العنوان إيران ومحاولات بسط النفوذ في أفغانستان
الكاتب عز الدين نصروي
تاريخ النشر الأحد 10-مايو-1992
مشاهدات 75
نشر في العدد 1000
نشر في الصفحة 20
الأحد 10-مايو-1992
· اعتراف إيران بالمجلس الانتقالي الحاكم في أفغانستان جاء نتيجة
لزيارة رئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف لكابل
بعد انهيار النظام الأفغاني في كابل وإطباق المجاهدين
على العاصمة الأفغانية تباينت ردود الفعل العالمية والإسلامية، وكان من أبرز الدول
التي توجهت لها الأنظار إيران وذلك لخصوصية الجوار لأفغانستان، وباعتبارها تمثل
بلدًا إسلاميًا يختلف مذهبيًا عن الدولة الوليدة. وفي الحقيقة فإن الحكومة
الإيرانية قد سعت لدعم مبادرة الأمم المتحدة قبل سقوط نظام نجيب الله والتي رفضتها
أحزاب الجهاد الأفغاني المعنية في بيشاور، وقبلها حزب الوحدة الإسلامية الأفغاني
والذي يضم فصائل الشيعة في إيران، وإثر سقوط نظام نجيب الله وإطباق المجاهدين على
كابل سعت إيران لدعم نقل السلطة إلى المجاهدين ضاغطة بكل الأساليب من أجل أن يكون
للشيعة وجود وثقل في الحكومة القادمة، لذلك أبدت تحفظها على المجلس الانتقالي بادئ
الأمر في حين رفض حزب الوحدة هذا التشكيل ثم ما لبثت الخارجية الإيرانية أن أعلنت
اعتراف إیران بالمجلس الانتقالي طبقًا لحسابات معينة وسنعرض لها.
بين ثورتين
قبل سقوط نظام نجيب الله كان النموذج الإيراني في
الثورة نموذجًا متفردًا في هذا الزمان، وكان الإيرانيون يقدمون هذا النموذج على
أنه النموذج الأمثل، وعلى أن إرادة التحرر المبنية على الإسلام قادرة على تغيير
الواقع، وكان هو بلا شك مصدر فخر وتميز لدى القيادة الإيرانية، إلا أنه وبعد نجاح
المجاهدين الأفغان بإسقاط نظام كابل بدا واضحًا أن الصورة الإيرانية ليست الفريدة
أو المثلى فإذا نجح الإيرانيون في إسقاط الشاه فإن المجاهدين قد هزموا الاتحاد
السوفيتي وأسقطوا صورته وهيبته وأطاحوا بصنيعته نجيب الله، وإذا كان الشعب
الإيراني قد خاض جهادًا ضد الشاه وقدم ضحايا وشهداء وقاد الثورة علماؤه فإن
الأفغان لا يقلون عنهم إذ خاضوا جهادًا مريرًا وقدموا مليونًا ونصف مليون شهيد
وخمسة ملايين مهاجر وقاد جهاده علماء وقادة في آن واحد يبقى الفرق أن الثورة
الإيرانية تمثل ثورة شيعية، والأفغانية مهما قيل تبقى ثورة سنية ولهذا الأمر
حساباته. فأفغانستان تجاور الجمهوريات الإسلامية من الاتحاد السوفيتي سابقًا كما
إیران ولها فيها مصالح رغم كونها تمثل أغلبية سنية. كما أنها تشكل مع باكستان
محورًا سنيًا. لذلك وليكون لإيران فضل في الموازنة التي تبدو واضحة لدى القيادة
الإيرانية فقد سارعت إلى تقديم إعانات طبية وغذائية للشعب الأفغاني داخل أفغانستان
عبر علاقاتها بحزب الوحدة كما أكدت مرارًا على دورها في استضافة اللاجئين ودعم
المجاهدين في حين لم يكن هناك من يقدم الدعم للثورة الإيرانية.
مجلس الأمن القومي
ورغم أن مجلس الأمن القومي الإيراني قد انعقد فور
انهيار النظام الأفغاني برئاسة رئيس الجمهورية ولم يصدر عنه سوى الدعوة للوحدة بين
المجاهدين وإعطاء كل طائفة وعرق حقه في السلطة أو أن كل الأفغان قد قدموا وضحوا.
ويبدو أن المجلس قد اعتمد التحرك في أفغانستان عبر الورقة العرقية، إذ إن التحرك
عبر الورقة الطائفية قد لا يحقق الأهداف المرجوة فضلًا على أنه قد ينقلب سلبًا على
علاقات إيران، فرغم أن الشيعة يشكلون حسب مصادر حزب الوحدة 20-25% من الشعب
الأفغاني «وحسب مصادر الأمم المتحدة والإحصاءات الرسمية 8% فقط من السكان» إلا أن
مساهمتهم في الجهاد الأفغاني لم تكن بمستوى هذه النسبة أو حتى أجزاء منها، عدا أنه
بعد تشكيل المجلس الانتقالي للمجاهدين بدا واضحًا أن اللعب بالورقة الطائفية لن
يحقق نجاحًا على مستوى أفغانستان، فضلًا عن أنه قد يثير حفيظة المسلمين السنة في
جمهوريات آسيا الوسطى والذين ترتبط بهم إيران بمصالح حيوية.
الورقة العرقية
إذن فقد اعتمد مجلس الأمن القومي التحرك بالورقة
العرقية فتركيبة أفغانستان حسب بعض الإحصاءات تمثل 40% من الباتان و60% من أعراق
ترجع إلى العرق الفارسي سواء كانوا شيعة أو سنة، وهذا يفسر الهجوم الشرس الذي شنته
وتشنه وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية على قلب الدين حكمتيار «باتاني العرق» في
حين تعلن قبولها لرباني أو مسعود «تاجيك-عرق فارسي» وفي ظل هذا التناحر العرقي بين
عرق الباتان الذي حكم أفغانستان على مر العصور والأعراق الأخرى التي تريد أن يكون
لها دورها في الحكم يمكن لإيران أن تكون صاحبة يد في أفغانستان، علاوة على ذلك فإن
هذا الأمر يضمن لها علاقات جيدة مع مسلمي الجمهوريات الآسيوية الوسطى بعيدًا عن
المذهبية بل قد تكون العرقية مدخلًا جيدًا لبعض الجمهوريات كطاجكستان مثلًا، ورغم
اعتماد مجلس الأمن القومي لهذا المبدأ إلا أن إيران أخرت اعترافها بالمجلس
الانتقالي للمجاهدين على أمل أن يبقى الباب مفتوحًا لاستيعاب أي متغيرات قد تنشأ
عن الصراع العراقي حول السيادة في كابل إلى أن جاء هذا الاعتراف يوم السبت 2/5/92.
الاعتراف بالمجلس
الانتقالي
من الواضح أن الاعتراف الذي أعلن يوم السبت 2/5/92 لم
يكن مخططًا له ليكون في هذا الموعد ولم يكن مجلس الأمن القومي قد اعتمد الاعتراف
بالمجلس الانتقالي اعتمادًا على المعطيات أعلاه، غير أن العارفين بالسياسة
الإيرانية يرون أن الاعتراف جاء كنتيجة مباشرة لزيارة رئيس الوزراء الباكستاني
نواز شريف يرافقه رئيس الأركان العامة للجيش إلى كابل إضافة إلى الأمير تركي
الفيصل ممثلًا للمملكة العربية السعودية، الأمر الذي أثار حفيظة الإيرانيين على
اعتباره بعدًا سنيًا في الدولة الجديدة، وعليه فقد أعلنت الخارجية الإيرانية في بيان
لها الاعتراف الإيراني بالحكومة الجديدة للمجاهدين رغم تحفظها على تركيبة المجلس
الانتقالي في البيان ذاته، إضافة إلى دعوتها إلى ضرورة العلاقات المتوازنة للدولة
الوليدة، وخاصة مع دول الجوار عبر تصريحات بعض المسؤولين فيها، ولعل أبرز إشارة
إلى هذا الأمر ما ورد في خطاب آية الله الخامنئي الذي وجهه يوم الأحد 3/5/92
بمناسبة انتصار الثورة الإسلامية في أفغانستان والذي أكد فيه على ضرورة الحذر من
ألاعيب السياسة الأميركية والتدخل الأجنبي في أفغانستان والحذر من ألاعيب الشيطان
الأكبر الذي لن يرضى بقيام حكومة إسلامية إضافة إلى دعوته لإعطاء كل الطوائف
والأعراق دورها في بناء أفغانستان مشددًا على ضرورة أن يكون النظام الجديد نظامًا
إسلاميًا وإلا فإن دماء وتضحيات شهداء أفغانستان ستكون سدى على حد قوله. وخلاصة
الأمر فإن الحكومة هنا ورغم انشغالها بدورة الانتخابات الثانية لمجلس الشورى إلا
أنها تراقب عن كثب وباهتمام كبير غطى على الأوضاع الداخلية الأوضاع في أفغانستان
محاولة فرض نفوذ قوي لها يحقق لها مصالحها في الدولة المجاورة الوليدة.