العنوان يقظة في رجل.. وأمة في عزيمة
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 16-فبراير-1999
مشاهدات 57
نشر في العدد 1338
نشر في الصفحة 47
الثلاثاء 16-فبراير-1999
ما كنت أظن أن أمة تجمع في رجل، وما كنت أحسب أن بلاغة لغة، وفصاحة أمة، وبيان عصور، يوضع في لسان، وما كنت أتخيل أن تراث رسالة وعلم ديانة، وشمول حضارة ومناهج دعوة تسكن في عقل، وما كنت أتوقع أن إرادة أجيال، وأمال شعوب، وتطلعات أمم تحل في عزيمة، وما كنت أصدق أن إيمان الصديقين وإخلاص الربانيين وثبات المجاهدين، واحتساب الشاهدين، وصبر الداعين يجتمع في قلب بشر وفكره ونفسه، ويملك عليه شعوره وكيانه، حتى رأيت الشيخ حسن البنا رحمه الله.
أمثال هؤلاء الرجال قلة في التاريخ الإنساني على امتداده، وندرة في الزمان المتطاول على اتساعه يهبون حياتهم لفكرتهم وأمتهم، محتسبين ذلك عند الله تعالى، علماء حكماء يحيون بكتاب الله تعالى الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، وكم يكون حجم الفاجعة، وعظم المصيبة في أمة تقتل أمثال هؤلاء، وتزهق أرواحهم، وترد دعوتهم، وتنفض عنهم وهي عليلة تحتاج إلى الدواء، وضالة تحتاج إلى الناصح، وتائهة تعمى عن الطريق، وكم كان عجبي حين أقرا لهؤلاء الرواد فأجدهم يعرف نون الطريق، ويتوقعون ما تحمله العواصف الهوج من رياح النحس، ولكنه طريق الرجال ودروب أصحاب الدعوات.
يقول الإمام البنا - رحمه الله - لإخوانه أيها الإخوة أحب أن أصارحكم أن دعوتكم لا زالت مجهولة عند كثير من الناس، ويوم يعرفونها ويدركون مراميها وأهدافها، ستلقى منهم خصومة شديدة، وعداوة قاسية، وستجدون أمامكم كثيراً من المشقات وسيعترضكم كثير من العقبات، وفي هذا الوقت وحده تكونون قد بدأتم تسلكون سبيل أصحاب الدعوات، أما الآن فلا زلتم مجهولين ولا زلتم تمهدون للدعوة تستعدون لما تتطلبه من كفاح وجهاد، وسيقف جهل الشعب بحقيقة الإسلام عقبة في طريقكم وستجدون من أهل التدين ومن العلماء الرسميين من يستغرب فهمكم للإسلام وينكر عليكم جهادكم في سبيله، وسيحقد عليكم الرؤساء والزعماء وذوو الجاه والسلطان، وستقف في وجهكم كل الحكومات على السواء، وستحاول كل حكومة أن تحد من نشاطكم وأن تضع العراقيل في طريقكم.
وسيتذرع الغاصبون بكل طريق لمناهضتكم وإطفاء نور دعوتكم وسيستعينون في ذلك بالحكومات الضعيفة، والأخلاق الضعيفة، والأيدي الممتدة إليهم بالسؤال، وإليكم بالإساءة والعدوان وسيثير الجميع حول دعوتكم غبار الشبهات، وظلم الاتهامات، وسيحاولون أن يلصقوا بها كل نقيصة، وأن يظهروها للناس في أبشع صورة معتمدين على قوتهم وسلطانهم، ومعتدين بأموالهم ونفوذهم: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (الصف: 8).
وستدخلون بذلك ولا شَكَّ في دور التجربة والامتحان، فتسجنون وتعتقلون، وتنقلون وتشردون، وتصادر مصالحكم، وتعطل أعمالكم وتفتش بيوتكم، وقد يطول بكم مدى هذا الامتحان :﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ (العنكبوت: 2) ولكن الله وعدكم من بعد ذلك كله نصرة المجاهدين، ومثوبة العاملين المحسنين :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (الصف: 10). فهل أنتم مصرون على أن تكونوا أنصار الله؟. ثم يقول - رحمه الله - في آخر مقال له كتبه قبل استشهاده أوَّل ديسمبر ١٩٤٨ م: أيها الأخوة، قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (الأنبياء: 35).
وهل تنضج الموهبة ويصفو الجوهر النقي الحر إلا بين المنحة والمحنة؟ وتلك سنة الله تبارك وتعالى في تنشئة الأفراد، وتربية الأمم، وسبيل أصحاب الدعوات ممن اصطنع لنفسه من عباده وصنع على عينه من خلقه، ليكونوا أئمة يهدون بأمره )وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً( (الأنبياء: 35)
والأمة الإسلامية اليوم بين منحة ومحنة إن فهمت عن الله فيهما، وأدت ما وجب عليها من حقهما، فشكرت النعمة، وثبتت وصبرت على الشدة، وواصلت السير في قوة إلى الغاية، فهي واصلة بإذن الله تبارك وتعالى إلى ما تريد، مهما اعترضها من صعاب، وواجهها من عقبات ونصر الله: قريب: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: 40).
وصدق رسول الله ﷺ القائل: عجبت لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، إن أصابته نعما شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له..
والإخوان المسلمون اليوم وهم الأمة الجديدة القائمة على الحق المهتدية بنور الله، الداعية إلى صراطه المستقيم بين منحة ومحنة.. وعليهم أن يشكروا الله أجزل الشكر على ما أولاهم من نعمته، وأغدق عليهم من فضله ومنته، وأن يصبروا أكمل الصبر على المحنة مهما علا ضجيجها، وأرعد برقها، وعظم هولها، وأجلبت بخيلها ورجلها، وليثقوا بوعود الله تبارك وتعالى لسلفيهم الصالحين من قبل: ﴿وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (آل عمران - 120)، أيها الإخوة، ومع كل هذا تواجهكم محنة القول الزائف، فتبلغ قلوب المنافقين الحناجر، ويظن الكثير من المتربصين بالله الظنون وتقول طائفة كما قال أسلافها من قبل: ﴿وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا ۚ﴾ (الأحزاب: ۱۳)، ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ (الأحزاب: 12)، وانتم خلال ذلك كله، تسيرون في ركاب نبيكم والمؤمنين معه ووتهتفون بندائهم: ﴿هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ۚ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ (الأحزاب: 22).
يا أيها الإخوان المسلمون: ستكشف الغمة، وتزول المحنة إن شاء الله، وتخرجون من البلاء خروجاً اسبق من الجلاء، أنقياء اتقياء، والله تبارك وتعالى يربيكم بالمنحة والمحنة: ﴿سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ ۖ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ (غافر: 85) ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (ال عمران: 200).
والله أكبر ولله الحمد
من كانون أول/ ديسمبر ١٩٤٨م. صحيفة الإخوان المسلمون اليومية.
وبعد أقول ويقول معي التاريخ: إن تاريخ يظل يشع في أرجاء الرجال العظام لا يمس، بل الأمة، ويعمل عمله حتى يأتي الله بالفتح أو أمر من عنده بالنصر، عندئذ سينكشف الغطاء ويظهر الخبيث من الطيب ويفرح المؤمنون بنصر الله. نسأل الله الهداية والتوفيق أمين..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل