العنوان إفريقيا الغربية.. أجراس الخطر تقرع بانتظار الواجب العربي
الكاتب أبو بكر كارتا
تاريخ النشر الثلاثاء 14-نوفمبر-1989
مشاهدات 98
نشر في العدد 941
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 14-نوفمبر-1989
دخل الإسلام إلى
منطقة غرب أفريقيا منذ العصور الذهبية للمسلمين، فقد كان لجهاد «المرابطين» في
المغرب العربي، وأخلاق التجار المسلمين الأوائل الذين دخلوا أفريقيا الدور الكبير
في انتشار الإسلام في تلك المناطق بمعاملاتهم الطيبة وأخلاقهم الفاضلة، وكانت
جمهورية مالي في غرب أفريقيا أهم منفذ للإسلام إلى دول المنطقة الأخرى كالسنغال،
وغينيا، والنيجر، ونيجريا، وغيرها.
فقد ازدهرت
التجارة بين سكان شمال الصحراء الكبرى وسكان جنوبها في أفريقيا السوداء عبر الطرق
التجارية الممتدة من المغرب والجزائر إلى تمبكتو وغاوو في مالي، وازدهر الإسلام في
المنطقة بفضل ذلك الاتصال الاقتصادي البناء، القائم على الثقة المتبادلة والأخلاق
الفاضلة.
فالمسلم العربي
الذي كان يعبر الصحراء بتجارته إلى الدول الأفريقية كان ذا سلوك طيب، وأخلاق
حميدة، وكان القدوة الحسنة لكل من يقابله أو يتاجره أو يعايشه في حله وترحاله،
وكان الأفريقي الذي يستقبل هذا العربي المسلم نقي الفطرة، صافي السريرة، سريع
الإدراك، وسريع التلقي لكل ما يراه ملائمًا لطبيعته الهادئة وروح العدالة التي كان
يحرص دائمًا عليها.
وقد وجد
الأفريقي ضالته في الإسلام تمسك به، وتعلمه، وعلمه لمن حوله، فانتشرت الثقافة
الإسلامية بالمنطقة، وأصبحت مدينة تمبكتو في عصر من العصور قبلة العلوم الإسلامية
في الغرب يضاهي الأزهر في المشرق العربي، والزيتونية في المغرب العربي، وكان إعلام
تمبكتو ينتدبون للتعليم في الجامعات الإسلامية في كل من تونس والمغرب، مثل أحمد
بابا وغيره من كبار العلماء في ذلك العصر، والذين تركوا عشرات المخطوطات العربية
الإسلامية، وساهموا بجهد كبير في نشر الإسلام إلى بقية دول المنطقة.
النشاط
الإسلامي اليوم
لقد تناقلت
الأجيال المسلمة في مالي وغيرها من دول المنطقة أمانة نقل الإسلام وصونه إلى
الأجيال المتعاقبة، وكانت الكتاتيب والمخلاوي القرآنية والمساجد أهم المنابع التي
ظلت الأجيال المتتالية تنهل منها مبادئ الإسلام وتعاليمه السمحة، وتنشرها إلى بقاع
أخرى في المنطقة، إلى أن أصبح أكثر دول غرب أفريقيا اليوم ذات أغلبية مسلمة؛ حيث
تتراوح نسبة المسلمين اليوم في كل من مالي، والنيجر، والسنغال، وغينيا ما بين
(90-95%) رغم كل المحاولات اليائسة التي قام بها الاستعمار الغربي، وربيبته
الكنيسة العالمية لإبعاد المسلمين عن دينهم وتنصيرهم، أو تركهم فرائس سانحة
للتيارات المنحرفة والأيديولوجيات المستوردة.
ما
بعد الاستعمار
وفي عصور ما بعد
الاستعمار، انتشرت المدارس العربية الإسلامية المنتظمة والعصرية في مالي وغيرها من
البلدان المجاورة، وبدأ التكامل العربي الأفريقي الإسلامي يزدهر من جديد، وكان من
ثمار ذلك أن أتيحت الفرصة أمام الألوف من أبناء المسلمين في تلك المناطق لإكمال
دراساتهم العربية والإسلامية في جامعات إسلامية وعربية في العالم العربي؛ ليتخرجوا
بمؤهلات علمية راقية، ويعودوا إلى بلادهم ليقودوا زمام العمل الإسلامي بجدارة،
ويحاولوا تصحيح بعض الانحرافات التي كانت قد بدأت تعصف بالعقيدة الصحيحة والسلوك
الإسلامي الملتزم، التي كانت -بدون شك- من رواسب العصر الاستعماري الكنسي الحاقد
على الإسلام والمسلمين في كل مكان وزمان.
وعلى أيدي هؤلاء
الخريجين المثقفين ازدادت المدارس الإسلامية الأهلية انتشارًا وازدهارًا، وبدأت
تواصل الدور البناء الذي كانت الكتاتيب والخلاوي القرآنية تقوم به في المنطقة، كما
طور هؤلاء الخريجون النشاط الإسلامي بإنشاء الجمعيات الإسلامية الهادفة التي تقوم
بدور الإرشاد والتربية والتعليم والتوعية الإسلامية في صفوف شعوب المنطقة، وفي
مالي، والنيجر، والسنغال، وساحل العاج أصبح لهؤلاء الشباب المسلم المثقف دور محمود
في الإعلام الرسمي ووسائله المسموعة منها، والمقروءة، والمرئية؛ لتقديم برامج
إسلامية ناجحة في كل من التلفزيون والإذاعة في تلك البلاد بأساليب هادئة وجذابة،
باللغات الرسمية والمحلية المختلفة؛ ما جعل جميع شرائح الشعوب في تلك البلاد
يهتمون بالبرامج الإسلامية التي تذاع في تلك الوسائل، وعلى رأسهم المثقفون ثقافة
غربية استعمارية، وتلك ظاهرة صحية طيبة تسجل لصالح العمل الإسلامي في المنطقة لأول
مرة.
ففي عصور سابقة،
كان هؤلاء المثقفون ثقافة غربية يعتبرون الاستماع إلى الدروس الدينية والمواعظ
التي كانت تلقى أمام المساجد والميادين العامة تخلفًا وجهلًا، أما الآن وقد تطورت
وسائل إلقاء الدروس الإسلامية، واستخدمت في توصيلها الوسائل الإعلامية المعاصرة
المتقدمة باللغات الحية والمحلية المستعملة بالمنقطة، أصبح كبار المسؤولين وكبار
الموظفين والمثقفين يهتمون بتلك الدروس، ويحرصون على سماعها، بل وتسجيلهم وتكرار
سماعها، واقتناء الكتب الإسلامية المترجمة إلى اللغات الرسمية التي تنطق بالمناطق
المختلفة من فرنسية وإنجليزية وغيرهما، حتى رأينا بعض المثقفين الذين لا يعرفون
كلمة واحدة من العربية يتطوعون بإلقاء دروس إسلامية باللغة الفرنسية أو الإنجليزية
في وسائل الإعلام في بلادهم، ويكتبون مقالات إسلامية قيمة في الصحف المحلية بفضل
اطلاعهم على الكتب الإسلامية المترجمة.
ظلال
الصحوة الإسلامية في أفريقيا
هذا، وبعد أن
شملت الصحوة الإسلامية المعاصرة معظم دول العالم الإسلامي وتجمعات الجاليات
الإسلامية في المجتمعات الغربية، كان من الطبيعي أن تلقي هذه الصحوة المباركة
بظلال على ربوع غرب أفريقيا، وخاصة أن الصحوة واكبت التطور الإعلامي والطرح الجيد
للإسلام في تلك المناطق، والذي كان من ثماره أن بدأ أبناء المسلمين بجميع طوائفهم
وانتماءاتهم وطبقاتهم الاجتماعية يتجهون نحو العودة إلى الإسلام عبادة وأسلوب حياة.
وهكذا ظهرت
جماعات إسلامية في السنغال تطالب بذهاب سنغور عن مدة حكم بلد فيه أغلبية مسلمة
ساحقة، وقد تحقق ذلك، وتولى بعده رئيس مسلم، وظهرت كذلك جماعة عباد الرحمن في كل
من السنغال ونيجيريا، وجماعة أهل السُّنة في كثير من دول المنطقة، وجمعيات عديدة
أخرى لها نشاطاتها المنتظمة الهادفة.
وأمام هذه
الجهود المكثفة والصحوة الإسلامية العارمة أصبح كثير من الأسر الإسلامية توجه
أولادها اليوم نحو التعليم العربي الإسلامي، وخاصة بعد أن عمت البطالة معظم خريجي
المعاهد الحكومية الغربية الاتجاه في بلدان المنطقة، فأصبح المسؤول السياسي
والموظف الكبير والعامل البسيط يوجه أولاده إلى التعليم العربي الإسلامي لكي يعرف
دينه على الأقل، وإن لم يجد وظيفة في الحكومة؛ لأن ذلك أقل ضررًا من أن يتعلم
الفرنسية أو الإنجليزية وغيرهما من اللغات الغربية في مدارس علمانية، ويتخرج ولا
يحصل على وظيفة حكومية، ولا يعرف شيئًا من دينه فيصبح خاسرًا في دينه ودنياه.
واجب
العرب نحو أبناء أفريقيا
في ظل هذا
الانقلاب الثقافي الجديد الذي تشهده معظم الدول الأفريقية اليوم، وأمام المد
السريع للصحوة الإسلامية في تلك المناطق بشكل أو بآخر، أصبح على العالم العربي
واجب مضاعف تجاه أبناء القارة في توفير فرص التعليم الثانوي والتطبيقي والجامعي
لهم في الجامعات الإسلامية وغيرها في البلاد العربية، ثم في الجامعات الإسلامية
التي أنشئت حديثًا في بعض البلاد الإسلامية غير العربية، فعدد المقبلين على تعلم
اللغة العربية والعلوم الإسلامية في ازدياد مطرد اليوم، بينما بدأنا نشهد تقلصًا
ملموسًا في فرص التعليم الثانوي والجامعي المتاحة أمام هذا الجيل الأفريقي الجديد،
الذي أصبح همه الوحيد هو أن يجد معهدًا ثانويًا يكمل فيه دراسته الثانوية، أو
جامعة يكمل فيها دراسته الجامعية؛ لأن إمكانيات المدارس العربية التي يتلقون فيها
التعليم الابتدائي والإعدادي ضئيلة جدًا، لا تقوى على إنشاء معاهد ثانوية أو
جامعات عربية، وتزويدها بما يجب من الأساتذة والمدرسين.
إن ظاهرة تقليص
المنح الدراسية في العالم العربي أمام أبناء المسلمين غير الناطقين بالعربية لهي
أمر خطير ومؤامرة خطيرة، يدبرها أعداء المسلمين والعرب لضرب روح الإقبال الشديد
على تلقي الثقافة العربية الإسلامية التي يتمتع بها اليوم الجيل الجديد من أبناء
الصحوة الإسلامية في أفريقيا وآسيا.
أجراس
الخطر
ولذا، أدق أجراس
الخطر، وأهيب بالحكومات العربية والإسلامية والهيئات والمنظمات والجمعيات الخيرية
الإسلامية أن تجعل من أوائل أولوياتها توفير المنح الدراسية الكفيلة لاستيعاب هذا
العدد الكبير المتنامي بشكل مطرد من طلاب العلم باللسان العربي، ومن خلال الثقافة
العربية الإسلامية؛ لأن هذه الجهات التي أهيب بها إذا ما تأخرت أو تماطلت في
استيعاب هذا الجيل الطيب في معاهدها وجامعاتها، فإن مصير هؤلاء الشباب سيكون
غامضًا، وقد تمتد إليهم يد التغريب أو التنصير لتجنيدهم ضد دينهم وضد العربية
والعرب، وقد بدأ هذا بالفعل؛ حيث إن المنظمات التبشيرية بدأت منذ سنوات توفر المنح
الدراسية لأبناء المسلمين لتلقي دراساتهم في الغرب تمهيدًا لتنصيرهم وتقريبهم، وقد
بلغ الأمر ببعض الطلاب الذين قصدوا بلادًا عربية لطلب المنح، ويئسوا من الحصول عليها
أن توجهوا ليس إلى دول غربية، بل إلى دولة ما يسمى بـ«إسرائيل»؛ حيث رحب بهم
الصهاينة، ووفروا لهم فرصًا للتعليم، أو فرصًا للعمل، ولا شك أن أولئك الشباب سيتم
تصنيعهم، وتصديرهم إلينا وقد أصبحوا ألد أعداء الدين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل