; إحيَاء فقه الدَعوة.. آفَاق الهمم السَاميَة | مجلة المجتمع

العنوان إحيَاء فقه الدَعوة.. آفَاق الهمم السَاميَة

الكاتب محمد أحمد الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 15-ديسمبر-1987

مشاهدات 73

نشر في العدد 847

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 15-ديسمبر-1987

 

·        على الدعاة أن يتخلقوا بخلق العفو لأن الصدود يجعل القلب قلقًا مضطربًا

إن المفهوم الإيجابي للسكينة الإيمانية الضرورية لفهم تجارب العمل الحركي لا يسمح لأحد بأن يهبط بمستواها ومعناها إلى نوع من الانعزالية والركود يكسوهما بغلاف من نوافل الصلاة وخلوات التفكر، فإن ذلك نمط سلبي مفضول.. إن لم يكن مبتدعًا.

سكينتنا أرفع وألصق بحركات الحياة ولها نبضات لا تتيح ارتخاء، بله الجمود، وحقيقتها: طمأنينة تغمر القلب وتحتله، بعد صراع داخلي فيه، تغلب به القناعة وشدة التصديق ما هنالك من هواجس تشكك في الغيب الذي بلغنا به الوحي، فيدفع الجوارح وكل البدن إلى بذل الجهد في تنفيذ فرائض العبادة، وأعمال الفضائل، والنهي عن منكر الظالمين، وقتال الكافرين، في غير ما وجل ولا حرص على ملذات العيش، توكلًا، ونظًرا إلى ثواب آجل.

ولهذا فإنك تجد الأبدان في الحركات دائبة، وتحتها القلوب وادعة ساكنة.

انتصار المؤمن المُراغِم

وتبدأ مسيرة الداعية لاكتساب هذه السكينة الإيمانية القلبية بصراع مع الشيطان متواصل، معاندة له، وعصيانًا لتزيينه، وإزاحة لتسلطه، حتى يجليه عن مواضع ستة يحتلها.

وتسمى هذه بمعركة المراغمة، قد كشف ابن القيم طبيعتها، ووضع خارطة موقعها، وبين المدارج التي يسلكها المؤمن لنيل النصر فيها على هذا العدو الذي يجري منه مجرى الدم.

وفي أول تماس في هذه المعركة الأبدية يحاول الشيطان أن يستغل عنصر المفاجأة، فيوقع في القلب شبهات الكفر الكامل، ويصرع بذلك أكثر البشر في كل جيل، إلا أن صرعاه قلائل في أتباع محمد صلى الله عليه وسلم بعد إذ تخالط بشاشة الإيمان القلوب، وهم أقل وأندر في الماشين مع ركب الدعاة، وإن كان ثمة نكوص فإنما يكون بأوهام تصاحب التفلسف، تغري باعتقاد وحدة الوجود، وأمثالها، أن هذا الوجود حقيقة إلهية واحدة، ليس ثم خالق ومخلوق.

فإن لم يظفر الشيطان بالمسلم هنالك: دعاه إلى شبهات من الابتداع، زيادة ونقصًا في الاعتقاد والعمل، والمتورطون في ذلك من الأمة كثيرون، ولا يخلو مجتمع الدعاة من جديد لم يكمل فقهه، أو قديم لم يمحص، ومصاحبة الصحيحين تكفل البراءة، وتجاوز بالداعية، وتقربه نحو النصر.

إلا أن الشيطان طويل الأنفاس، فيقتحم على المسلم مزينًا الكبائر من الشهوات وله في ذلك انتصارات، لكن نمط التربية عند الدعاة جعلهم بحمد الله تعالى في حماية.

إنما صغائر الشهوات هي ساحة الشيطان الرابعة التي تتسع صولاته فيها وما ينجو مسلم ولا يكاد، أما الغافل فيخرج طريحًا مثخنًا بالجراح، وأما الداعية فقائم منافح، غير أنها الخدوش.

فيعرف الشيطان أن عليه ألا يصادم الداعية جباهًا، إذ فيه من صفات الفطنة والذكاء فوق الهمة والحمية ما يتاح له بها التملص إن لم يتقن الطعان، فيجري على خطته التحوير، ويندس له بأسلوب الناصح، يحثه أن يستكثر من مباح لم يختلف الفقهاء في حله لينغمس فيثقل، ويركن فيبرد، ولذلك كانت التربية على معاني التقلل من المباحات الملهية من ضرورات العمل الحركي الإسلامي، فإن الدعاة ثلة مستنفرة أبدًا، متأهبة للجهاد دومًا، ولابد أن تكون سريعة الاستجابة لمتطلبات الظروف، ومن شأن المباح إذا كثر أن يزداد تفكير صاحبه به، ويأنس قلبه له، فيقعده عن نجدة واجبة، أو فرصة سانحة.

ولقد تعلم الدعوات هذا الخطر فترسلها مواعظ ووصايا للدعاة، ولكن المباح يدب دبيبًا خفيًّا.

فإن تملص الداعية وسلَّ نفسه لم يك استعلاؤه على الراحة والرغد كافيًا لحصار الشيطان في زاوية اليأس، بل للشيطان محاولة سادسة، فيكون له التفاف واقتحام من ثغرة أخرى، فينثر ترتيب قائمة الأولويات النسبية، ويعكس القواعد الشرعية في تفاضل الأعمال الإيمانية، ويلهي المؤمن بالمفضول المرجوح، فيقصي من له علم نافع عن جمهور المنتفعين منه، ويشغله بزيادة ركوع وسجود، هما جليلان، لكن التعليم أوجب عليه بعد الفرض منهما، وينقل آخر له وفرة وقوة وبسطة في الجسم والذكاء، وخبرة في السياسة والإدارة، من تفاعله المنتج مع يوميات الخطة الجماعية، ومن صولاته في ساحة الفكر، إلى إشراف على بناء مدرسة أو إغاثة منكوب.

فمن استمسك بالفاضل الراجح، وزهد وأبى تلبية نداء الشهوات ولم تستزله الشبهات، فقد راغم الشيطان أبلغ المراغمة.

ويحكم بيننا الخلق الجميل

لكن تبقى على الداعية بقية لتكمل سكينته: أن يتخلق مع إخوانه الدعاة بخلق العفو والتجاوز، فإن الصدود وإضمار الانتقام وانتظار الرد بالمثل لن تنفك تزيد حرارة القلب حتى تدعه قلقًا مضطربًا.

إن دعوى المراغمة لن تستقيم دون حلم، إذ ما تزال التقوى تدور بين تنفيذ فرض ومندوب يحاول الشيطان تخذيلنا إزاءهما، أو الكف عن حرام ومكروه يستدرجنا الشيطان نحوهما ويفرح إذا زلت أقدامنا إليهما، وللشيطان نشوة عند غيظ يراه من مؤمن أو غضب يعتريه يستتم به عليه ذهول وإغلاق، يحجبانه عن خلق في السماحة والمُثل وينزعان عنه رداء من المهابة قشيبًا.

وفي الالتفاتات الإنسانية المتأملة لأسرار الحياة والعلاقات الاجتماعية نظرات رائعة صادقة، وتتيسر لها في كثير من الأحيان إطلالة على حقائق النفس من زاوية معينة تريك منها إذا صحبتها ما لا ترى مجابهة، حتى ليأسرك جمال ما هنالك أو يخيفك تبعًا لواحدة من حالتين طبعت عليها: ذكاء أو فجور، والمستزيد يرى في مجموع هذه الالتفاتات رصيدًا من الحكمة يشارك في تفسير الوحي، فيحرص عليه.

وما هي بأول الحكمة ولا آخرها، ولكنها لمحة من على ثنية في طريقها، لمحها الخليفة المأمون، فرأى أن «من لم يحمدك على حسن النية: لم يشكرك على جميل الفعال».

وإنما اكتشفت ذلك لما فيه من نبل وافر، إذ هو تربية خلافة، ووارث رشيد، والذي بدر منه من ظلم لأهل الحديث ونصر للبدعة استزلال شيطان لم يجتث الفضل كله، بل أبقى منه بقية.

وأهمية قول المأمون تكمن في أنه يحيلك على ابتداء من النية لا ينبغي إهماله إذا أردت قياس الفعل في النهاية، فإن الفعل الخطأ تشفع له النية الصالحة حتى تثنيك عن الملامة، والفعل الصائب بمقابله واجب عليك شكره، لا يصرفك عن الشكر أنه قدر مقضي، فإن صاحبه قد امتحن قلبه بنيتين، فاختار الطيبة دون السوء.

فالأظهر -من قوله- أنها همسة لك خفية، لكنها قوية، أرادك بها إذ أنكر على غيرك ونصحك ظالمًا في صورة مظلوم، وجاحدًا في هيئة واهب.

بشاشة المهدي

لكن هذا ليس أكثر من العدل وما يقتضيه الإنصاف، وفوقه منزلة في الفضل أسمى: أن يكون تقويم النكوب بإقبال، وأن يبذل الإحسان ردًّا على العدوان.

وما يذوق أحد للحياة من حلاوة، ولا يرى لها من زينة، إلا يوم يوجد هذا الباذل فيملؤها حبًّا كما ملئت عبوسًا.

وذهب المأمون في ذلك مذهبًا نادرًا، ففضل صحبة مثل هذا على مكث في خلافته ليس في الدنيا في عصره أعز منها، وشهد عليه بذلك نديمه مخارق حين أنشده قول أبي العتاهية:

وإني لمحتاج إلى ظل صاحب      

يروق ويصفو إن كدرت عليه

قال مخارق: «فقال لي: أعد. فأعدت سبع مرات، فقال لي: يا مخارق: خذ مني الخلافة وأعطني هذا الصاحب».

وذلك لأنها اعوجت الحياة يوم ولي المأمون، فتبدلت موازين الخير، من بعد ما كان ثم الصفاء، وبيده حرم نفسه من جمال الحياة، وعلى نفسه جنى وما درى، لمّا جعل المبتدعة وعتاة الشعوبية رؤوسًا وقادة.. ومن مثل خطته عرفنا الذي قلناه آنفًا، حين ربطنا صلاح الحياة بصلاح المجموعة التي تقود.

وكلانا نرثى للمأمون حاله، نحن والسائبون، إلا أن السائب ترهبه حسرة المأمون، فينقلب يائسًا، تائهًا، ونسارع نحن الحركيين إلى إصلاح عرفنا طريقه، هو ممكن وقريب ممن سعى.

لم ينفد جمال الحياة لكنه غُطي وستر بحجاب، سترته أخلاق الحكام المنحرفين، ويوم يزولون ينجلي الغبار، فيشع بهاء من المحبة أصيل، جوهرته مركوزة في فطرة الناس، أكثر الناس.

وذاك توغل حقًّا، وإسراء إلى الأقاصي، يتدرب الدعاة عليهما منذ البداية، فما تدري إذ تسمع نغمتهم وطربهم: أأنفسهم يعظون وبينهم يتواصلون؟ أم صاحبهم يلقنون وله يقولون:

سامح أخاك إذا خلط        منه الإصابة بالغلط

وتجاف عن تعنيفه         إن زاغ يومًا أو قسط

واعلم بأنك إن طلبت       مهذبًا رمت الشطط

من ذا الذي ما ساء قط    ومن له الحسنى فقط؟

لا أحد، لا أحد، لا أحد.

وتلك عودة في النهاية من بعد الحكمة إلى هيبة البديهيات الواضحة المكملة لنظرات النبلاء العزيزة، قد تغفل عنها حينًا، لكنها تعود تنتصب وتستهدف لك، تتحداك بساطة صراحتها أن تصوب لها سهمك، كما يتحدى الواثق القوي الرامي المتردد ويبرز له صدره، فيسقط القوس من يد أطالت بريه.

إن الاعتداء عليك قد يحفزك لرد بمثل، فتحوم حول طلب الانتصار لنفسك، وتتعالى كبرياؤك، ولكن تذكرك انتفاء العصمة عن جملة البشر يسرع بك إلى الإبطاء، فإن لم تفعل رجع بصرك إلى التحديق نحو هذه البديهية الشاخصة له كرتين، فينقلب القلب راعشًا، ثم مذعنًا لصدق الحقيقة، بعد إذ أبى سكون الإقرار لمنطق الفضل.

الرابط المختصر :