العنوان شريعة الله الخالدة.. وأكذوبة النظام العالمي الجديد
الكاتب الاستاذ مصطفي مشهور
تاريخ النشر السبت 21-سبتمبر-2002
مشاهدات 67
نشر في العدد 1519
نشر في الصفحة 42
السبت 21-سبتمبر-2002
● إن من خصائص هذه الرسالة الخالدة أن المجتمع الإسلامي مفتوح لكل البشر وأن اختلاف الآراء فيه لا يفسد للودِّ قضية وأن ما بين المسلمين وغيرهم من عهود مصون ما داموا يصونونه.
● النظام العالمي الجديد ما هو إلا نظام استعماري يسعى إلى فرض المزيد من الهيمنة.. بل هو نوع من القرصنة والفوضى والبغي والصد عن سبيل الله.. إنه نظام لا يصلح لقيادة خراف في فلاة فضلًا عن قيادته للعالم.
● خمسة ملامح تدل على تجبره وبغيه وتمثل دلالات على قرب نهايته وزواله.
الله جل جلاله نور السماوات والأرض تقدست أسماؤه، وعز جاهه، هو وحده صاحب هذا الكون وصاحب هذه الشريعة، فهي الصراط المستقيم.. والنور المبين، والذكر الحكيم، هو وحده سبحانه وتعالى، واضعها ومنزلها، على قلب سيد المرسلين بلسان عربي مبين، لينذر من كان حيًّا ويحق القول على الكافرين، وعقيدة الإسلام عقيدة ربانية، أرسى دعائمها القرآن، ووضع معالمها في السنة النبوية المطهرة، وكذلك ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾ (الشورى: ٥٢) إن شريعة الإسلام ليست من وضع مجمع من المجامع، ولا هيئة من الهيئات، ولا فرد من البشر، وليست اجتهادًا لواحد من الصحابة، وغيرهم، وليس من حق بشر مهما كان أن يغير حرفًا، أو يبدل كلمة من هذه الشريعة، فهي منهج خالد، سلم مصدره من تدخل الإنس والجن، والحق سبحانه وتعالى حفظها، وأعلن ذلك لنبيه فقال ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: 9) فتشريعة الإسلام هي النظام الوحيد في العالم كله، الذي مصدره كلمات الله وحدها، غير محرفة ولا مبدلة، ولا مخلوطة بأوهام البشر، وانحرافات المخلوقين، وقصور العقل البشرى وليس لرسول الله r من هذا الوحي إلا التلقي من أمين الوحي جبريل عليه السلام. ثم الحفظ ثم القيام بواجب التبليغ ﴿لَا تُحَرِّك بِهِۦ لِسَانَكَ لِتَعجَلَ بِهِۦٓ * إِنَّ عَلَينَا جَمعَهُۥ وَقُرءَانَهُۥ * فَإِذَا قَرَأنَٰهُ فَٱتَّبِع قُرءَانَهُۥ * ثُمَّ إِنَّ عَلَينَا بَيَانَهُۥ﴾ (القيامة: 16- 19) ويقول الحق سبحانة وتعالى ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغ مَآ أُنزِلَ إِلَيكَ مِن رَّبِّكَ﴾ (المائدة: ٦٧) إن من خصائص هذه الرسالة الخالدة، أن المجتمع الإسلامي مجتمع مفتوح لكل البشر، وأن نوافذه تطل على الكون كله، وأن الأجيال تتابع على المشاركة والحوار في حرية تامة، وتقبل للرأي الآخر، وأن اختلاف الآراء لا يفسد للود قضية، وأن بين المسلمين وغيرهم من الأمم عهودًا ومواثيق مصونة أبد الدهر، ما داموا يصوتون هذه العهود، ويحترمون تلك المواثيق.
دعوة الإسلام في القرن العشرين
وإن دعوة الإسلام الصحيح، الشامل لهذه المعاني يحمل لواءها الإخوان المسلمون منذ سبعين عامًا، يقدمونها للعالم كله، بهذا الفهم الصحيح للإسلام، والتزامهم الدقيق به، يقدمون النموذج العملي الرائع في العفو والتسامح وحسن الخلق، وحسن التعامل مع جميع البشر، ويؤكدون دائمًا أن الإسلام دين يسعه أن يعيش بجواره كل الأديان في بر وقسط، وبالإمكان أن تسود حضارة الإسلام الراقية، وأن تتعايش جميع الشعوب في ظل هذه الحضارة الربانية، تعيش سعيدة مطمئنة إلى يومها وغدها تعيش بعيدة عن التعصب الأعمى، والصراعات والحروب والتدمير والتخريب.
والإخوان يحملون هذه الرسالة الشاملة يبغون الخير للجميع، ويقدمون النصح الخالص والرأي السديد، ويصبرون على الأذى وعلى الاعتقالات والتعذيب، والمحاكمات العسكرية، وكل تلك المظالم لا يوجد مبرر واحد لها، وفي موقف سحرة فرعون دروس وعبر، فقد أصبحوا سحرة يطلبون من فرعون المال والأجر والمناصب، ثم ظهر لهم الحق في موقف سيدنا موسى، وانكشف الغطاء عن قلوبهم، فآمنوا برب هارون وموسى، ثم تحملوا الأذى وثبتوا، وارتفعوا فوق الوعيد والتهديد وفي المساء كان حكم فرعون الجائر الظالم. يقول ابن عباس رضي الله عنهما: «أصبحوا سحرة، وأضحوا مؤمنين وأمسوا شهداء يرتعون في رياض الجنة».
والإخوان المسلمون رغم كل هذا العنت والفتن والافتراء عليهم، يلتزمون بدعوة الإسلام دعوة الحق، دعوة التسامح والعدل والحكمة، فهذا طريقهم لا طريق سواه،
قال تعالى: ﴿ فَٱصبر إِنَّ وَعدَ ٱللَّهِ حَق وَلَا يَستَخِفَّنَّكَ ٱلَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ (الروم:60)
القرآن دستورنا
ولذلك فلابد من ميزان ثابت، ترجع إليه كل العقول على اختلاف مستوياتها فتعرف عنده مدى الخطأ والصواب في أحكامها وتصوراتها، ودرجة الشطط أو الغلو أو التقصير في هذه الأحكام، وقيمة العقل البشرى هنا، هو أنه الأداة التي أنعم الله بها على الإنسان ليعرف بها وزن أحكامه في هذا الميزان... الميزان الثابت الذي لا يميل مع الهوى ولا يتأثر بشتى المؤثرات، ولا عبرة أبدًا بما يضعه الناس أنفسهم من موازين: ما لم يرجع الناس إلى ذلك الميزان الثابت القويم، ويجب أن نعلم أنه ليس هناك ما يسمى بالعقل البشري، كميزان مطلق، إنما هناك عقلي وعقلك، وعقل فلان وفلان، في مكان ما وزمان ما، وهذه العقول كلها، واقعة تحت مؤثرات شتى تميل بها من هنا وهناك.
والله سبحانه خالق البشر وواضع هذا الميزان، وهو القرآن للأمانة والعدل ولسائر القيم، وسائر الأحكام، وسائر أوجه النشاط في كل جانب من جوانب الحياة.
إن الأمر من قبل ومن بعد لله خالق هذا الكون، وله وحده الفصل في حياة البشر، ما جل منها وما دق، وما كبر منها وما صغر، والله سبحانه وتعالى قد سن شريعة أودعها قرآنه، وأرسل جها رسولًا يبينها للناس، ولا ينطق عن الهوى، فسنته الله من ثم شريعة من شريعة الله، والعدل في هذه الشريعة بين الناس: ﴿وَإِذَا حَكَمتُم بَينَ ٱلنَّاسِ أَن تَحكُمُواْ بِٱلعَدل﴾ (النساء: 58)، فهو عدل شامل لا عدل بين المسلمين، بعضهم وبعض فحسب، ولا عدل من أهل الكتاب دون سائر الناس، وإنما هو حق لكل إنسان، بوصفه إنسانًا. وصفة العدل يلتقي عليها البشر جميعًا، مؤمنين وكفارًا أصدقاء وأعداء، سودًا وبيضًا، عربًا وعجمًا، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿إِنَّ هَٰذَا ٱلقُرءَانَ يَهدِي لِلَّتِي هِيَ أَقوَمُ وَيُبَشِّرُ ٱلمُؤمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُم أَجرا كَبِيرا﴾ (الإسراء: 9)
وإن سنن الله في هذا الكون، أنه يستحيل أن يسيطر على هذا العالم، نظام فرد أو دولة أو مجموعة من الدول مهما أوتوا من القوة، ولذلك فالمسلمون يرون أن ما يسمى بالنظام العالمي الجديد، ولد ميتًا، وهو جنين لقيط لا أصل له، وأصحاب العولمة الذين غرتهم القوة المادية، في أشد الحاجة إلى مراجعة التاريخ ليروا عاقبتهم ونهايتهم المحتومة، وليعد أصحاب الكتب السماوية إلى كتبهم ليقرؤوا عن كل استعراضات للقوة في التاريخ، لم تستطع أبدأ القضاء على الحق أو على أصحاب الرسالات وليعد أصحاب نظريات العولمة الفاشلة إلى التاريخ ليروا أن القوة لم ولن تغلب الحق، وليروا أن سبعين عامًا من الإلحاد الشيوعي والإجرام الشيوعي، بحق المسلمين، والأمم والشعوب، لم يحل أبدًا دون حياة هذه الشعوب التي ألقت في النهاية بالشيوعية في مقبرة الإجرام والمجرمين، وليعد أصحاب القوة المادية إلى التاريخ ليعرفوا أن القوة الظالمة والغاشمة، لا تحول أبدأ الحق إلى باطل، بل ولا تستطيع أن تمنح أبدأ الباطل أي مشروعية كانت، ولن تقنع أصحاب الحق بالعدول عن حقهم، حتى لو فنيت أجيال وأجيال في سبيل الدفاع عنه، والعاقبة على مدار التاريخ للمتقين، قال تعالى: ﴿بَل نَقذِفُ بِٱلحَقِّ عَلَى ٱلبَٰطِلِ فَيَدمَغُهُۥ فَإِذَا هُوَ زَاهِق وَلَكُمُ ٱلوَيلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ (الأنبياء:١٨) ويقول سبحانه: ﴿وَقُل جَآءَ ٱلحَقُّ وَزَهَقَ ٱلبَٰطِل إِنَّ ٱلبَٰطِلَ كَانَ زَهُوقا﴾ (الإسراء:٨٠) يقول جل شأنه: ﴿قُل إِنَّ رَبِّي يَقذِفُ بِٱلحَقِّ عَلَّٰمُ ٱلغُيُوبِ * قُل جَآءَ ٱلحَقُّ وَمَا يُبدِئُ ٱلبَٰطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ (سبأ: ٤٨-٤٩) ولقد أمر الحق تبارك وتعالى أمرًا جازمًا حاسمًا، أن يقرأ الحكام والشعوب تاريخ الأمم من قبلنا وأن يعرفوا سر بقائها، وسر فنائها، ويأخذوا العبرة والعظة، فقال: ﴿أَوَلَم يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرضِ فَيَنظُرُواْ كَيفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبلِهِم كَانُواْ هُم أَشَدَّ مِنهُم قُوَّة وَءَاثَارا فِي ٱلأَرضِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِم وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاق﴾ (غافر: ١٥) وقال سبحانه وتعالى عن المتكبرين والمكذبين ﴿فَأَمَّا عَاد فَٱستَكبَرُواْ فِي ٱلأَرضِ بِغَيرِ ٱلحَقِّ وَقَالُواْ مَن أَشَدُّ مِنَّا قُوَّة أَوَ لَم يَرَواْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَهُم هُوَ أَشَدُّ مِنهُم قُوَّة وَكَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَجحَدُونَ﴾ (فصلت:١٥) أما سنة الله في البشر: فالمؤمنون منهم بالله واليوم الآخر، يؤمنون بسنن الله فيسيرون معها، ويعرفون أن منها ما جعله الله لهم ابتلاء وامتحانًا وتمحيصًا، ثم لهم بعد ذلك الجزاء الأوفى، إما التمكين في الحياة الدنيا، وإما الجزاء والثواب في الآخرة، وإما هذه وتلك مجتمعة، ابتلاء واختبارًا ثم تمكينًا، سئل الإمام الشافعي t: أيمكن للمؤمنين ثم يكون الابتلاء؟ قال: لا يمكن لهم حتى يفوزوا في الابتلاء، وهذا الجانب موجود بصراحة تامة في القرآن الكريم والسنة المطهرة، وهو من المعلوم من الدين بالضرورة، ﴿الٓمٓ * أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُترَكُوٓاْ أَن يَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا وَهُم لَا يُفتَنُونَ * وَلَقَد فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبلِهِم فَلَيَعلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعلَمَنَّ ٱلكَٰذِبِينَ﴾ (العنكبوت: ١-٣)وجاء في التمكين والثبات يقول الحق سبحانه: ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُم وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَيَستَخلِفَنَّهُم فِي ٱلأَرضِ كَمَا ٱستَخلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبلِهِم وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُم دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهُم وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعدِ خَوفِهِم أَمنا يَعبُدُونَنِي لَا يُشرِكُونَ بِي شَيئا وَمَن كَفَرَ بَعدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلفَٰسِقُونَ﴾ (النور: ٥٥)
سنن اختص بها الحق سبحانه وتعالى
وهناك سنن اختص الحق تبارك وتعالى بها، لا يجوز أن يدعيها أحد كائنًا من كان، وهي الوحدانية والتفرد والتسلط والجبروت، هو المتعالي المنتقم الجبار، فمن نازعه في شيء من ذلك، سلبه إياه وأخذه أخذ عزيز مقتدر، فإذا طغى فرد قصمه الله، وإذا طغت أمة وادعت أنها تملك زمام الكون وتتصرف فيه، وقادرة على تصريف أموره-كما تصنع أمريكا اليوم- محقها الله وأخراها، وردها على عقبيها، قال تعالى: ﴿وَكَم أَهلَكنَا مِن قَريَة بَطِرَت مَعِيشَتَهَا فَتِلكَ مَسَٰكِنُهُم لَم تُسكَن مِّن بَعدِهِم إِلَّا قَلِيلا وَكُنَّا نَحنُ ٱلوَٰرِثِينَ﴾ (القصص:٥٥) يلقى مفهوم النظام العالمي الجديد اليوم شيوعًا على كافة المستويات السياسية والإعلامية، وتقود الولايات المتحدة هذا التوجه للتدليل على أن هناك عصرًا جديدًا قد بدأ في الظهور، وأن على الولايات المتحدة إقامة هذا النظام، وتزعم احترام القانون الدولي، وحقوق الإنسان، وضرورة الحل السلمي للصراعات.. وهذه المزاعم والدعاوى مطاطية، وغير واضحة، وترتبط بالمصالح الأمريكية، ومن هنا يتم التزوير للمصطلحات، وتفسير الأحداث، تفسيرًا يتماشى مع المخطط الجاري تنفيذه في بلاد العالم العربي والإسلامي، هذا المخطط الذي يتعارض مع إرادة أهلها، ومع ثوابتهم، وكيانهم ومصالحهم، وهذا ما يسري على تفسير الخلفيات والأبعاد والأهداف والنتائج، من وراء جرائم الإبادة الكاملة والقتل الجماعي، في فلسطين وأفغانستان، فقد أبيح كل شيء، وأهدر كل شيء، وفي ظل أكذوبة العولمة انتشر الخلط بين سفاكي الدماء، والقتلة والإرهاب، وبين الدفاع عن الأعراض والمقدسات، واهتزت الرؤية بين الباغي المغتصب المجرم، والضحية المظلومة المفترى عليها، حتى إن بعض الباحثين قد تساءلوا عن وجود نظام دولي جديد من عدمه؟ أم هو ما رد بالوني منتفخ، يزعم أنه مدبر الكون، ومدبر شؤون العالم، والمهيمن الأوحد عليه، وقيوم أمره، لقد ركب فقاعات الهواء الطافية على زيد السيل، يحسبها سفينة نجاة العالم: ﴿كَذَٰلِكَ يَضرِبُ ٱللَّهُ ٱلحَقَّ وَٱلبَٰطِل فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذهَبُ جُفَآء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمكُثُ فِي ٱلأَرض﴾ (الرعد: ١٧)إن هذا النظام الجديد، ما هو إلا نظام استعماري أكثر تمشيًا مع ظروف العصر، بهدف المزيد من فرض الهيمنة والسيطرة، وإن التحديات والتهديدات التي تواجه العالم، خاصة العالم العربي والإسلامي، في تلك الفترة تشكك في مصداقية وجود نظام دولي جديد، بل هو نوع من القرصنة والفوضى والبغي والصد عن سبيل الله. ففي عالمنا اليوم نماذج من الاستكبار والتبجح والتعالي، الذي يخيل لأصحابه أنهم ملكوا زمام الكون، وأصبح رهن إشارتهم والتصريحات التي يطلقها رؤساء الولايات المتحدة وكتابها يدور مضمونها حول هيمنة أمريكا، وانفرادها بالقوة، وأنها القائد الحقيقي، للعالم كله اليوم، وأن مصيره بيدها وحدها، وأنها أكبر قوة على ظهر الأرض، وأن الأمة الأمريكية أذكى الأمم، وأعرقها تاريخا، وأفضلها تنظيمًا، وأكثرها ملكًا لأسلحة الدمار والهلاك، وهذه ملامح الطغيان كاملة في دنيا الغرور والتعالي والصلف والتطاول على الله تعالى، في أخص خصائصه، وهو التفرد والهيمنة في تسيير الكون الذي خلقه من العدم، وهذه بعض ملامح التفرد والهيمنة لذلك النظام الذي يساند العدوان اليهودي في كل صوره. إن بغيه وإجرامه في هذا العمل يفقده كل مصداقية ويعجل بالنهاية المحتومة لكل ظالم مستبد:
1-إطلاق شعارات النظام العالمي، وهي الفاظ جوفاء، لا تحمل مضمونًا، ولا تمثل شكلاً محددًا غير استمرار التهديد واستعراض القوة ومحاربة الشعوب في أرزاقها واستنزاف مواردها.
2-عدة هذا النظام القوة الحربية، التي تقصم ظهر أصحابها، كما حدث للشعب السوفيتي سابقًا، آلات جهنمية حربية ضخمة، وبطون خاوية، ومزاعم كلها للإيهام بأنهم يملكون أسرار العالم، وهم الذين هربوا من أمام العزل من أهل الصومال، وأمام أهل لبنان وغيرهم.
3-محاولة احتواء المؤسسات الاقتصادية الدولية مثل صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، فلا يخرج من هذه المؤسسات المعونة أي دولة أي شيء إلا إذا أعطت أمريكا الضوء الأخضر.
4-تصنيف العالم إلى قوائم مساندة للإرهاب، ومعناه في تصورهم كل عمل لا يخدم المصالح الأمريكية، أو كل عمل يخدم الإسلام والمسلمين فهو إرهاب.
5-كل دولة تخالف أمريكا ولا تسير في فلكها فهي دولة غير ديمقراطية مالها الحرمان ووضعها في قائمة الإرهاب! تلك بعض ملامح الطغيان، ونحن نرى أنها كلها دلالات على قرب نهاية هذا النظام العالمي، وهو نظام في جملته لا يصلح أن يقود خرافًا في فلاة، فضلًا عن أن يسن نظامًا يسود به العالم كما يزعم، فهل من يريد أن يوجه العالم حسب وجهته، ويقوده ويسوده تكون موازينه هكذا؟ إنها علامات الزوال، لأنه ينازع الحق سبحانه في ملكه، وهي من خصائص رب الكون، فهل من مدكر؟ مصداق هذا في قوله تعالى: ﴿قَالَ مُوسَىٰ لِقَومِهِ ٱستَعِينُواْ بِٱللَّهِ وَٱصبِرُوٓاْۖ إِنَّ ٱلأَرضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِن عِبَادِهِۦۖ وَٱلعَٰقِبَةُ لِلمُتَّقِينَ * قَالُوٓاْ أُوذِينَا مِن قَبلِ أَن تَأتِيَنَا وَمِن بَعدِ مَا جِئتَنَا قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُم أَن يُهلِكَ عَدُوَّكُم وَيَستَخلِفَكُم فِي ٱلأَرضِ فَيَنظُرَ كَيفَ تَعمَلُونَ﴾ (الأعراف: ١٢٨-١٢٩)