; «المجتمع» تستطلع آراء علماء ومفكرين في: علاقة العالم بالحاكم | مجلة المجتمع

العنوان «المجتمع» تستطلع آراء علماء ومفكرين في: علاقة العالم بالحاكم

الكاتب محمد الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 06-أبريل-1993

مشاهدات 98

نشر في العدد 1044

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 06-أبريل-1993

     ·       د. القرضاوي: ينبغي أن يكون العلماء قوة موجهة وهذا يقتضي أن يستقلوا ماليًا

     ·       فهمي هويدي: لا حل لمشكلة التوتر القائم إلا بإتاحة الفرصة لمشاركة النخب الثقافية مع الحاكم في صنع القرار.

     ·       د. زكريا عبد الرزاق المصري: الكثير منا لا يميزون بين الحاكم الذي اعتنق مبادئ مناهضة للدين وبين الحاكم الذي يزاول المعصية.

طرحت «المجتمع» «العلاقة بين الحاكم والعالم» على مجموعة من العلماء والمفكرين الإسلاميين، طارحة سؤالًا وحيدًا عن كيفية العلاقة النموذجية بينهما، محاولة بذلك استقراء مواطن الخلل في هذه العلاقة واستكشاف السبل العملية الصحيحة لتصحيح مسار هذه العلاقة في واقعنا المعاصر.

المشاركون في الندوة:

1- د. يوسف القرضاوي – الداعية الإسلامي المعروف.

2- صلاح الدين الجعفراوي – مدير المركز الإسلامي في ميونيخ – ألمانيا.

3- فهمي هويدي – كاتب إسلامي معروف.

4- د. زكريا عبدالرزاق المصري – الأستاذ في كلية الإمام الأوزاعي في لبنان.

5- د. دليار نور.

6- د. منظور محمد علم.

الشيخ يوسف القرضاوي

العلاقة بين العالم والحاكم تتمثل في النصيحة والبيان، قال تعالى: ﴿وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِیثَـٰقَ ٱلَّذِینَ أُوتُوا۟ ٱلۡكِتَـٰبَ لَتُبَیِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكۡتُمُونَهُۥ﴾ (آل عمران: 187).

البيان والنصح هو الواجب على العلماء، وقبل هذا كان الحاكم هو العالم أو العالم هو الحاكم، والأصل في الإسلام أن يكون الحاكم مجتهدًا أو على الأقل أن يصل إلى مرحلة كبيرة في العلم، فإن لم يكن كذلك، استعان بالعلماء. وينبغي أن يكون العالم قريبًا من الحاكم يسدده ويرشده ويفتيه، ثم للأسف حدث بعد ذلك انفصال بين العلم والحكم، وأصبح العالم في واد، والحاكم في واد آخر، وأخطر من ذلك أن يصبح العلماء في ركاب الحكام، وأن يوجد من العلماء من يبرر لهم أخطاءهم وخطاياهم ومن يصدر لهم الفتاوى التي تضفي الشرعية على أعمالهم مهما كانت مخالفة للشرع وللإسلام، وهذا هو الخطأ بعينه. ينبغي أن يكون العلماء قوة موجِهة لا قوة موجَهة، وهذا يقتضي أن يستقلوا ماليًا، وكان قديمًا لهم أوقافهم الخاصة، وليسوا موظفين في الدولة، لكن إذا أصبح العلماء موظفين لدى السلطة فإنها تستطيع أن توليهم وتستطيع أن تعزلهم وتستطيع أن تشبعهم وتستطيع أن تجيعهم، فهذا هو الخطأ. وقد سئل بعض الأمراء في عصر بني أمية عن سر قوة الحسن البصري، فقال: احتاج الناس إلى دينه واستغنى عن دنياهم.

فقد كان عنده بعض المال الذي كان يغنيه عن مد يده إلى حكام عصره، وكان الحكام محتاجين إلى علمه ودينه، فالمشكلة تكمن فيما إذا كان الحكام مستغنين عن دين العالم وعلمه، والعالم محتاجًا إلى دنياهم ليعيش، وهذا هو الخطر، ولذلك لابد من محاولة لإعادة الأوقاف إلى العلماء ليستقلوا بأنفسهم.

صلاح الدين الجعفراوي

العالم يجب أن يسدد وينصح الحاكم، والحاكم عليه أن يستمع ويوضح أي ملابسات.. أشكال الدولة بدأت تأخذ شكلًا معقدًا في أيامنا هذه، غير العصور السابقة، ومما يؤدي إلى هذا التناقض:

١- الحاشية السيئة التي تحيط ببعض الحكام، فهم يحاولون أن يصوروا له أن هؤلاء العلماء يرغبون في إقصائه عن الحكم أو تشويه صورته أو ما إلى ذلك.

٢- إن هناك قلة من العلماء ليس لها قاعدة شعبية فتتخذ من معارضة الحكام بشكل غير موضوعي أو سبهم، وسيلة من خلالها تكسب تأييدًا شعبيًا، لأن هناك كثيرًا من الشعوب يوجد بينها وبين حكامها شيء من الخلل، فهذان الأمران يؤديان إلى هذه القطيعة بين الحاكم والعالم، ولكن إذا وجه العالم كلمته بشكل صحيح، بعيدًا عن التجريح للحاكم، ففيه تصويب وتسديد للأخطاء وتقريب لوجهات النظر، والحاكم يستمع إلى هذه النصائح بعيدًا عن ردود الأفعال من حاشيته، التي تسيء في كثير من الأحيان والتي لا تريد أن تسير الأمور بشكل جيد وهادئ، لأنه إذا سارت الأمور بشكل هادئ ما بين الشعوب والحكومات فسوف يُـنحَّى هؤلاء المنتفعون والمرتزقة الذين يحيطون ببعض الحكام، فإذا التزم العالم والحاكم بهذه الحدود، فنظن أن الكثير من مشاكلنا سوف تحل، وهذا ما يطالب به الجميع، فما أظن أن هناك عالمًا يرغب في أن يتولى الحكم أو يكون له منصب، وما أظن أن هناك عالمًا عندما يرى الحاكم يسير بشكل جيد فيه مرضاة لله- عز وجل- أن يأخذ منه موقفًا سلبيًا، بل سيكون سندًا وساعدًا أيمن له.

·       فهمي هويدي

طبعًا المعادلة اختلفت بمعنى أن العالم في الأزمنة السابقة كان يمثل النخبة الثقافية، لأن أهل العلم كانوا نخبة المجتمع، الآن النخبة ربما أصبح لها شكل مختلف، وأنا أظن الآن إلى حد كبير أن الحاكم استوعب العالم ووظفه لصالحه إلى حد كبير أو بشكل سيئ.

العلماء أكثرهم أصبح موظفًا عند الحكام، والتوتر القائم أصبح يتمثل في توتر العلاقة بين الحاكم والنخب الثقافية الموجودة، وأنا أظن أنه لا حل لهذه المشكلة إلا بإتاحة الفرصة لمشاركة النخب مع الحاكم في القرار بأي طريقة، بمجلس أعيان، أو مجلس نواب، والمشاركة وسيلة لامتصاص هذا التوتر، والديمقراطية تهيئ فرصة أكبر وأوسع، لأنها تنزع فتيل التوتر والصدام، حيث إن الناس في قنوات وصياغات لإدارة الحوار بينهم، وكسر احتكار القرار والسلطة من جانب الحاكم.

د. زكريا عبد الرزاق المصري

المفروض أن تكون هناك علاقة محكومة بالنص الشرعي وهي قضية الطاعة للحاكم ما لم يأمر بمعصية كما قال- صلى الله عليه وسلم: «على المرء المسلم السمع والطاعة ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة».

هناك فرق بين أن يكون الحاكم أمر بالمعصية وأن يكون فاعلًا للمعصية، فإذا فعلها ولم يأمر بها، فهذا شيء يعود اليه، يحاسبه الله عليه. وإذا كان فعله للمعصية علنيًا، ينصح علانية. وإذا كان بالسر، ينصح بالسر حتى لا يكون الأمر فيه شيء من التشهير. أما إذا أمر بالمعصية، فها هنا لا تجوز طاعته لأن طاعته عندئذ تكون متعارضة مع طاعة الله عز وجل، والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (الحجرات: 1)، فلا يجوز أن نقدم قول أحد أو فعل أحد على أمر الله عز وجل أو أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم. فإذا كان الحاكم مسلمًا ولم يأمر بمعصية، فيجب التعاون معه وعدم الخروج عليه حفاظًا على وحدة الأمة وطاقاتها من أن تهدر في صراعات بين العمل الإسلامي والدولة التي يقوم على أرضها هذا العمل الإسلامي، ولذلك ينبغي أن يكون هناك نوع من العلاقة محكومة بهذه القاعدة بين العالم والحاكم.

فالحاكم يجب أن يفسح المجال للعالم ليدعو ويعلم ويرشد الناس في الحدود التي لا تمس بالأمن العام للدولة حتى لا تحدث فتنة، فإذا كان العالم بهذه الحدود، فلا مانع أن يكون بينه وبين الحاكم تنسيق وتعاون، وبالتالي يصبح الحاكم يد العالم والعالم لسان الحاكم، فالاثنان يتعاونان لنصرة الحق واقامة الحق والعدل مادام الحاكم لم يأمر بالمعصية، وإن زاول المعصية فيما بينه وبين الله عز وجل أو فيما بينه وبين الناس، وعندها ينصح كما أشرنا سابقًا.

فالظاهرة بادية عند الكثير من الإسلاميين أنهم لا يميزون بين الحاكم الذي خرج عن دين الله عز وجل باعتناقه مبادئ مناهضة للدين، وبين الحاكم الذي يزاول المعصية، ويجعلون الطرفين على حد سواء، وهذا خطأ كبير، لأن الحاكم الذي يزاول المعصية، يبقى مسلمًا عند أهل السنة والجماعة، لا يكفر، فينبغي أن تكون العلاقة معه علاقة مسلم مع مسلم، بخلاف الحكام الآخرين سواء كانوا عربًا أم غير عرب إذا خرجوا عن دين الله تعالى بسبب الاعتقادات الخاطئة عندئذ تصبح نوعية العمل تختلف عن العمل في دولة يحكمها مسلم عاصٍ.

د. دليار نور

هناك مثل ماليزي يقول ما معناه: يجب اتباع الحاكم وتقديسه ما لم يكن جائرًا. وهذا يعني أن الولاء وعدمه يتوقف على الحاكم الذي يعرف مصلحته، ويقول ابن خلدون في «المقدمة»: إن الحكام يتأثرون بثلاثة أشياء: المرأة والثروة والسلطة، وإن هذا الأخير يوفر له الإغراءات التي تلهيه عن أهداف الحكم وتصرفه عن أهداف الإسلام، وإن الحاكم الحكيم هو الذي يستفيد من العلماء ويستشيرهم كما يستعين بهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

د. منظور محمد علم

جزاك الله خيرًا، لأن سؤالك في منتهى الأهمية. في الواقع هناك تنافر كبير بين الحاكم والعالم، وينبغي النظر في الأمر من منظور تاريخي والعودة إلى الجذور التاريخية لهذا التنافر.

أولًا وقبل كل شيء: إن الحاكم لا يمثل الإسلام ولكنه يعتبر عضوًا فعالًا داخل كيان الأمة الإسلامية، وإن على الحاكم أن يحتذي بعمر بن عبد العزيز في عدالته وتمسكه بالتعاليم الإسلامية وسيره على نهج الشريعة الإسلامية والعمل بها بالتدريج، فلو أطال الله عمره لبضع سنين لتغير وجه العالم.

ثانيًا: إن على العلماء أن يفهموا طبيعة الظروف الراهنة، أنا شخصيًا لا أدعو إلى التطبيق الصارم وغير المدروس للشريعة الإسلامية.

إن من واجب العالم ألا يخاف في الله لومة لائم، وأن يقول الحق أمام الحاكم إذا جنح هذا الأخير عن الصراط المستقيم، وحتى ولو كلفته هذه المواجهة حياته. ولذلك فإن تطبيق الشريعة بالتدريج والتريث على طريقة عمر بن عبدالعزيز، من شأنه أن يساهم في إزالة العقبات أمام التفاهم بين الحاكم والعالم أو بالأحرى بين الحاكم والمحكوم في ضوء تعاليم القرآن والسنة. ذلك أن على العالم أن يتحلى بالحكمة، حيث إن الحكمة ما هي إلا فلسفة تقوم على أساس فهم القضايا والقدرة على طرحها وإيجاد حلول مناسبة لها. وبالحكمة يتلاشى التنافر بين الحاكم والعالم وتخلو الساحة لتطبيق الشريعة الإسلامية بالطريقة الصحيحة. وبما أن العلماء يدركون أهمية هذا الأمر، فإن الحكام أيضًا يفهمون أهمية تضييق الفجوة بينهم وبين العلماء، حيث إن هذا التفاهم من شأنه أن يمهد الطريق نحو تطبيق الشريعة الإسلامية على الوجه الصحيح، وأعتقد أنه إذا عجز الحكام عن معرفة حقيقة الشعور الذي يكنه المحكومون لهم، وقد لا يكون هذا الشعور طيبًا- فإنهم يعجزون عن أداء واجباتهم إزاء المحكومين، ولذلك فإن على الطرفين أن يعملا على تحقيق ما تصبو إليه الأمة الإسلامية من طموحات تتمثل في وحدة الأمة وتوصيل رسالة الإسلام إلى كافة شعوب العالم.

اقرأ أيضًا:

الرابط المختصر :