العنوان التباس المفاهيم في سياق الصراع العربي الصهيوني
الكاتب د. عبد الله الأشعل
تاريخ النشر السبت 10-أبريل-2010
مشاهدات 54
نشر في العدد 1897
نشر في الصفحة 22
السبت 10-أبريل-2010
مقال
التباس المفاهيم في سياق الصراع العربي الصهيوني
المشروع الصهيوني.. يستهدف الوجود العربي نفسه وليس مجرد الهيمنة كما هي حال المشروعات الاستعمارية
أخطر ما في "عملية السلام" أن الصهاينة صاروا مألوفين في الأذن والعين والإدراك العربي لمدة ٤٠ عاماً !
لا يجوز الحديث عن "السلام" العربي - الصهيوني وإنما يكون الحديث عن التسوية ... ولكن "الصراع" يستمر
السفير د. عبد الله الأشعل (*)
عملية السلام هي محاولة التوصل إلى تسوية أو حل لبعض جوانب الصراع بين العرب والكيان الصهيوني.. وقد بدأت هذه العملية بعد العدوان الصهيوني عام ١٩٦٧م بقرار مجلس الأمن رقم (٢٤٢) الذي وضع مبادئ أساسية يتم على أساسها التوصل إلى هذه التسوية، ثم تواترت النصوص الهادفة إلى تحقيق هذه التسوية أو ما يُسمّى بمرجعيات عملية السلام من جانب مجلس الأمن، والولايات المتحدة، ومن الجانب العربي الذي قدم مبادرتين للسلام؛ إحداهما في قمة "فاس" العربية عام ۱۹۸۲م، والأخرى في قمة "بيروت" العربية عام ٢٠٠٢م ، وهما تحديد لرؤية العالم العربي لشروط السلام مع الكيان الصهيوني..
ولا ندري على وجه اليقين العلاقة بين هاتين المبادرتين وبين الهجوم الصهيوني على بيروت عام ۱۹۸۲م، وعلى "جنين" عام ۲۰۰۲م.
أما "إسرائيل" فقد قدمت هي الأخرى عددا من المبادرات، والفارق بين المبادرات "الإسرائيلية" والعربية هو أن العرب يريدون إنهاء جوانب النزاع بطريقة تعيد الحقوق إلى أصحابها مع كامل علمهم بأن "إسرائيل" زرعت في فلسطين بغير سند، وأنها قامت على حساب الفلسطينيين.. وفي الوقت نفسه يدركون أن "إسرائيل" هي التجسيد لمشروع صهيوني واسع يستهدف المنطقة العربية كلها، ولكنه ينفذ بالتدريج وحسب الأحوال والفرص.
وجوهر عملية السلام هو التفاوض بين الأطراف المتنازعة على أساس هذه المرجعيات ولكن الصهاينة ينظرون إلى هذه العملية على أنها مناسبة لتطويع العرب وكسر عزلتها وتطبيع وجودها في المنطقة، وكسر المحظورات النفسية التي تقف عند العرب حائلا دون القبول بوجودها والغضب لعدوانها وتوسعها .
نقطة خلاف
والحق أن العرب قد ظنوا - ولو للحظات - أن "إسرائيل" دولة عادية، وأنه يمكن التسوية معها على أن تظل في حدود معينة بل ويمكن التعاون معها في المستقبل، لكنهم صدموا عندما عادوا بعد أربعين عاما من عملية السلام بحصاد الهشيم، بينما اعتبرت "إسرائيل" أن عملية السلام هي البديل عن السلام للعرب؛ لأنها حققت للكيان الصهيوني التوسع عن طريق الإبادة والقهر ثم السعي إلى تفتيت الأوطان العربية وخدمة المخططات الاستعمارية القاسية في المنطقة.
ونقطة الخلاف في الفهم أن "إسرائيل" ترى أن الصراع مع العرب لا ينتهي، وأن عملية السلام لا تمنع استخدام كل أدوات القوة بما فيها القوة العسكرية لتحقيق أهدافها، بينما يرى العرب أن مجرد وجود المرجعية ومسرح عملية السلام- بصرف النظر عن الممثلين أو اللاعبين- كافية وتدفعهم إلى إسقاط احتمالات الصراع بشكله المسلح، ويعتقدون أنهم ودعوا عصر الصراع المسلح الجماعي مع "إسرائيل"، مع التغاضي عن العمليات الجراحية العسكرية التي يستخدمها الصهاينة فى تنفيذ خططهم، بما في ذلك عمليات الاغتيال وتصفية الشخصيات المدنية والسياسية والعسكرية، بل والفكرية كلما كان وجود هذه الشخصيات سببا في إيقاظ الوعي العربي أو مقاومة المخططات الصهيونية.
وإذا كانت مبادرات السلام لا تزال قائمة فإن المشكلة ليست في إعادة مسرح عملية السلام، ولكن المشكلة أن عملية السلام التي تقوم من الجانب العربي على التفاوض تختلف عن العملية التي تأتي إليها "إسرائيل" ومعها أوراق القوة، وأهمها القهر العسكري، والتفويض السياسي من "الإسرائيليين"، والدعم الأمريكي غير المحدود، والأهم من ذلك القصد المعلن وهو أن أية عملية للسلام يجب أن تصب في صالح الصهاينة؛ بحيث تكون العملية أداة لإسباغ الشرعية على مخططات "إسرائيل".
وهذا ما حدث بالفعل؛ حيث تراجعت الإرادة الجماعية العربية والرؤية العربية الشاملة لإدارة "صراع السلام" مع الكيان الصهيوني، وتكفلت واشنطن بالضغط على الجميع حتى لا تتبلور هذه الرؤية فيضيع المسجد الأقصى وتهود القدس والضفة ونحن غارقون في جدل حول إصلاح الجامعة العربية وكيفية تحقيق مصالحة مستحيلة بين حركتي "فتح" و"حماس"، وهي مستحيلة لأن الشقاق هو أحد آثار المخطط الصهيوني، ولأن المصالحة تتحقق تلقائياً لو توافرت إرادة عربية شاملة للمواجهة الشاملة لعزل "إسرائيل" في المنطقة.. ولذلك فإن أخطر ما حققه استمرار "عملية السلام" لمدة أربعين عاما هو أن "إسرائيل" ورموزها صاروا مألوفين في الأذن والعين والمدركات العربية ولم نعد نفرّ منهم كما يفر السليم من الأجرب!
وهكذا، تظل مبادرة السلام العربية إعلانا عن موقف العرب من شروط السلام بغض النظر عن وجود عملية للسلام أو حتى لو انفجرت المنطقة بحرب شاملة فلا محل للجدل حول مصير هذه المبادرة، فلا يمثل سحبها كسبا للعرب أو خسارة للجانب الصهيوني، كما لا يمثل بقاؤها وعدم المساس بها انكسارا عربيا أو عجزا عن تقديم البديل الذي يصوره البعض على أنه الأسوأ عربياً، وهو المواجهة العسكرية.
وهذا فهم خاطئ يتم توظيفه خصيصاً من جانب بعض الأنظمة العربية لإثارة الفزع عند شعوبها، خاصة في مصر، عندما تهدد الحكومة المطالبين بإلغاء معاهدة السلام بأن ذلك "يعني الحرب، وهذا خطر لا نتحمله، ولا يريده الشعب ويرضى بسببه بكل شيء"... فصارت الحرب مع "إسرائيل" هي أكبر تهديد تلقيه الحكومة في وجه الشعب، كما صارت تبرر كل إهدار لأي شيء أو تنازل للجانب الصهيوني بهذه المعاهدة.
سلام أم تسوية ؟!
والطريف أنه نشأ اتجاه في العالم العربي قائم على فهم غير صحيح مفاده إجراء التقابل بين المقاومة والسلام، وكأن المقاومة هي نقيض ..السلام وقد تكرس هذا الاتجاه بمعني محدد في السياق الفلسطيني، وأنشأ تقابلا حادا بين المقاومة التي يرفضها رئيس السلطة "محمود عباس"، والسلام بمعنى "المفاوضات".
ولذلك التبس على البعض فهم العلاقة بين السلام والمفاوضات وبين السلام والحرب. أما العلاقة بين السلام والمفاوضات فهي أن السلام "نتيجة"، أما المفاوضات فهي "أداة"، ويصح أن تكون العلاقات حربية، ومع ذلك فإن السبيل إلى تسويتها أو وقفها هي المفاوضات بين العسكريين لإبرام اتفاق الهدنة، أو بين السياسيين لإبرام التسوية السياسية.
أما علاقة الحرب بالسلام والحرب بالصراع فهي تحتاج إلى مزيد من الإيضاح، ذلك أنه يُفترض أن علاقات الدول تنقسم إلى قسمين: صراع وتعاون، ولكل وسائله وأشكاله.. ولذلك تندرج الحرب في قائمة الصراع بالمعنى العسكري أي باستخدام القوة العسكرية، وكلها في النهاية يجب أن تؤدي إلى السلام، ولكن السلام لا ينهي الصراع، فالصراع بيننا وبين الصهاينة له طابع استراتيجي لا تنهيه اتفاقات السلام.
وتجب الإشارة إلى أنه في سياق الصراع مع الصهاينة لا يجوز الحديث عن السلام العربي "الإسرائيلي"، وإنما يكون الحديث عن التسوية مع "إسرائيل"، ولكن الصراع يستمر.. هكذا فهم الصهاينة السلام مع العرب على أنه تجزئة الساحات العربية، فهى في سلام مع كل الدول العربية ماعدا المقاومة في لبنان وغزة، سواء أكان السلام واقعيا أم كان تعاقديا.
وفي هذا السياق، يُقصد بالسلام انعدام مظاهر الصراع خاصة العسكري. أما علاقة "إسرائيل" بالمقاومة فهي ليست علاقة عسكرية ،وكفى، ولكنها علاقة استراتيجية؛ لأن المقاومة هي أكبر تهديد للمشروع الصهيوني. ولهذا السبب، فإن "إسرائيل" سمّمت البيئة العربية، وحرضتها على المقاومة، وجففت مصادر دعمها المادي والمعنوي بل والأخلاقي؛ بحيث تخشى الدول العربية أن تساعد المقاومة فتتعرض لعقاب الولايات المتحدة و"إسرائيل".
وفضلا عن ذلك، فإن "إسرائيل" تحاول طمس المقاومة، وضرب المصدر الأساسي لدعمها، وهو إيران تحت ستار تهديد إيران النووي، ولكن الحقيقة هي أنه لو كفت إيران عن دعم المقاومة ضد "إسرائيل" في فلسطين ولبنان، فلن تكون ثمة مشكلة مع إيران، لأن "إسرائيل" تنظر إلى دعمها للمقاومة العربية على أنه أحد مظاهر قوة المشروع الإيراني وصدامه مع المشروع الصهيوني بشكل مباشر.
هكذا تمكنت "واشنطن" والكيان الصهيوني من تكريس العداء لإيران في الصف العربي وأشاعت الخوف من برنامجها النووي في نفوس العرب، كما أضافت إلى بعض العرب مقولة أن إيران تهيمن على الساحة الفلسطينية من خلال حركة "حماس"، وعلى الساحة اللبنانية من خلال "حزب الله"، فبدا وكأن العرب و"إسرائيل" في خندق واحد ضد إيران مما أضعف فكرة المواجهة العربية للصهاينة بسبب فلسطين.. ورغم أنه لو قُدِّر انتهاء قدرة إيران أو رغبتها في مساندة هذه المقاومة لأي سبب، فإن العرب سوف يقعون في صراع رسمي مباشر ضد المشروع الصهيوني الذي يتمدد على الأرض بشكل منهجي.
محطات وهمية
الخلاصة أن الصراع مع "إسرائيل" له طابع خاص، لأن المشروع الصهيوني يستهدف الوجود العربي نفسه وليس مجرد الهيمنة كما هي حال المشروعات الاستعمارية، وهو مشروع أخطر من الحملات الصليبية، رغم انشغال المسلمين وأوروبا بها طيلة قرون استغرقت معظم العصور الوسطى. والحقيقة أن محطات السلام الوهمية التي عاشتها المنطقة العربية كانت حصيلتها لصالح "إسرائيل"، بينما خسر العرب أرضهم وتعرضوا للتمزق والتفتيت ولذلك خير للعرب أن يواجهوا المشروع بدلا من أن يدفعوا الثمن مضاعفاً في إطار سلام يُظل "إسرائيل" وحدها .. أما عملية السلام فهي أداة التواصل بين الفرقاء، وهي تعكس في نتائجها قدرات كل طرف على استخدام أوراقه المتاحة.
وتظل عملية السلام قائمة مهما تخللها من حروب وضغوط فعملية السلام "أداة"، والمفاوضات وسيلتها والصراع هو مناخها الأوسع.. ومع "إسرائيل"، لا مفر من إدارة الصراع بشكل يعكس الإدراك السليم للمشروع الصهيوني، لعل ذلك يرغم المشروع على التراجع أو إعادة التحول إذا صادف جسدا عربيا لا يسهل امتصاصه، وضياع هويته أو قهره والتغلغل فيه، وتشجيع الحالة السرطانية التي يعانيها هذا الجسد في المرحلة الراهنة بعد أن فقد البوصلة وهي "مصر".
ولذلك ليس صحيحاً أن عملية السلام قد انتهت وأن اللجوء إلى أجهزة الأمم المتحدة هو البديل، بل إن هذا اللجوء سببه إشراك هذه الأجهزة مع العرب والاستنجاد بها لعلها توقف الهجمة الصهيونية.. فالعملية قائمة، والمطلوب تحسين أوراق اللعب العربية بكل الوسائل، ليس فقط إزاء "إسرائيل"، وإنما إزاء "واشنطن" أيضًا .
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل