الثلاثاء 18-نوفمبر-1980
وإذن فمحاولة التشكيك في مصادر المال الذي استطاع به حسن البنا إنشاء ثلاثمائة شعبة في عشر سنوات- لا يقدم ولا يؤخر شيئًا حتى لدى المنصف الكاره، أما أمام الدكتور «المؤرخ» فتلوى عنده الحقائق ليقول «إنه يفهم أن تنتشر فروع الجمعية بالنسبة لفترة الوفد لإلزامه بالخط «الدستوري الديمقراطي»، ولكن لا يفهمه في غير ذلك من العهود.
فكيف تناسى الدكتور أن النحاس باشا رئيس الوزراء ورئيس حزب الوفد استدعى حسن البنا سنة (١٩٤٢) بعد إعلان رغبته في ترشيح نفسه عن دائرة الإسماعيلية، وطلب منه تنازلًا عن هذا الترشيح، وصارحه بأن الدوائر البريطانية لا تسمح له بدخول البرلمان، ووعده إذا فعل ما يطلبه منه أن يترك له حرية مزاولة نشاطه بالكامل، وأن تقوم الحكومة بمنع شرب الخمر ومنع الدعارة الرسمية كطلب حسن البنا لقاء هذا التنازل.
ولكن، ما أن شارفت سنة (١٩٤٢) على الانتهاء حتى أغلق النحاس باشا الشعب ثانية، وصادر نشاطها وراقب تحركات الأفراد.
فهل مازال الدكتور رمضان مقتنعًا بأن وزارة الوفد كانت ملتزمة بالخط «الدستوري الديمقراطي»، أم أن حظ الإخوان مع وزارة الوفد كان كحظهم مع باقي الحكومات الرجعية امتدادًا وانحسارًا؟
• والثالثة:
وثمة أغلوطة ثالثة تطرح لك منهج الدكتور رمضان في التفكير حين يقول: «إنه يعتبر حسن البنا نموذجًا فريدًا لفريق الشباب المتدين الرافض لتيار الغرب، فلم يستلفت نظره شيء من ألوان الحياة والكفاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي الفكري الدائر في القاهرة في العشرينات سوى ما يتعلق بما أسماه «بالتحلل الأخلاقي».
وإذن فالمؤرخ المدقق يرى أنه مادام حسن البنا قد عني في مبدأ دعوته بمواجهة التحلل الأخلاقي الموجود نتيجة حالة «التغريب» التي ظهرت موجاتها في المجتمع المصري في نبذ المرأة المصرية للحجاب، وإقبالها على التعليم، ونزولها إلى ميدان العمل وإلى ميدان السياسة، وتنديدها بتعدد الزوجات، فمعنى ذلك أن كفاح حسن البنا السياسي فضلًا عن مؤسسات الجماعة الاقتصادية، والاجتماعية، التي نشأت في تاريخ متأخر لنشأته ونشأة الجماعة- لم تكن واردة في أماله، بل ولا حتى فكرة الخلافة الإسلامية التي نادى بها في المؤتمر الخامس سنة (١٩٣٨)، والتي اعتبرها البنا إحدى دعائم أيدولوجية الإخوان المسلمين- كانت تعنيه في هذا الوقت.
وينتهي من ذلك إلى هذه النتيجة الخطيرة فيقول:
«يتضح من ذلك أن حركة الإخوان المسلمين لم تدفع إليها عوامل سياسية تتعلق بقضايا الاستقلال والدستور، أو رفض للنظام القائم، وإنما دفعت إليها أفكار سلفية تعارض تيار «التغريب»، أما فكرة العنف والسعي للوصول إلى الحكم بالقوة فلم تكن واردة في رؤوس أصحابها، وإنما العمل السلمي المتمثل في إصدار الجرائد الإسلامية، والوعظ والإرشاد، وتأليف الجمعيات، وغيرها من الوسائل.
• حق أريد به باطل:
وهذه الأغلوطة الثالثة التي يجعلها الدكتور رمضان مطيته إلى فهم حركة الإخوان المسلمين كما وردت في تلخيصه الأخير- لا توصف إلا بأنها حق أريد به باطل.
فإنه من الأمور اليقينية أن حركة الإخوان المسلمين لم تدفع إليها عوامل سياسية تتعلق بقضايا الاستقلال والدستور، أو رفض للنظام القائم، ولكن دفع إليها إيمان ركيز بأن الإسلام نظام حياة شامل، لا يستقيم ظله إلا بالإيمان بالكتاب كله، والدولة جزء من منهاج الحياة الذي رسمه الإسلام.
وليست هناك بدائل عن هذا النظام، كما أنه ليست هناك بدائل عن وسيلة التغيير التي رسمها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بدفع المنكر باليد، فإن لم يستطع المسلم فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه.
• فكر شامل، وخطوات منسقة:
وإذن فالتدرج الذي أنكره الدكتور «المؤرخ» على حسن البنا هو نفسه الذي لا أحسبه يستطيع إنكاره على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليعود بخبره إلى الكفار، وإذن فلم تغب عنه حقيقه تآلب الفرس والروم على المسلمين، بل ونصر جيوش المسلمين عليهم -الذي لم يمتد به الأجل ليراه-، وهو بعد يخطط لهربه من بطش الكفار.
فهل غيرت غزوات المسلمين أسلوب الدعوة الإسلامية الذي يجري بالحب، والوفاء، والإخاء، والتعارف، أو منهاج الإسلام في مجال التربية الخلقية بالوعظ والإرشاد، أم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- علم أصحابه مواجهة الحرب بالحرب، والكيد بالكيد، والعدوان بالرد عليه؟!
وهكذا جرى أو كان يجري فهم حسن البنا لما ينتظر أتباعه جريًا على سنن الله في الكون، فكان لا بد من مواجهة بطش الباطل بالحق ورجاله، بالعدة والعتاد التي اعتبرها الدكتور رمضان تحقيقًا «لفكرة العنف»، وفي نفس الوقت اعتبرتها المحكمة التي حاكمت الإخوان المسلمين «تدريبًا يتمشى مع الأهداف المقررة لتحرير وادي النيل وجميع البلاد الإسلامية»
ولكن، يبدو أن تأثر الدكتور رمضان بأفكار الغرب عن الدين المسيحي حال دون تصوره لهذا المنهاج الذي بدأ متكاملًا في فهم حسن البنا منذ ظهرت دعوته- بقدر تكامله في كتاب الله بعد انقطاع الوحي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، بدءًا من مفهوم الخلافة الإسلامية الذي يعلم المسلمون جميعًا أنه فرض كفاية، لا بد أن ينهض البعض لتحقيقه حتى يسقط إثمه عن عامة المسلمين، ومرورًا بنظام الدولة في مجال السياسة والاقتصاد عبر الأمة التي تستظل بشريعة السماء في دستورها لتعيش في كنفها الأسرة المسلمة التي تنهض قوائمها عليه، ويصح به إيمان الفرد الذي يبني طاقاته على ركائز التوحيد.
•خطوات مدروسة:
كل هذا كان يدرجه حسن البنا؛ فلم تكن خطواته عشوائية، ولم ينهض بدعوته من فراغ، ولم يكن أنموذجًا فريدًا لفريق الشباب المتتدين الرافض لتيار التغريب -كما يقول الدكتور «المؤرخ»-، ولكنه كان نموذجًا فريدًا لفريق الشباب المتدين، الرافض لكل نظام سوى الإسلام، وليس تيار التغريب فحسب.
والجهد الذي بدا من الدكتور رمضان لم يحفل بأي لون من ألوان الكفاح السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، والفكري، الدائر في القاهرة في العشرينات سوى ما كان من التحلل الخلقي، يصبح بذلك كلامًا لا يحتاج إلى دليل في الرد عليه، فالبنا لم يخترع لنفسه إسلامًا، ولم يجهل ما يعرفه كل مسلم عن شمول الإسلام في بنائه للسياسة والاقتصاد والاجتماع، ولكن كانت نقطة البدء هي تكوين الفرد على العقيدة الصحيحة والخلق السليم؛ لتفجير طاقاته الإيمانية لإيجاد القوة التي يحتاجها المصلحون في تحقيق البناء المنشود، هذه القوة التي اعتبرها الدكتور جريمة نكراء، ونقطة سوداء في تاريخ الجماعة، ورآها البنا ضرورة من ضرورات البناء بما يغنينا عن الرد على الدكتور «المؤرخ».
•القوة، والثورة:
يقول الإمام الشهيد حسن البنا في رسالة المؤتمر الخامس «أما القوة فشعار الإسلام في كل نظمه وتشريعاته؛ فالقرآن الكريم ينادي في وضوح وجلاء ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (سورة الأنفال: 60).
بل إن القوة شعار الإسلام حتى في الدعاء، وهو مظهر الخشوع والمسكنة، واسمع ما كان يدعو به النبي -صلى الله عليه وسلم- في خاصة نفسه، ويعلمه أصحابه، وينادي به ربه «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال»، وهكذا استعاذ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من كل مظهر من مظاهر الضعف، ضعف الإرادة بالهم والحزن، وضعف الإنتاج بالعجز والكسل، وضعف الجيب والمال بالجبن والبخل، وضعف العزة والكرامة بالدين والقهر».
ثم يستطرد فيقول:
والإخوان المسلمون أعمق فكرًا، وأبعد نظرًا من أن تستهويهم سطحية الأعمال والفكر، فلا يغوصوا في أعماقها، ولا يزنوا نتائجها، وما يقصد منها، وما يراد بها، فهم يعلمون أن أول درجة من درجات القوة العقيدة والإيمان، ويلي ذلك قوة الوحدة والارتباط، ثم بعدهما قوة الساعد والسلاح، ولا يصح أن توصف جماعة بالقوة حتى تتوفر لها هذه المعاني جميعًا، فإنها إذا استخدمت قوة الساعد والسلاح وهي مفككة الأوصال، مضطربة النظام، أو ضعيفة العقيدة خاملة الإيمان؛ فسيكون مصيرها الفناء والهلاك.
ثم يتساءل الإمام «البنا»، فيقول:
«ولكن هل أوصى الإسلام -والقوة شعاره- باستخدام القوة في كل الظروف والأحوال، أم حدد لذلك حدودًا، واشترط شروطًا، ووجه القوة توجيهًا محدودًا، وهل تكون القوة أول علاج، أم أن آخر الدواء الكي.
وبعد هذه الأسئلة أعنف مظاهر القوة، ومن هنا كان نظر المسلمين إليها أدق وأعمق، وبخاصة في وطن كمصر، جرب حظه في الثورات فلم يجن منها إلا ما تعلمون، وبعد كل هذه التقديرات أقول لهؤلاء السائلين «إن الإخوان المسلمين سيستخدمون القوة العملية حيث لا يجدي غيرها، وحيث يثقون أنهم قد استكملوا عدة الإيمان والوحدة، وهم حين يستخدمون هذه القوة سيكونون شرفاء صرحاء، وسينذرون أولًا، وينتظرون بعد ذلك، ثم يقدمون في كرامة وعزة، ويحتملون كل نتائج موقفهم هذا بكل رضاء وارتياح.
أما الثورة فلا يفكر الإخوان المسلمون فيها، ولا يعتمدون عليها، ولا يؤمنون بنفعها ونتائجها، وإن كانوا يصارحون كل حكومة في مصر بأن الحال إذا دام على هذا المنوال، ولم يفكر أولو الأمر في الإصلاح العاجل والعلاج السريع؛ فسيؤدي ذلك حتمًا إلى ثورة ليست من عمل الإخوان المسلمين، ولا من دعوتهم».
-هكذا فهم جماعة الإخوان المسلمين القوة منذ نادى بها حسن البنا، وهكذا نظروا للثورة التي تأبى عقلية الدكتور المؤرخ أن تفهمها من خلال المسار التاريخي للجماعة، لا لشيء إلا لينجح الدكتور المؤرخ في عرض الإخوان المسلمين بالصورة التي تخيف الحكام والمحكومين، وفي نفس الوقت يأبى أيضًا إلا أن ينظر إلى الإسلام بعقلية «الخواجة» الذي يعتبر الدين منهاج حياة، حتى أننا لنراه يتساءل في مقاله التاريخي.
«ما الذي دفع بحسن البنا إلى ميدان السياسة؟ ويجيبه على ذلك قائلًا إن نمو القوة الذاتية لجماعة الإخوان عامل أساسي في هذا التحول».
وإذن فالدكتور «المؤرخ» يرى أن دخول الإخوان المسلمين في السياسة عنوان تحول عن حقيقة الإسلام وجوهره، وفي نفس الوقت يروي -في نفس مقاله- أن دخول المرأة ميدان السياسة عنوان حضارة للأمة.
أما حق المسلم في المشاركة في ميدان السياسة فيحتاج -في رأي الدكتور- إلى «قوة ذاتيه نامية»، تثقل بها كفته لتوازي كفة المرأة، فيصبح له الحق في المشاركة في ميدان السياسة.
هذا كلام له خبئ. معناه ليست لنا عقول.
كلمة أخيرة أرجو أن يعيها الدكتور عن شخصية حسن البنا الذي كثيرًا ما خاض هو وأمثاله في عرضه وسيرته.
إن الظروف والأحوال لم تكيف خصائص دعوته، وإنما استطاع هو أن يصلح الأرض التي تنبت عليها الثمرة لتصح بها وتزكو، ولا شك أنك قرأت له نداءه إلى الإخوان المسلمين «لا تصادموا نواميس الكون فإنها غلابة، ولكن غالبوها، واستخدموها، وحولوا تيارها، واستعينوا ببعضها على بعض».
ولا أحسب أن الدكتور رمضان قد أغفل -مادام قد قرأ رسالة المؤتمر الخامس- عن قول حسن البنا الذي يرسم به خطوات المستقبل في روية وأناة، فيقول لعامة الإخوان «إن طريقكم هنا، مرسومة خطوطه، موضوعة حدوده، ولست مخالفًا هذه الحدود التي أقنعت كل الاقتناع بأنها أسلم طريق للوصول، فمن أراد منكم أن يستعجل الثمرة قبل نضجها؛ فخير له أن ينصرف عن هذه الدعوة إلى غيرها من الدعوات». وأخيرًا:
همسة أزجيها إلى أذن الدكتور رمضان.
إنه من الخير له أن ينظر إلى حقائق التاريخ من خلال سنن الله في كونه، لا من خلال ظن يقيمه، أو فكر يروج له.
فذلك أدعى إلى صدقه وتصديقه إن كان يبتغي النفع لأبناء أمته.
والسلام على من اتبع الهدى.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل