالنسبة للإسرائيليين، هذه الصورة ترسمها أرقام الاستثمارات وزيادة دخل الفرد الإسرائيلي زادت الاستثمارات من ٤.٨ بليون دولار عام ١٩٩٢إلى نحو ۱۲ بليون دولار العام الماضي، وتضاعفت صادرات إسرائيل من 15.5 بليون دولار إلى نحو 3۰ بليون دولار, وتراجعت المديونية الخارجية المستحقة عليها من ٨٠ في المائة إلى ٢٨ في المائة، وتمكنت من إلغاء المقاطعة العربية من الدرجة الثانية والثالثة، ودشنت علاقات تجارية مع العديد من الدول العربية والإفريقية، وأبرمت اتفاقات بمشاريع إقليمية ضخمة بدعوى أن التعاون الاقتصادي يحمي السلام.

 تلك هي محصلة ثلاث سنوات من مسيرة التسوية، وهي محصلة لا شك ذات دلالات مرعبة!.


[1] صحيفة الجارديان البريطانية في مقال للكاتب ديفيد هيرست ٦/٧/١٩٩٦

[2] صحيفة إنترناشيونال هيرالد تربيون الأمريكية (٢٩/١٠/١٩٩٦)

[3] صحيفة الدستور الأردنية ١٢/١١/١٩٩٦

[4] صحيفة الاتحاد ٨/١٢/١٩٩٦

[5] المصدر السابق

[6] صحيفة الرأي الأردنية ١٣/١١/١٩٩٦

[7] صحيفة الأهرام ٦/١١/١٩٩٦

[8] صحيفة الشرق الأوسط ٢٤/٩/١٩٩٦

[9] صحيفة الحياة اللندنية ١٩/٩/١٩٩٦

[10] صحيفة الشرق الأوسط ٢٤/١١/١٩٩٦

[11] صحيفة الحياة اللندنية ١٩/٩/١٩٩٦

[12] صحيفة الاتحاد ٨/١١/١٩٩٦.

[13] صحيفة الشرق الأوسط ٢/١١/١٩٩٦

[14] المصدر السابق

الرابط المختصر :