العنوان سياحة القلب المؤمن (العدد 402)
الكاتب بابكر العوض العبد الله
تاريخ النشر الثلاثاء 04-يوليو-1978
مشاهدات 90
نشر في العدد 402
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 04-يوليو-1978
مواقف خالدة الفتوحات في عهد عمر..
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وقائد المجاهدين محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: أخي القارئ الكريم، يسرني أن ألتقي بك مع الفاروق عمر الذي مزق ملك كسرى ونشر لواء العدل في ربوع الأرض، ومع القائد سعد بن أبي وقاص بطل القادسية وفاتحها، مع والأسير المسلم الذي بين لرستم أن عيوبهم هي التي تسلمهم للمسلمين، وأنهم لن يستطيعوا قهرهم، ومع الفدائي الذي توغل في جيش المشركين وقتل قادتهم.
الفتوحات في عهد عمر
لما ولي عمر الخلافة وزاد الاضطراب في بلاد فارس بسبب الخلافات الداخلية، كتب المثنى بن حارثة إلى عمر بذلك وما كان من جلوس يزدجرد على العرش مع حداثة سنه، وحثه على انتهاز الفرصة؛ فوجه همه لغزو العراق، ودعا الناس لغزوها وهون عليهم فتحها، وأراد أن يقود الجيش بنفسه ولكن بعض الصحابة أشاروا عليه بأن يبعث رجلًا من كبار الصحابة، وأن يكون هو من ورائه يمده بالإمداد، فوافق عمر، ووقع الاختيار على سعد بن أبي وقاص، فاستحسن هذا الرأي وعهد إليه بفتح العراق، ثم ودع الجيش وجعل سعد يتنقل بين الحجاز والكوفة يستمع الأخبار، ورسل عمر توافيه، وكتبه تأتيه يشير عليه فيها بآرائه ويمده بالجنود.
القادسية
لما قصد سعد القادسية سنة 15هـ- 636م وكانت بالعراق، أوصاه الفاروق عمر بوصية تتلخص في الآتي:
1- أمره أن يستعين بالله والتوكل عليه، وأن عدوه الذي يقدم عليه كثير العدد والعدة، وله خبرة بالقتال، وحصونه منيعة.
2- وأمره أن يبدأ عدوه بالشدة والضرب عند ملاقاته، ويحذر خديعتهم من أن يخدعوه.
3- أن يلزم باب القادسية؛ لأنه أجمع لمادتهم بجانب أنه حصين وخصيب، ويسعى في تحطيمه، وأن يجعل الجند على حافات الحجر والمدر ويلزم مكانه.
4- أمره أن يصلح قلبه، ويحادث جنده ويعظهم ويحثهم على الصبر والمصابرة، والنصر يأتي به الله على قدر نياتهم، ويكثرون من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله، ويخافون الله ويرجون ثوبه، ثم قال له: يا سعد، لا يغرنك من الله أن يقال: خال رسول الله وصاحب رسوله، فإن الله لا يمحو السيئ بالسيئ؛ ولكن يمحو السيئ بالحسن، وليس بين الله وبين أحد نسب إلا بطاعته، فانظر الأمر الذي رأيت فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم يلزمه فالزمه.
فسار سعد يقود جيشه ويستأنس برأي أمير المؤمنين السديد ومعه أهل البأس والرأي وأهل الجهاد والصبر، ويتأمل عورات عدوه ويرهبهم.
ولما وصل سعد القادسية أقام شهرًا لا يأتيه عدو، ثم تراسل مع يزدجرد وانتهى الأمر إلى خروج رستم في جيش يبلغ ثلاثين ألفًا -وقيل: مائة وعشرين- لقتال المسلمين، على حين كان جند المسلمين يتراوح بين سبعة آلاف وثمانية آلاف.
حوار
سأل رستم سعد بن أبي وقاص أن يوجه إليه بعض أصحابه، فأرسل المغيرة بن شعبة، فقصد المغيرة سرير رستم فمنعه الأساورة من ذلك، فقال: إن هذا لا يزيدني رفعة ولا ينقص صاحبكم، قال رستم: صدقت، ثم قال: لقد علمت أنه لم يحملكم على ما أنتم فيه إلا ضيق المعاش وشدة الجهد، ونحن نعطيكم ما تشبعون به ونصرفكم ببعض ما تحبون، فقال المغيرة: إن الله بعث إلينا رسوله صلى الله عليه وسلم فتسيدنا بإجابته واتباعه، وأمرنا بجهاد من خالف ديننا حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، ونحن ندعوك إلى عبادة الله وحده والإيمان بنبيه، وإلا فالسيف بيننا، فقال له رستم: والشمس والقمر لا يرتفع الضحى غدًا حتى نقتلكم أجمعين، فقال المغيرة: لا حول ولا قوة إلا بالله. وانصرف عنه.
وقد أعجب رستم بالعرب وبسديد إجابتهم، حتى قال لأصحابه: انظروا فإن هؤلاء لا يخلوا أمرهم من أن يكون صدقًا أو كذبًا، فإن كانوا كاذبين فإن قومًا يحفظون أسرارهم هذا الحفظ ولا يختلفون في شيء، وقد تعاهدوا في كتمان سرهم هذا التعاهد بحيث لا يظهر أحد منهم سرهم لقوم في غاية الشدة والقوة، وإن كانوا صادقين فهؤلاء لا يقف حذاءهم أحد، فصاحوا حوله وقالوا: الله الله أن تترك ما أنت عليه لشيء رأيته من هؤلاء الكلاب، بل صمم، فقال رستم: هو ما أقوله لكم، ولكنني معكم على ما تريدون.
الأسير المسلم يلقن رستم درسًا
أسر الفرس مسلمًا في القادسية قبل بدء القتال، فسأله قائد الفرس رستم: ما جاء بكم؟ وماذا تطلبون؟ فأجابه: جئنا نطلب موعود الله، قال رستم: ما هو؟ قال الأسير: أرضكم ودماءكم وأبناءكم إن أبيتم أن تسلموا، قال رستم: فإن قتلت قبل ذلك؟ فقال: قال في موعود الله أن لمن قتل قبل ذلك الجنة، وأنجز لمن بقي منا ما قلت لك، فنحن على يقين، فقال رستم: قد وضعنا إذن في أيديكم، قال: ويحك يا رستم، إن أعمالكم وضعتكم فأسلمكم الله بها، فلا تغرنك ما ترى حولك، فإنك لست تجادل الإنس؛ إنما تجادل القضاء والقدر. فازداد غضبًا، فأمر به رستم فضربت عنقه.
الفدائي الذي حطم معنويات الفرس
بعث سعد بن أبي وقاص طلائع وأمرهم أن يصيبوا رجلًا من جيش الفرس، فأخرج طليحة في خمسة، وعمرو بن معد يكرب في خمسة، وقبل أن يسيروا فرسخين رأوا جيش الفرس بالنجف فقال عمرو بن معد يكرب: ارجعوا لا يفتك بكم عدوكم، فقال طليحة: أريد أن أخاطر اليوم أو أهلك، فطلبوا منه الرجوع فأبى، وأتى سعدًا الخبر برحيلهم فبعث عامر بن هبيرة وأمره على مائة وعلى طلائع إن هو لقيهم فانتهى إليهم ببلادهم، ووجد طليحة قد فاقهم ومضى حتى دخل عسكر رستم وبات، فلما أدبر الليل أتى أفضل مكان للعسكر، فإذا به يرى فرسًا لم ير مثله وفسطاطًا -بيتًا من الشعر- أيضًا لم ير مثله، فأخذ سيفه وقطع مقود الفرس وضمه إلى مقود فرسه، ثم حرك فرسه فخرج مسرعًا، وعندما انتبه الناس لحركته أسرع الفرسان ليلحقوا في طلبه، فأصبح وقد لحقه فارس من الجند، فرفع رمحه ليطعنه، فعدل طليحة فرسه فسقط الفارس بين يديه، فكر عليه طليحة فكسر ظهره بالرمح، ثم لحق به آخر ففعل به مثل ذلك، ثم لحق به آخر، وقد لقي مصرع صاحبيه وهما أبناء عمه، فازداد غيظًا، فلما لحق بطليحة فرفع رمحه عدل طليحة فرسه فسقط الفارس أمامه وكر عليه طليحة ودعاه إلى الأسر، فعرف الفارس أنه قاتله، فاستأسر وأمره طليحة أن يركض أمامه، ففعل ولحق الناس فرأوا فارس الجند قد قتلا، وقد أسر الثالث وقد شارف طليحة عسكر المسلمين، فأحجموا عنه ورجعوا، وأقبل طليحة حتى وصل سعد، فقال له سعد: ما وراءك؟ قال: دخلت عساكرهم وقد أخذت أفضلهم توسمًا ولا أدري أصبت أم أخطأت، وها هو ذا فاستخبره.
القائد سعد يستخبر أسير الفرس
قال سعد بن أبي وقاص لأسير الفرس: أصدقني؟ قال الفارس: أتؤمنني على دمي إن صدقتك؟ قال: نعم، الصدق في الحرب أحب إلينا من الكذب. قال الأسير: أخبركم عن صاحبكم هذا قبل أن أخبركم عمن قبلي، باشرت الحرب وغشيتها وسمعت بالأبطال ولقيتها منذ أنا غلام إلى أن بلغت ما ترى ولم أر ولم أسمع بمثل هذا: أن رجلًا قطع عسكرين لا يجترئ عليهما الأبطال إلى عسكر فيه سبعون ألفًا يخدم الرجل منهم الخمسة والعشرة إلى ما هو دون، فلم يرض أن يخرج كما دخل حتى سلب فارس الجند وهتك أستار بيته، فأنذره فأنذرنا به، فطلبناه فأدركه الأول وهو فارس الناس يعدل ألف فارس، فقتله فأدركه الثاني وهو نظيره، فقتله ثم أدركته، ولا أظن أنني خلفت بعدي من يعدلني، وأنا الثائر بالقتيلين وهما أبناء عمي، فرأيت الموت فاستأسرت، ثم أخبر سعدًا عن أهل فارس بأن الجند مائة وعشرون ألفًا، وأن الأتباع مثلهم خدام لهم. وأسلم الرجل الأسير وسماه سعد مسلمًا، وعاد إلى طليحة وقال: لا والله لا تهزمون ما دمتم على ما أرى من الوفاء والصدق والإصلاح والمواساة، لا حاجة لي في صحبة فارس. فكان من أهل البلاد يومئذ.
أسباب النصر
التعليق:
1- تمكن الإيمان في قلوب المسلمين وتشوفهم بموعود الله جعلهم يزهدون في الدنيا ويقبلون على الآخرة.
2- وحدة الصف: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ (الصف: 4).
3- اجتمع المسلمون والفرس في وقائع كثيرة، والمسلمون منتصرون بالرغم من كثرة عدد الأعداء وعددهم ومهارتهم في الحرب، ولكن في الإيمان الذي سطع على القلوب فأزال عن نفوسهم الجبن والذل، وصرف الأيدي عن النهب، لا يخشون تهديدًا ولا وعيدًا.. يتفانون في حب الدين وترك الدنيا.. يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.
4- إن الخلافة الإسلامية تعطي للشعب حق الحرية، وما حل جيش المسلمين ببلد إلا أحيوه بالعلم والمعرفة وعمارة الدنيا والآخرة، بأن خليفة المسلمين مشغول بحراسة الدين وعمارة الدنيا، مستمدًّا أفعاله وأقواله من كتاب الله وسنة رسوله، والأمة المسلمة باذلة له الطاعة، قال الصديق: إني قد وليت عليكم ولست بخيركم، والفاروق عمر يقول: من رأى في اعوجاجًا فليقومني -وهو مشغول بطلبات الرعية. ويقول عمر: لو عثرت بغلة بالعراق لرأيتني مسئولًا عنها بين يدي الله، لمَ لم أسو لها الطريق؟
وهذا هو الطريق لأمتنا المسلمة إن سلكت طريق النصر الذي لا طريق سواه: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (آل عمران: 85).
عزيزي القارئ، سنلتقي معك في معركة القادسية بعنوان: دروس وعبر من القادسية.. فإلى اللقاء، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل