العنوان من قام بالغارة الجوية على أم درمان؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 27-مارس-1984
مشاهدات 59
نشر في العدد 664
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 27-مارس-1984
- توحيد الصف أولى من تجديد الأزمات بين دول الأمة.
- هل تكلف موافقة الكونغرس القيام بغارة جوية؟
- ليبيا تتحدى السودان بتوفير دليل ضدها في الغارة على أم درمان:
في هذا الوقت العصيب الذي تمر فيه المنطقة الإسلامية والعربية على وجه الخصوص بأسوأ أيامها من حيث التناحر، والخلاف، والشقاق بين دولها، وفي هذا الوقت الذي أضحت شعارات التقارب، والتضامن، والوحدة هي المطالب الأكثر إلحاحًا- نجد الشمال الأفريقي العربي قد تفتقت فيه أزمة جديدة، ومن نوع غير معهود، فجرت الموقف الذي كان مشحونًا بالتوتر بين مصر، وليبيا، والسودان؛ وذلك بسبب الغارة الجوية على مدينة أم درمان، فما هي حقيقة هذه الغارة؟
- الغارة:
في ظهر يوم الجمعة 84/3/16م أعلن بيان رسمي من الإذاعة السودانية عن وقوع غارة جوية في الساعة ٣٠,11 من نفس ظهر اليوم بتوقيت السودان، وكشف البيان عن أن الطائرة من طرازت. يو (٢٢) -السوفيتية الصنع- وقد اتجهت نحو الشمال الغربي (صوب ليبيا)، اتهم البيان ليبيا التي تملك مثل هذا النوع من الطائرات.
تسببت الغارة في تدمير منزلين ومبنى إداري بإذاعة أم درمان، وقد توفي إثر ذلك خمسة مواطنين من العمال الأبرياء، وبعد ست ساعات من وقوع الحادث وصل الخرطوم وزير الدفاع المصري عبد الحليم أبو غزالة، وذلك في إطار وضع اتفاقية الدفاع المشترك بين مصر والسودان موضع التنفيذ، وكان كل من مصر، والسودان، وأمريكا قد اتهم ليبيا بتدبير الغارة في الوقت الذي نفت فيه ليبيا بشدة هذا الاتهام.
وبعد متابعة التصريحات الصادرة من الدول المعنية والتحليلات الإعلامية والسياسية الدولية حول هذه الحادثة التي انعدمت فيها الأدلة والإثباتات القاطعة، وبعد أن تبودلت الاتهامات وأسبابها- سنتعرض بايجاز للدول التي تقع في دائرة الاتهام، وأسبابها الدافعة لذلك، ساردين وجهات النظر المتعددة والجارية بهذا الشأن:
- لماذا ليبيا؟
الاتهام السوداني المصري الأمريكي باعتبار ليبيا وراء الغارة على أم درمان ارتكز على تهديدات ليبيا المتكررة للسودان، وإعلانها عن مساعدة المتمردين في جنوب السودان، واعتبار ذلك حسب تعبيره خطوة مشروعة وعادلة، وإنها ستعمل على تحرير السودان شبرًا شبرًا، كما أن إحداث أية بلبلة واضطرابات للوضع الداخلي في السودان يتفق والمصلحة السياسة الليبية القائمة.
وأما ما ذكره البيان السوداني عن نوع الطائرة تي. يو (۲۲) السوفياتية، فالمعروف أن هذا النوع لا يوجد في منطقة قريبة ما عدا ليبيا، وقد ذكر أحد الخبراء العسكريين خارج السودان أن هذا النوع من الطائرات يتميز إضافة إلى السرعة الفائقة بأنه يحمل كمية وقود كبيرة، تستطيع أن تنفذ الطائرة بها عملية جوية لمدة ثلاث ساعات متواصلة، وذكر المصدر أيضًا بأن العملية الجوية لمثل هذه الطائرة بين قاعدة الكفرة الليبية قرب حدود السودان وبين الخرطوم تستغرق ساعتين، وحول إمكانية إتمام عملية الغارة دون التعرض لها من قبل السلاح الجوي السوداني فقد ذكر بأن ذلك ممكن لسببين:
أولهما: أن السودان حاليًا لا يعتبر دولة مواجهة، ولذلك يتوقع أن تكون استعداداته العسكرية الجوية غير مستعدة مائة بالمائة.
وثانيهما: أنه من الممكن أيضًا لطائرة حربية أن تقوم بغارة وتنجح في الرجوع سالمة حتى وإن كانت الدولة دولة مواجهة ومستعدة، ولذلك لا يستبعد من الناحية الفنية العسكرية أن تتم هذه الغارة من قاعدة الكفرة.
ومن ناحية أخرى فإن النفي الليبي للاتهام كان منطقيًا ومستندًا على عدم توفر أي دليل، بل وتحدث ليبيا السودان باثبات الاتهام عليها.
- لماذا السودان؟
أمام حكومة السودان حاليًا عقبة كؤود وهي تهديد المليشيات والعصابات الجنوبية لمنابع النفط، والتي يؤول عليها إنقاذ الأزمة الاقتصادية السودانية، إضافة إلى قناة جنقلي ذات الآثار الاقتصادية الهامة لجنوب السودان وشماله ومصر على حد السواء، كما أن التهديدات الليبية والأثيوبية للسودان جعلته أمام حاجة ماسة لتقوية دفاعه بعتاد حربي جوي وأرضي من الصديقة أمريكا، وكانت أمريكا قد ترددت كثيرًا في الموافقة على منح السودان مساعدات حربية متقدمة، فكان لا بد من وسيلة لاستفزازها للتعجيل بهذه المساعدات، فتم اختيار ليبيا كبشًا للفداء باعتبارها حليفة الاتحاد السوفياتي، وقد دعم هذا الحدث أن عجلت أمريكا بعد الغارة مباشرة بمنح السودان المساعدات العسكرية لتقوية دفاعه الجوي.
والسؤال الذي يطرح نفسه: هل يمكن للرئيس السوداني الذي بدأ يتوجه نحو الإسلام أن يقوم بعملية كهذه يروح ضحيتها خمسة من المواطنين الأبرياء؟
أما التحليل الذي ورد على لسان سياسي جنوبي في لندن من أن الطائرة هي إف (١٥)، وقد قام بعملية الغارة ضابط سوداني معارض للرئيس نميري، فقد ذكر شاهد عيان من أن الطائرة ليست من نوع إف (١٥)، ولكنها طائرة ضخمة، ولا يعرف نوعها، وكانت قد حلقت على مستوى منخفض جدًا بحيث يمكن لكل شخص أن يراها بسهولة.
أما كان بالأحرى أيضًا لهذا الضابط أن يقوم بهذه العملية الانتحارية لقتل الرئيس نفسه، أو ضرب مركز إستراتيجي أكثر أهمية من المباني الإدارية للإذاعة؟
- لماذا أمريكا؟
يمثل السودان حليفًا إستراتيجيًا بالنسبة لأمريكا نظرًا لمساحته الكبيرة كحاجز ضخم بين حليفي الاتحاد السوفياتي أثيوبيا وليبيا، وبفقدانه يسهل تطويق مصر الحليفة الأمريكية الأخرى وتهديدها.
ومن جهة أخرى فأن الكونغرس قد وقف عقبة أمام الموافقة على مطالبة ريغان بمنح السودان مساعدات عسكرية، وفي مثل هذا الموقف يمكن لإدارة ريغان -ذات السوابق الشبيهة- أن تختلق مثل هذه العملية الاستفزازية للكونغرس للموافقة على مطالبه.
وهنا لا يمكن لأمريكا أن تقوم بمثل هذه العملية لوحدها دون التنسيق مع حكومة السودان أو مصر، أو ليبيا كما يتوقع بعض المحللين السياسيين، الذين يعتقدن في ثمة تنسيق أمريكي ليبي يتم تحت الخفاء رغم الجفاء الواضح أو المصطنع.
- لماذا مصر؟
منذ أمد بعيد وترى مصر في السودان منفذها وحليفها في كثير من المسائل والقضايا السياسية، والاقتصادية، والعسكرية، والبشرية، ولذلك كان السعي نحو التكامل مع السودان من جانبها ومن الجانب السوداني أيضًا، ولذلك لن تتهاون مصر بالتفريط في السودان، وتريده أن يدور في فلكها الأمريكي أو غيره، وقيام مثل عملية الغارة هذه تفيدها كمدخل لوضع اتفاقية الدفاع المشترك موضع التنفيذ؛ توثيقًا للعلاقة، وتأكيدًا للتكامل باعتبار السودان يمر بفترة عصيبة، ومن جانب آخر وبطريقة غير مباشرة يمكن بهذه العملية أن تستقطب الرأي الأمريكي بمساعدة السودان؛ إذ بمقدور أمريكا العمل على توثيق العلاقة المصرية السودانية.
وما يؤيد هذا الاستقراء الوصول السريع لوزير الدفاع المصري للسودان بعد ست ساعات من الغارة، كما يدعمه السعي النشط لحكومة مبارك في مناقشة القضية والوصول فيها لحلول سريعة، ثم الاتصال المكثف بالرئيس ريغان في شأن مساعدة السودان عسكريًا، ولا يستبعد أن تكون قد جرت مشاورات بين مصر والسودان وأمريكا في هذه الخطوة حول الوسيلة، والغاية، أو حول الغاية فقط.
- نبذ الخلاف أولى:
لقد نتج تباين الآراء حول الغارة الجوية على أم درمان بسبب انعدام الأدلة القاطعة والشهود المختصين، بحيث اعتمدت جميع الجهات المتبادلة للاتهامات على المظان والتكهنات فقط، وأيضًا يسبب وحدة المصدر وهو الحكومة السودانية وبيانها الذي أذاعته، وما ستقدمه لمجلس الأمن الدولي بعد رفعها للشكوى ضد ليبيا، وسيظل الأمر هكذا حتى تتكشف أسراره وأسبابه، وتتضح حقائقه، وسوف يحدث بإذن الله عاجلًا أم أجلًا.
وأيًا كان مصدر هذه الغارة ليبيا، أو السودان، أو مصر وبأسلوب مباشر، أو غير مباشر، فإن أمتنا الإسلامية تمر اليوم بحالة لا تحسد عليها؛ إذ يكفي ما بها من جراح وتفرقة، فالأولى أن يعمل لجميع الترميم ما فسد، وبناء ما انهدم، وأن تسعى كل دولة لنبذ الخلاف لا لتأجيجه، وفتح نار الشقاق والتوتر بين الجارات، فلحساب من يجري كل هذا؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل