; أوقفوا المذابح في البوسنة والهرسك | مجلة المجتمع

العنوان أوقفوا المذابح في البوسنة والهرسك

الكاتب ابتهال قدور

تاريخ النشر الثلاثاء 04-أغسطس-1992

مشاهدات 74

نشر في العدد 1010

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 04-أغسطس-1992

الرأس المسلم بثلاثمائة مارك!

والذي يدفع هو حكومة بلغراد.. ولكن من وراء حكومة بلغراد؟ من وراء الجيش؟

في هذا المقال نقطة مهمة جدًّا تتحول بمجرى الأمور إلى اتجاه مغاير لما هي عليه اليوم، على الأقل إعلاميًّا.

إنها مقولة لكاهن، سبقت المجزرة الدائرة حاليًّا في البوسنة والهرسك بفترة قصيرة.. أتكون الصليبية وراء تحقيق «صربيا الكبرى» كما كانت اليهودية وراء تحقيق «إسرائيل الكبرى» والضحايا هنا وهناك من المسلمون دائمًا؟

وكيف تطلق كلمة «حرب» على ما يدور في سراييفو بينما للحرب قواعد غير متوافرة؟!

وكيف يطلق على العصابة المحاربة مصطلح «ميليشيات» بينما هي في الحقيقة جيش منظم خاضع للحكومة؟ وهناك فرق.

مثل هذه المصطلحات تغير ملامح الواقع، وتدفن الحقائق، والكلمة مسؤولية.. الكلمة إن لم تكن صادقة في معانيها، ومدلولاتها، وأهدافها كانت صورة من صور الخداع، والدقة في التعبير ضرورة ملحة خاصة حين يكون هذا التعبير هو أساس الحكم على وضع من الأوضاع أو حالة من الحالات.

هنا بعض الحقائق المنصفة، مثل هذه الحقيقة التي نقلها هذا الصحفي الفرنسي عن المذابح في البوسنة والهرسك.

المترجمة

كانت الرحلة إلى سراييفو شاقة، ممطرة، وكان من الصعب التمييز بين بريق الرعد وشعاع الرصاص المنطلق في الهواء، ومع ذلك فقد توقفنا عند ست نقاط للتفتيش قبل أن نصل إلى معسكر ظننته في البداية تابعًا للأمم المتحدة، إلا أنه لم يكن سوى معسكر تابع للقوات الصربية تحتجز فيه الجنود القادمين من فرنسا لأداء مهام إنسانية.. فكانت هذه أولى الصور التي أعطتنا فكرة مبدئية عن مأساة سراييفو.

كثيرًا ما تضاربت الأقوال فيما إذا كان المحاصرون عبارة عن ميليشيات متفرقة، أم أنهم جنود منظمون! إلا أننا بعد مراقبتنا للوضع عن كثب ولمدة كافية تأكدنا من أن المحاصرين هم في الحقيقة جنود منظمون من قبل ضباط نظاميين تابعين لجيش تنظمه حكومة بلغراد نفسها، وهذا وإن كان مخالفًا لإشاعات بلغراد إلا أنه الحقيقة!

أحكمت العصابة حصار سراييفو من جميع جوانبها ليتمكنوا من قصفها في جميع الاتجاهات، فالمعركة ليست معركة عصرية وإن كانت الأسلحة كذلك، إنما هي مدينة وضعت داخل سور ملغم، أو بالأحرى داخل فخ لن يخرج منه أحد.

أوهمنا الصرب بكل وقاحة أن البوسنة يهاجمون بأسلحتهم ونصحونا بالبقاء بعيدًا عن سراييفو إلا أننا سرعان ما اكتشفنا كذب ادعاءاتهم، فالبوسنة شعب أعزل إلا بعض الأفراد الذين يملكون بندقيات قديمة معظمها بدون رصاص؛ لذلك أدركنا أنه لا تكافؤ أبدًا، فبينما تقتضي الحرب وجود جيشين متواجهين لا يوجد في سراييفو سوى جيش واحد يحاصرها مما يجعلها في الواقع مذبحة وليست حربًا!

ماذا يفعل الوحوش؟!

تعج مداخل المدينة بنقاط تفتيشية تسيطر عليها الميليشيات المحلية التي يزيد من بشاعة أفرادها مزاجهم العصبي وطبعهم الحاد، أما المدينة فلا طعام فيها ولا شراب.. جثث ملقاة هنا وهناك، أبنية نصف مهدمة، انفجارات متواصلة بلا هدف، شوارع خالية إلا من بعض الكلاب الجائعة، تحولت المدينة الجميلة إلى منطقة مخصصة للصيد ولكنه صيد من نوع آخر، إنه صيد بشري..

حادثة جمدت الدماء في عروقنا هي رؤيتنا لعائلة كاملة مكونة من رجل وامرأة وطفل وشيخ عجوز، ضاقوا ذرعًا بالمخبأ الذي كانوا يلجؤون إليه تحت الأرض، دفعهم الجوع والعطش، والحاجة إلى تنسم هواء طلق إلى الخروج للحظات، إلا أنهم سرعان ما سقطوا الواحد تلو الآخر برصاصات متربصة.. كأن المجرمين يصطادون أرانب!

*  حكومة صربيا تدفع ثلاثمائة مارك لكل جندي صربي يقتل مسلمًا في البوسنة والهرسك

حفنة من قتلة في الظلام، حثالة مجهولة، تضع مدينة كاملة تحت نيران مدافعها، ثم يتقاضى أفرادها (300 مارك) عن كل رأس مسلم.. أشياء تحدث هنا لم نقرأ أو نسمع عن مثيل لها في هذا العصر.

والحقيقة التي لابد من تصديقها هي أن الصرب ليسوا سوى عبارة عن إرهابيين لا يحاصرون المدينة ولكنهم يمسكونها رهينة.. نعم مدينة كاملة تمسكها عصابة كرهينة!

مسؤولون مسلمون يؤكدون: «إن النواحي العرقية لم تكن تحتل مساحة في أنفس سكان المدينة التي استوعبت منذ القدم مختلف الأجناس والأديان، وما يحدث حاليًّا لا يعبر عن رغبة جميع الصرب فالكثير منهم يرفض هذه الجريمة بشدة».

لذلك يجب إيقاف أقلية تنادي برغبة مجنونة في تحقيق صربيا الكبرى ليست سوى جماعة إرهابية عنصرية يتزعمها أحد ألد أعداء الديمقراطية، شيوعي يعمل على إعادة عهد «ستالين».

دعوة صليبية من أصلها!

أما في زيارتي للعديد من المدن هناك فلم أرَ إلا مدنًا ميتة، فقدت جمالها، وحياتها التي كانت تستمدها من كونها حلقة التقاء الأجناس والأديان، وذكرت يوم زرتها قبل فترة مع أحد المسلمين الذي عبر لي عن المخاوف التي يسببها لهم موقف بلغراد المتصلب، وفي «باك» التي يحلو للصرب اعتبارها مهدهم الروحي استمعت باشمئزاز إلى أحد الكهنة الذي كان يقع تحت سيطرة فكرة خبيثة وهي: «أن 90% من الألبان المقيمين في الجمهورية لم يعودوا أقليات». من هنا كانت بداية الأهداف السوداء القاتلة، ولم أشعر ببشاعة ذلك القول إلا اليوم وأنا أمر في نفس المكان الذي حولته الوحشية إلى ضحية للعنصرية حيث زرعته بالقبور، ووجوه الأطفال المفزعة، ثم نشرت رائحة الجريمة في كل مكان.

هناك أخبار تقول إن الرئيسين «توجمان» و«ميلوسيفيك» قد اتفقا مسبقًا على مستقبل البوسنة، فهل يمكن أن يكون أبطال صربيا الكبرى قد اتفقوا مع أبطال كرواتيا الكبرى على اقتسام المنطقة المستعصية؟ ليس بعيدًا! ولكن الأكيد هو أن مقاومي البوسنة هم الوحيدون داخل الدوامة الذين يتمسكون بثقافة جميلة ومتحضرة، بعيدة عن العنصرية والعداءات.

نداء الرئيس

آخر المطاف كانت زيارتي للرئيس «علي عزت بيجوفتشي».. كان متعبًا متضايقًا، حملني رسالة للرئيس ميتران يقول له فيها: «اقتربنا من النهاية، لم يعد لدينا طعام ولا شراب ولا سلاح، سنموت حتى آخر واحد، 300000 شخص ليس لديهم خيار سوى الموت، والأمر لا يتعدى عدة مدفعيات وحفنة من مجرمين، فكيف تسمحون لهم بالسيطرة على مدينة كاملة؟ الأمر لا يتطلب منكم حربًا عالمية، إن هي إلا حركة بسيطة لن تكلفكم الكثير».

أوروبا لن تُبنى على رماد سراييفو، ولن تستطيع أوروبا أن تتحدث عن السلام إذا قبلنا بصمت سقوط مدينة هي رمز للقارة كلها.. ولن نستطيع التهليل لماستريخت إذا قبلنا التراجع الخطير الذي سيمثله انهيار العاصمة البوسنية.

نُذكّر بحق التدخل ونسأل إن كان له معنى أمام كل الجرائم البربرية أم أمام بعضها فقط؟

لابد من تلبية نداء الرئيس المسلم من أجل إنقاذ مدينة تهمنا على الأقل بالقدر الذي يهمنا به البترول.. وإلا فسيحمل العالم إلى الأبد وصمة عارنا.

الرابط المختصر :