; رد على الدكتور حسن ترابي | مجلة المجتمع

العنوان رد على الدكتور حسن ترابي

الكاتب الحبر يوسف نور الدائم

تاريخ النشر الثلاثاء 26-أكتوبر-1982

مشاهدات 59

نشر في العدد 592

نشر في الصفحة 25

الثلاثاء 26-أكتوبر-1982

طالعتنا مجلة المجتمع الغراء في عددها الصادر بتاريخ ۲۱ شوال ١٤٠٢هـ بحوار أجرته مع د. حسن عبد الله الترابي، ولقد أحسنت المجلة صنعا بأن فتحت الباب للنقاش ودعت القراء للمشاركة بالرد والتعليق. وما أحسبني متعرضا إلا لبعض الجوانب من الحوار إذ إنه حوار طويل متشعب.

أول ما يلفت الناظر في هذا الحوار المنهج الفكري الذي يعتمد عليه د. الترابي، ومما بدا لي من الحوار ومن مطالعتي فيما كتب أنه لا ينطلق من منهج فكري واضح المعالم بين القسمات إذ إنه يزعم لنفسه حرية فضفاضة لا تحدها حدود وانفتاحا لا يقف في وجهه شيء. وتمردا على كل قيد. وإنما هي التجربة والمغامرة والإقدام والابتلاء كما يحلو له أن يعبر، وإنه لابتلاء وبلوى أن يجد الإنسان نفسه منفلتا من كل قيد متقصيا من كل نص.. حتى المعايير الواردة في القرآن لا يفهمها د. الترابي على وجه الإطلاق- ولا ينطلق في هذا من قاعدة أصولية- وإنما يتركها للقارئ «ينبغي أن تتخذ كل معايير الإسلام لتقدير المودة والعداوة فمن المعايير الواردة في القرآن الكريم أن أهل الكتاب أقرب مودة إليك من المشركين تلك معايير لا تقوم على وجه الإطلاق إنما ينبغي أن يتخذها المسلم لنفسه» ماذا يريد منا أن نفهم من هذا القول المؤكد باللام والنون المشردة ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ (المائدة: 82) اللهم إلا أن يكون.. الترابي من أولئك المغالين الذين يرون الإنسان مقياس نفسه ولا يعترفون بقيمة مطلقة وإنما الأمر كله نسبي عندهم محدود لا يكاد يركن فيه إلى قاعدة ثابتة ولا أصل. 

الأمر الثاني اللافت للنظر أن الحركة الإسلامية عنده أصبحت حقل تجارب متنوعة لا يبالي بأيها أخذ وعلى أيها يعول فله أن يجرب من الأسباب ما شاء وأن يستبيح من المناهج ما يرى.. يحارب السلطة بالسلاح فإذا ما أعجزه ذلك وإعياء عاد معترفا بها مقرأ بشرعيتها. مقسما لها بالولاء واضعا لها ما تريده من قانون وتشريع حتى إن المرء ليتساءل أغاية الداعية إلى الله- ود. حسن عند نفسه وعند كثير من الناس من الدعاة إلى الله- أن يكون مطية تركب وأداة تستغل، وحجرا تحركه السلطة التنفيذية كيف شاءت؟! 

وهل يستطيع الداعية المسلم أن يرتضي منهجا غير منهجه، وأن يلبس لكل حالة لبوسها مشاركا في أوضاع لا تقوم على هدى من الله ورسوله تقيد خطوة، وتلوي يده، وتكتفه كتفا لا يستطيع معه قبضا ولا بسطا فإذا ما سئل عن ذلك أجاب «إنما هو بعض الخطو على طريق الإسلام» أأصبح الإسلام أمرا مبهما، وطريقا مظلما ليست لنا فيه من معالم ولا صوى وليس لنا فيه من سابق علم ولا سالف تجربة؟ 

ثم ما هذا الذي يقوله د. الترابي «إن حركة الإسلام في السودان لا تؤمن بالانعزال عن المجتمع ثم العودة إليه وتقويضه ثم قيادته من جديد وإنما تؤمن بالتفاعل معه تدعم عنصر الخير فيه وتدحض عنصر الشر منه» وهل من حركة إسلامية جادة مبصرة تؤمن بالانعزال عن المجتمع؟ لعله بذلك يشير إلى كلمات تفهم على غير وجهها قال بها الأستاذ سيد قطب رحمه الله وأحسن إليه. إن سيدا لم يدع إلى هذا الانعزال العجيب وإنما أراد ما سماه بالعزلة الشعورية والانفصال الوجداني عن الأوضاع المجتمعية غير المسلمة، وتربية من يعمل على تغييرها واستبدالها ولهذا كان يقول بالانفصال من جهة والاتصال من أخرى لأن أمر الدعوة لا يتم إلا بهذا وذلك بحيث يظل للمسلم قلبه الحي، وضميره اليقظ وحسه الإسلامي المرهف الذي يحجزه عن ملابسة الباطل، ويكبحه عن مخالطة الأوضاع الجاهلية. أما الدعوة ومناصرة الحق ومدافعة الباطل في المجتمع فأمر مطلوب مرغوب فيه لا تنازع في ذلك ولا اختلاف.

وأخرى.. يقول د. الترابي «لقد نشأت المدرسة القطبية في ظرف معين من ظروف تطور حركة الإخوان المسلمين في مصر وحاولت أن تستدرك بعض العيوب في التربية الجماهيرية الساذجة التي سادت أول الأمر» وأحسب أن سيدا- رحمه الله- لم يكن من المفتونين بتكون المدارس والمذاهب شأن كثير من الناس. ولكنه كان من المجاهدين الذين يضيقون ذرعا بالنظر الفلسفي الأكاديمي المجرد، وظل على ولائه لحركة الإخوان المسلمين التي أنشأها صاحب التربية الجماهيرية الساذجة نضر الله وجهه وبوأه من الجنة غرفا، وجزاه عن المسلمين صالحة ويعلم الله والناس أن تربية الإخوان المسلمين في مصر استطاعت بما صاغت من مواقف وشخصيات أن تعيد للإسلام نضرته وشبابه ورونقه وماءه، وأن تنفض عنه ركام السنين، وأن تنفي عنه تصورات الدجاجلة الأقزام الذين يظنون بأنفسهم الظنون، وكان سيد وإخوانه ورفاق دربه ثمرة طيبة مباركة لتلك التربية الربانية الكريمة، ومن نتاج هذه التربية أن عامة الإخوان وجمهورهم استطاعوا بتوفيق من الله وإحسان أن يثبتوا للمحنة وأن يتجاوزوها وما زادتهم إلا إيمانا وصلابة، وقوة وعزيمة.

أما قولة حسن «ثم انفتحت الحركة الإسلامية السودانية «الصفوية» على الجمهور بعد أن أسست قاعدة من القيادة ومن أول يوم انفتحت فيه على المجتمع تمرست في التفاعل معه ولا يمكن للمجتمع أبدا أن يؤثر في تلك العناصر التي تكونت هذا التكوين الدقيق وتهيأت للتفاعل مع ذلك المجتمع..» فدعوى تحتاج إلى برهان وزعم يحتاج إلى دليل والإخوان في السودان يدركون ما في هذا القول من شطط وغلو ومبالغة وهذا التنظيم الذي كان صفويا فانفتح أصبح قادته يتكالبون على ما يتكالب عليه الناس من زاد ومتاع ولا تكاد ترى منهم شخصية متميزة، أو منهجا متفردا، أو سلوكا دالا على صاحبه المصقول الموصول بأسباب الخالق عز وجل وإنما هي شهوة المال، وعبادة السلطان والاحتفال بالمظاهر والقشور، وكفى.

الرابط المختصر :