; نظرية الصحيفة البيضاء.. ومصير تعاقدات نظام «مبارك» | مجلة المجتمع

العنوان نظرية الصحيفة البيضاء.. ومصير تعاقدات نظام «مبارك»

الكاتب د. عبد الله الأشعل

تاريخ النشر السبت 25-يونيو-2011

مشاهدات 62

نشر في العدد 1958

نشر في الصفحة 66

السبت 25-يونيو-2011

تمر مصر اليوم بمرحلة حاسمة في تاريخها ، تدخل بعدها في نظام ديمقراطي لأول مرة، وسيظل أهم ضمانات عدم انزلاقها إلى ظلال حكم مبارك، هو زخم الثورة في نفوس كل مواطن، وسوف يظل ذلك لعشرات الأجيال القادمة، رغم أن هذا الجيل قد لا يتفق تمامًا على نمط نموذجي لحياته السياسية، لكن مصر لن تعاني الانتكاسة مرة أخرى.

فتحت الثورة في مصر صفحة جديدة في الداخل والخارج لأنها قامت أصلاً ضد الصفحة القديمة، ومصر أشبه بالدولة التي احتلها نظام العصابة، بثوب مصري، ولكن بتخطيط أجنبي. وقد تأمر النظام في مصر على المصالح المصرية، وانعكس ذلك في التحقيقات والمحاكمات وتصريحات المسؤولين التي تشير إلى هذه الحقيقة حيث تم توجيه الاتهام بالفساد والتلاعب بالمصالح المصرية خلال التفاوض والتعاقد مع الأطراف الأجنبية، ولا تزال فضيحة تصدير الغاز لـ إسرائيل، تتكشف فصولها، معنى ذلك أن التزام الحكم الجديد بالمعاهدات الدولية المبرمة مع النظام السابق هي صيغة عامة لا تقدح في صحة نظرية الصحيفة البيضاء، بل إن الاحتلال والاستعمار الأجنبي أهون بكثير من الاحتلال الوطني في مصر وفي عدد من الدول العربية الأخرى، فالتحرر الوطني عن طريق حركات المقاومة التي أزاحت الاستعمار والاحتلال تشبه تمامًا حركات التحرر الوطني من الاحتلال الوطني، ولذلك فقد تحررت مصر للمرة الثانية بعد تحررها من الاستعمار البريطاني الذي حفظ حقوق مصر في مياه نهر النيل وفرط فيها نظام «مبارك» المصري عمدًا، ومكن التلاعب في هذه الحقوق عن بصيرة، حيث باع مصر كلها وأهدر كل حقوقها وقزمها وتعمد الإضرار بكل قطاعات الحياة فيها مما برر تقديم بلاغات ضده للسلطات القضائية بتهم إبادة الشعب المصري، وتهم الخيانة العظمى وامتهان الدستور وتدمير المؤسسات، وإحداث قطيعة رهيبة بين الشعب والشرطة وحكم البلاد بالأذرع الأمنية وحدها.

وتشهد كافة التقارير الدولية في كل المجالات أن هذا النظام الفاسد وضع مصر في ذيل الأمم عمدًا، رغم ثرواتها البشرية والطبيعية الهائلة مما يفقد هذا النظام كل مصداقية وأهلية للتعاقد نيابة عن مصر، خاصة وأنه يتعاقد بالمخالفة لأحكام الدستور.

وتقضي نظرية الصحيفة البيضاء، التي اعترفت بها اتفاقية فيينا للتوارث في مسائل المعاهدات لعام ۱۹۷۸م، بأن كل المعاهدات التي أبرمها المستعمر نيابة عن الدولة المستعمرة لا تسري إلا ما أقرته هذه الدولة يوم استقلالها مع استثناءات قليلة تتعلق بالحدود والأوضاع الإقليمية، ولكن نظرية الصحيفة البيضاء، في حالة النظام المستبد الفاسد الذي اقتلعته الثورة المصرية تجعل معيار القبول بما أبرمه نظام مبارك، هو أن يكون نفع المعاهدات والعقود للشعب نفعًا محضًا، أما ما كان ضرره محضًا للشعب ونفعًا للنظام الفاسد ؛ فيجوز للنظام الجديد أن يغفله؛ لأن مثل هذه العقود والمعاهدات يشوبها البطلان المطلق بسبب فساد الطرف المصري المتعاقد وانحرافه عن تحقيق أهداف الشعب، بل وفقدانه لأي شرعية تؤهله للنيابة عن الشعب المصري مع الأطراف الخارجية.

تصدق هذه القاعدة على كل المعاهدات والعقود التي أبرمها نظام مبارك، خاصة وأنه رهن مصالح مصر العليا مقابل ارتباطات ومصالح شخصية تضر الشعب المصري الذي أقسم على رعاية مصالحه رعاية كاملة.

ولا شك أن مؤامرة تصدير الغاز إلى إسرائيل بالمخالفة لأحكام القضاء المصري وبما يخدم إسرائيل، على حساب الشعب المصري هي أول اختبارات هذه النظرية، لأن كل العقود والتفاهمات والاتفاقات التي بقيت سرية حتى الآن عن الشعب وحتى مؤسساته التي سيطر عليها النظام وأفسدها مخالفة للدستور والقانون، كما أنها يشوبها البطلان بسبب الفساد، فالفساد يبطل أي عقد على أي مستوى في فقه التحكيم الدولي المستقر، فلا عبرة بالتهديد باللجوء إلى التحكيم الدولي لأن القضية خاسرة ابتداء، بل إن وقف ضخ الغاز لـ إسرائيل، فورًا أمر واجب في ضوء بطلان العقد وطنيًا كان أو دوليًا، وفضلاً عما يسببه تصديره بهذه المواصفات التي استفاد منها مبارك، ولا تفيد الشعب بل تضره، حيث إن الشعب يدفع فروق أسعار تصديره، كما أنه إهدار السيادة مصر التي من حقها أن تختار عملاءها لتصدير الغاز إليها بالأسعار التي تحددها مادام الأمر تجاريًا وليس سياسيًا.

ويزداد البطلان وضوحا إذا ثبت أن وثائق تصدير الغاز تم إلحاقها باتفاقية السلام، لأن هذا الإجراء فاسد يناقض الدستور المصري، وتم خارج اختصاص مجلس الشعب وفق الفقرة الثانية من المادة (١٥١) من الدستور، رغم إفساد مجلس الشعب وقياداته وتوظيفه لصالح النظام المتواطئ مع «إسرائيل».

تستند نظرية الصحيفة البيضاء، إلى نظريات أمريكية بررت إسقاط ديون العراق التي تعاقد عليها صدام حسين، كما أسقطت مطالبة إيران بالتعويضات عما أصابها من عدوان صدام حسين عليها طوال ثماني سنوات.

تستند هذه النظرية إلى أن حروب صدام حسين، لا تخدم الشعب العراقي، كما أنه هو نفسه لا يستند في حكمه إلى شرعية الرضى والقبول : فلا يعقل أن يتحمل الشعب العراقي ديونا استلمها لتمويل مغامراته، وتعويضات عن هذه المغامرات. ويصرف النظر عن ظروف توظيف هذه النظريات، فإنها أصبحت جزءًا مهمًا من الفقه الدولي يمكن الاعتماد عليها في دعم التطبيق المقترح لنظرية الصحيفة البيضاء، في مسائل التوارث الدولي.

(*) أستاذ القانون الدولي - مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق

الرابط المختصر :