العنوان رحلة في أعماق طاجكستان
الكاتب مصطفى الطحان
تاريخ النشر السبت 10-يناير-2004
مشاهدات 91
نشر في العدد 1584
نشر في الصفحة 34
السبت 10-يناير-2004
● قصة الطاجيك عبر التاريخ مليئة بالأحداث
● دخلها الإسلام في عهد الأمويين عام ٧٠٦م.. وفي القرنين التاسع والعاشر الميلاديين. ● قامت دولة السامانيين التي ضمت أجزاء من آسيا الوسطى وأفغانستان.
● يفخر الطاجيك بعباقرتهم المسلمين البخاري، والترمذي، والخوارزمي، وابن سينا، وعمر الخيام.
● توصف شعوب الطاجيك والأوزبِك بأنها الأكثر تمسكا بالإسلام في منطقة ما وراء النهر.. ولهذا السبب فقد ركزت الدعاية الشيوعية عليهم لنشر الإلحاد بكل الوسائل.
● ما زالت التحف الأثرية النادرة التي كانت تعرف بكنوز «جيحون» تعرض في متاحف روسيا ولندن شاهدة على مذابح الروس.
● وقف المسلمون إلى جانب الثورة الاشتراكية عام ۱۹۱۷م بعد وعد بمنحهم الحرية والاستقلال.. إلا أن البلاشفة بعثوا إليهم بالدبابات لسحقهم!
● أناتولي أدامشين نائب وزير الخارجية الروسي: لدينا مصالح اقتصادية في طاجيكستان وظفنا أموالًا طائلة في ذلك البلد هناك معادن أرضية نادرة واليورانيوم والقطن وطاقات اقتصادية كبيرة.. فلماذا نترك كل ذلك؟
● الغرب يراقب طاجيكستان عن كثب وخلال الصراع بين الإسلاميين والشيوعيين أعربت أمريكا عن رغبتها في بقاء الشيوعيين في الحكم.. قدمت لهم الأسلحة تحت ستار المواد الإغاثية
«إسرائيل» أصبحت تحوز أملاكًا واسعة ومؤسسات اقتصادية مهمة وتقوم بترحيل اليهود الطاجيك إلى إسرائيل
دوشنبیه: مصطفى الطحان
مع صحبة غالية قررنا زيارة إحدى بلاد وسط آسيا.. فوقع الاختيار على طاجيكستان.. البلد الجميل.. بأشجاره الباسقة التي ترحب بك في كل شارع من شوارع العاصمة الأنيقة النظيفة دوشنبيه.. وتتنوع هذه الأشجار بأزهارها وأثمارها كلما أوغلت شمالًا أو جنوبًا في البلاد.. أو كلما حللت ضيفًا على إحدى غاباتها تمتع ناظريك بمنظرها.. أو شنفت أسماعك أصوات الطيور بزقزقاتها العذبة الجميلة.. وإذا قال لك مرافقك الذي يقود السيارة بعنف لا يناسب الطريق الضيق شديد الانحدار أو شديد الصعود إن هذا فرع من نهر جيحون.. نقلتك العبارة إلى جيوش الفتح التي حملت راية التوحيد ومعه العدالة والحرية والحق وهي تجتاز النهر لتصل إلى بلاد ما وراء النهر.. ومن دون أن تكره أحدًا اقبل الناس على الدين الجديد.. واليوم وبعد مرور قرابة خمسة عشر قرنًا.. لا يتذكر الشعب رغم ما أصابه من مكروه الشيوعية والاحتلال الأحمر والإرهاق.. سوى إسلامه الذي ألقى نفسه في أرجائه سعيدًا راضيًا يرجو رحمة ربه وينشد ثوابه.
من شرفة الفندق الأنيق النظيف يمكنك أن تشاهد كل ما تتمتع به طاجيكستان من جمال المنظر وحلاوة المعشر وكرم الضيافة.. فإذا تجولت في حديقة الفندق واجهتك أشجار «الكاكا» والكرز والعنب والنعم الكثيرة التي هي في متناول الزائر..
وإذا تدخل فساد النظام.. أو سوء التدبير وجدت بعض المنشآت قد توقفت عن العمل.. فلم تجد من يبدلها أو يصلحها.. وكذلك هي الحضارة الشيوعية... حضارة مادية بلا صيانة.. لا تهمها حرية الإنسان ولا فكره ولا أشواقه.. ولا تهمها صيانة أدواته.. فتتحول المنجزات مع الزمن إلى حديد خردة.
هذه الحضارة لا تنسى أن تزرع لك عيونًا في جهاتك الأربع.. تضحك معك وتفتعل الحكاية... لعلها تستنبط كلمة أو تلاحظ موقفًا تحمله ما لا يحتمل.. ما أشقى الإنسان الذي يراقب الآخرين
مقابل دريهمات.. وما أشقى الإنسان الذي يشعر بأنه مُلاحَق.. أو أنه متهم بدون تهمة!
ماذا يضر النظام إذا كان اسمك حسن أو أحمد.. بل ما يضره إذا كان فكرك في هذا الاتجاه أو الاتجاه الآخر.. أسلوب يقضي على سلام الفرد وعلى أمن المجتمع.. ومن هنا اعتبره الإسلام من الجرائم التي تستحق العقاب.
الإنسان الطاجيكي إنسان مضياف.. لا تكاد تستقر في بيته حتى تمتد أمامك وليمة عامرة.. تبدأ بالمقبلات الكثيرة.. ثم الطعام المتنوع؛ الأسماء والأشكال وأخيرًا بسلطان الطعام الذي هو الأرز الفاخر اللذيذ.
الموقع والسكان: طاجيكستان إحدي الجمهوريات الإسلامية المستقلة التي تشكل حاليًا مع مجموعة جمهوريات الإتحاد السوفييتي السابق منظمة دول الكومونولث. وهي تشغل الزاوية الجنوبية الشرقية بالنسبة لهذه الجمهوريات تحدها أفغانستان من الجنوب، وقرقيزيا وأوزبكستان من الشمال، والصين من الشرق وأوزبكستان من الغرب، ولها حدود ضيقة مع باكستان من جهتها الجنوبية الشرقية.
تشغل هضبة البامير -وهي أعلى هضبة في العالم -أكثر من نصف مساحة طاجيكستان في أجزائها الجنوبية والجنوبية الشرقية. أما الأجزاء الشمالية فتوجد فيها جبال الآي.
سهول البلاد الخصبة تقع في جزئها الغربي والجنوبي الغربي. تعرف البلاد بغزارة أمطاره ووفرة مياهها. يمر نهر جيحون الكبير من أطرافها الجنوبية الغربية مكونًا على ضفتيه مناطق زراعي خصبة تبلغ مساحتها ١٤٣ ألف كم ٢.
أما السكان فيصل عددهم إلى ستة ملايين نسمة. وهم خلافًا لمعظم الجمهوريات الإسلامية المجاورة يتكلمون اللغة الفارسية. وهم في غالبيتهم من السنة الأحناف، باستثناء أعداد قليلة ينتمون للطائفة الإسماعيلية الآغا خانية يسكنون هضاب البامير في إقليم «غورنوبدخشان».
أما من الناحية العرقية فيمثل الطاجيك ٦٢% من مجمل السكان، والأوزبك ۲۳% والروس ٦,٧% «نصفهم في دوشنبيه» «معظم الروس هاجروا بعد إقرار اللغة الطاجيكية لغة رسمية في البلاد» وهناك أقلية المانية في حدود ١% وبقية الـ ٦% تتوزعها أقليات إسلامية «التتار والقرقيز والتركمان...»
أهم المدن
دوشنبيه: العاصمة وقد عادت لاسمها القديم بعد أن أطلق عليها الشيوعيون اسم ستالين آباد. تقع غرب البلاد في المناطق السهلية، سكانها أكثر من مليون نسمة.
ترمذ: تقع غرب البلاد وهي ذات طابع تاريخي إسلامي، وإليها ينتسب الإمام الترمذي.
خوجند: وكانت تسمى لينين أباد أيام الاحتلال يعيش فيها نسبة عالية من الأوزبك. تقع المدينة شمالي البلاد في عمق الأراضي الأوزبكية. وهي من أكثر المناطق نموًا في طاجيكستان ومن أغناها باليورانيوم.. وتضم مصانع ضخمة لإنتاجه وتنقيته.
كورغان تبه: وهي مركز إداري يكثر فيها أتباع حزب النهضة الإسلامي.
وكولاب: في الجنوب.
الموارد الطبيعية والحياة الاقتصادية
تشتهر طاجيكستان بتربية الماشية وصناعة الجلود وصناعات النسيج القطني والأصواف والحرير، والصناعات الهندسية وصناعات التعدين ومولدات الكهرباء، وتوجد في البلاد كميات تجارية من اليورانيوم والفحم والحديد والذهب والزنك والتنغستن، أما في المجال الزراعي فمن منتجاتها القطن «مليون طن سنويًا» والقمح والذرة.
أما وضع البلد الاقتصادي فإن أكثر من ٧٠% من سكانه يعيشون دون مستوى الفقر.
الإسلام في طاجيكستان: دخل الإسلام المنطقة على يد الفاتحين المسلمين في عهد الأمويين عام ٧٠٦م. وفي القرنين التاسع والعاشر الميلاديين قامت في تلك الديار دولة السامانيين التي ضمت جزءًا كبيرًا من أراضي آسيا الوسطى الحالية وأفغانستان. وكانت عاصمتها بخارى، وهي من أكبر الحواضر الثقافية في العالم الإسلامي في ذلك الحين. لكن بخارى سقطت خريف سنة ٩٩٩م في أيدي القبائل التركية الرحل.
ويفخر الطاجيك بعباقرتهم المسلمين أمثال الإمام البخاري، والترمذي، والخوارزمي، وابن سينا والشاعر الفردوسي، وعمر الخيام صاحب الرباعيات المشهورة، والفلكي أبو محمود الخوجندي.
في سنة ١٨٨٠ م تحركت جيوش القيصر الروسي للاستيلاء على هذه البلاد بعد أن تمزقت إلى دويلات صغيرة، إلا أن المقاومة الإسلامية بقيادة الشيخ المجاهد دوكجي إيشان أعاقت تقدم هذه الجيوش، ولكنها لم تحل دون سيطرة الروس بعد أن قتل إيشان وقضي على المقاومة. ومازالت التحف الأثرية النادرة التي كانت تعرف بكنوز جيحون تعرض في متاحف روسيا ولندن شاهدة على غدر هؤلاء وخيانتهم.
وعلى الرغم من الصراع الدامي بين الكنيستين الكاثوليكية والأرثوذكسية فإن بابا الفاتيكان أيد القيصر الروسي في استيلائه على بلاد المسلمين وتمزيق دولتهم.
بعد الحرب العالمية الأولى وقف المسلمون إلى جانب الثورة الاشتراكية التي قامت عام ۱۹۱۷م، والتي وعدت بإعطائهم حريتهم واستقلالهم... إلا أن البلاشفة ما إن أحكموا سيطرتهم على روسيا حتى بعثوا بجيشهم الأحمر لسحق الشعوب الإسلامية التي وقفت إلى جانبهم!
في سنة ۱۹۲۱م انطلقت شرارة الجهاد تحت اسم «بسماش» أي ثورة المجاهدين يقودها إبراهيم بيك في غربي البلاد ومدوم فضيل في شرقيها و دولت بيك في الجنوب.. إلا أن الفارق الكبير في الإمكانات والمجازر الرهيبة التي ارتكبها الشيوعيون.. أدى إلى انهيار المقاومة.. وعندما التجأ زعماء الجهاد إلى أفغانستان.. سلمهم الملك نادر شاه إلى روسيا التي قضت
عليهم جميعًا.
في العهد البلشفي أنشئت جمهورية طاجيكستان الاتحادية عام ١٩٣٩م بعد أن كانت إقليمًا تابعًا لأوزبكستان منذ عام ١٩٢٤م. وكان الهدف السياسي الذي يرمي إليه الروس هو تفتيت وحدة هذه البلاد وإيجاد نوع من الصراع العرقي والمذهبي بين المسلمين، فقد كانت طاجيكستان جزيرة فارسية في محيط طوراني تركي.
في الأعوام العشرة من ۱۹۲۸ - ۱۹۳۸م شهدت البلاد صراعًا حادًّا بين السكان الطاجيك وجموع المستوطنين الروس تمكن خلالها الشيوعيون من تصفية جيل كامل من مثقفي الطاجيك المسلمين وخاصة أيام ستالين «زاد عدد قتلى المسلمين في منطقة آسيا الوسطى على عشرين مليون مسلم!». ولم يزد الإرهاب الشيوعي الطاجيك إلا تمسكًا بهويتهم ودينهم.. خاصة مع هيمنة الكنيسة الأرثوذكسية في روسيا ومطالبتها بجعل المذهب الأرثوذكسي دينًّا رسميًا للدولة.
توصف شعوب الطاجيك والأوزيك بأنها الأكثر تمسكًا بالإسلام في منطقة ما وراء النهر.. ولهذا السبب فقد ركزت الدعاية الشيوعية على هذه المنطقة فنشرت فيها الإلحاد مستخدمة كل الوسائل مثل الكتاب والمراكز الثقافية والجامعات وغيرها.
طاجيكستان بعد الاستقلال
- في مرحلة الإنفتاح الديمقراطي التي مارسها جورباتشوف، ومحاولاته الإصلاحية التي استهدف منها الحفاظ على كيان الاتحاد السوفييتي الشيوعي من خلال تنفيس الضغوط الهائلة التي تراكمت على شعوب تلك البلدان فأقصى جورباتشوف في مارس ١٩٨٥م رحمن نبييف الأمين الأول للحزب الشيوعي الطاجيكي. أحد بقايا تركة بريجينيف.. وعين مكانه رئيس البرلمان قدر الدين أصلانوف.
- ثورة فبراير ۱۹۹۰م كانت المحاولة الأولى التي قام بها الشعب الطاجيكي للتعبير عن
سخطه ضد الشيوعيين استخدم الجيش كل أشكال العنف لإيقاف الثورة.. وسقط عشرات القتلى والجرحى.. ولقد عجلت الأحداث بهجرة الروس فزرعت في نفوسهم عدم الثقة بسلامة مستقبلهم.
- في ۱۹ اغسطس ۱۹۹۱م قاد ضباط متشددون في موسكو محاولة انقلابية ضد جورباتشوف بحجة أنه يفكك الاتحاد السوفييتي.. ولقد أثارت محاولة الانقلاب الفاشلة هذه نقمة شعبية عارمة في طاجيكستان ضد الحكومة الشيوعية في دوشنبيه التي أظهرت تأييدًا كبيرًا للانقلابيين.
- على إثر فشل الانقلاب وسقوط جورباتشوف.. وتفكك الاتحاد السوفييتي.. أعلن البرلمان الطاجيكي استقلال البلاد وحل الحزب الشيوعي وكان ذلك في ٢٥ أغسطس ١٩٩١م.
- في ٢٤ نوفمبر ۱۹۹۱م أجريت أول انتخابات رئاسية بعد الاستقلال فاز فيها الشيوعي السابق رحمن نبييف رئيسًا لطاجيكستان بأغلبية٥٤% بينما حصل حزب النهضة الإسلامي على ٢۳%، وادعت المعارضة أن الانتخابات زُوِرت. وعلى الرغم من أن نبييف انتخب بشكل حر في ظاهر الأمر إلا أنه ضرب عرض الحائط بقانون الانتخابات الذي ينص على تشكيل حكومة وفاق تضم أعضاء من المعارضة يتناسب عددهم مع نسبة الأصوات التي حصلوا عليها.. وشكل حكومة شيوعية بحتة. وأقر البرلمان الذي ما زال شيوعيًّا منع تأسيس أحزاب على أساس ديني وهو قانون موجه أساسًا ضد حزب النهضة.
- في ٣٠ أبريل أعلن نبييف حالة الطوارئ والحكم الرئاسي المباشر لمدة ستة شهور.. فتفجر الغضب الشعبي واحتشدت المعارضة من أنصار حزب النهضة الإسلامي وهو أقوى الأحزاب وأوسعها انتشارًا، وأنصار الحزب الوطني الديمقراطي الذي شكله البروفسور شارمان يوسفوف وطرح برنامجًا علمانيًّا يرضي سائر القوميات وأنصار اتحاد القوى الديمقراطية «راستوخيز» الذي أسسه «طاهر عبد الجبار» وهو يدعو إلى إحياء التراث القومي الطاجيكي المرتبط بالثقافة الفارسية والذي يعارض إقامة دولة إسلامية. احتشد كل هؤلاء يوم ٢٦ مارس ١٩٩٢م في ساحة الشهادة.. بينما احتشد الشيوعيون وأنصار الحكم السابق والذين هم في معظمهم من منطقة خوجند في الشمال، ومتطوعون جيء بهم على جناح السرعة من منطقة «كولاب» في الجنوب، احتشدوا في ساحة أزادي.. وهكذا وقف الفريقان وجهًا لوجه أمام البرلمان في وسط المدينة.
- في 7 مايو ۱۹۹۲م استولت المعارضة على الإذاعة والتلفزيون، وانضم إليها الجنرال رحمانوف بهرام رئيس فرقة الحرس الجمهورى، وفي ١١ مايو وافق نبييف على مطالب المعارضة وهي: تشكيل حكومة ائتلافية تتسلم فيها المعارضة ثماني وزارات منها الدفاع والأمن.. واستقالة الشيوعيين المتشددين، وتشكيل «مجلس نيابي» مؤقت يمارس صلاحياته حتى إجراء انتخابات برلمانية متعددة الأحزاب في ٦ ديسمبر ١٩٩٢م. ولقد شارك دولت عثمانوف ممثل حزب النهضة في الوزارة بمنصب نائب رئيس الوزراء بينما تسلم الجنرال «رحمانوف» منصب وزير الدفاع.
الجبهة الشعبية تتصدى للحكومة
شكَّل خصوم الحكومة الائتلافية في كولاب ما يسمى الجبهة الشعبية.. وهي أشبه ما تكون بالعصابات المسلحة.. استطاعت في بضعة أشهر أن تقطع الطريق بالقتال من حدود طاجيكستان الجنوبية إلى العاصمة، وأن تستولي على الحكم في دوشنبه.
حاولت حكومة دوشنبه التصدي للمتمردين، وطالبت الرئيس نبييف باتخاذ إجراءات لنزع سلاح الكولابيين، وعندما ماطل في تنفيذ ذلك نحوه عن مركزه بالقوة وجاءوا بحكومة جديدة برئاسة أكبر «شاه إسكندروف».
دور موسكو في الأحداث
بالرغم من الإعلان الرسمي عن استقلال طاجيكستان إلا أنها ما زالت مقيدة بروسيا في كل
شيء. فاقتصادها المنهار، وعدم وجود جيش خاص بها، ووجود المستوطنين الروس القابضين على الأمور المهمة، واحتواء أراضيها على ثلث مخزون اليورانيوم في الاتحاد السوفييتي المنهار. وتنامي التيار الإسلامي.. كل هذه الأسباب جعلت روسيا تحكم قبضتها على هذه المنطقة. يقول آنا تولي أدامشين نائب وزير الخارجية الروسي: «إن لدينا مصالح اقتصادية في طاجيكستان، فقد وظفنا أموالًا طائلة في ذلك البلد وهناك معادن أرضية نادرة واليورانيوم والقطن، وطاقات اقتصادية كبيرة فلماذا نترك كل ذلك؟».
الحرب الأهلية
في ٣٠ سبتمبر ۱۹۹۲م سيطرت قوات روسية على مطار دوشنبيه، وفي ١٠ ديسمبر دخلت قوات الجبهة الشعبية بعتاد أوزبكي ودعم روسي العاصمة دوشنبيه وأسقطت الحكومة الائتلافية. وعزلت إسكندروف ووضعت مكانه إمام علي رحمانوف الذي أصبح بذلك أول كولابي يصعد إلى قمة هرم السلطة في طاجيكستان.
إن أرقام الخسائر التي سببتها الحرب الأهلية هي من الهول بحيث تبدو وكأنها بعيدة عن الحقيقة يكفي القول إن أكثر من ٨٠٪ من المصانع دمر تدميرًا كاملًا في البلاد وخاصة في مدن كورغان تبه، وكولاب، وخوجند وهي من المعاقل القوية لحزب النهضة الإسلامي. فقد استعمل الجيش الدبابات والمدفعية الثقيلة ضد النساء والأطفال، وأحرقت المدارس وروضات الأطفال. وتدل الإحصاءات الرسمية على أن ضحايا المذابح بلغ ٦٠ أو ٧٠ الفًا. أما النازحون فهم في حدود المليون.
وقد تصدت الطائرات الحربية للشعب الأعزل الذي لجأ إلى أفغانستان وقتلت آلاف الناس وهم يحاولون عبور نهر«أمودريا» في مياهه المجلدة.
ولم يجد قادة حزب النهضة الإسلامي الذي قاد الكفاح الشعبي ضد الشيوعيين غير التوجه إلى إخوانهم وأهلهم في أفغانستان وإعادة تنظيم صفوفهم واعتماد مبدأ الجهاد لتحرير بلدهم.
التسوية السلمية للنزاع
لم ترفض المعارضة الإسلامية الدخول في مباحثات سلمية مع الحكومة المتسلطة الشيوعية.. فهي تعلم أن الحروب لا تحل مشكلة، وأن استمرارها سيكون على حساب الشعب الطاجيكي. وقد طالبت المعارضة أن تكون المفاوضات برعاية الأمم المتحدة والمجلس الأوروبي والدول الإسلامية مثل المملكة العربية السعودية وباكستان وإيران وأفغانستان.
عقد الطرفان أول اجتماع لهم في موسكو في الخامس من أبريل ۱۹۹٤ واتفقا على تشكيل لجنة مشتركة لتسوية مشكلة اللاجئين.
وفي ١٨ يونيو ۱۹۹٤ عقد الاجتماع الثاني في طهران... والذي ركز أساسًا على وقف إطلاق النار بين قوات الحكومة والمعارضة ونشر مراقبين من الأمم المتحدة على الحدود الطاجيكية - الأفغانية المراقبة وقف إطلاق النار.
وفي ۲۰ أكتوبر عقد الاجتماع الثالث في إسلام آباد بوساطة من الأمم المتحدة واتفق الطرفان على وقف الأعمال الحربية على الحدود وداخل البلاد حتى السادس من فبراير ١٩٩٥، ووقع الطرفان برتوكولًا بشأن اللجنة المشتركة التي ستراقب الاتفاق.
كانت المعارضة تطالب بتأجيل الانتخابات الرئاسية التي أعلنت الحكومة عن إجرائها في أوائل نوفمبر ۱۹۹٤م.. وأصرت الحكومة ونجح رئيس البرلمان إمام علي رحمانوف في غياب ومقاطعة المعارضة.
حزب النهضة الإسلامي
ولكن كيف استطاع حزب النهضة أن ينال هذه المكانة في هذه المدة القصيرة من عمر الاستقلال في طاجيكستان...؟ مما لا شك فيه أن للإسلام جذورًا حضارية عميقة في هذه المنطقة.. وازدهرت في مدنها الثقافة الإسلامية خصوصًا في بخاري وسمرقند الواقعتين حاليًا في أوزبكستان.
وبعد غياب قسري طويل انحسر فيه تأثير الإسلام في الحياة العامة في الجمهوريات السوفييتية لأكثر من ٦٠ عامًا، عاد الإسلام إلى البروز بقوة منذ عهد الرئيس ميخائيل جور با تشوف فقد أعيد فتح نحو ثلاثة آلاف مصلى ومائة وخمسة وستين مسجدًا إضافة إلى المعهد الإسلامي الذي يضم ۱۲۰۰ طالب و ۲۸۰ طالبة.
ولقد تجمع المتدينون وتلامذة المدارس السرية والمبتعثون إلى الشرق العربي خصوصًا مصر في تنظيم أطلق عليه حركة النهضة، واختاروا روسيًّا من جمهورية داغستان رئيسًا لهم هو الدكتور «أحمد القاضي»، وعقدت القيادة المركزية للحزب مؤتمرها التأسيسي في صيف ۱۹۹۰م بمدينة استراخان الروسية، حيث حضره مائتا مندوب يمثلون تسع جمهوريات «سوفييتية». وتسارعت الأحداث إثر محاولة الانقلاب الفاشلة التي قادها «الضباط الروس المحافظون» ضد جورباتشوف وإصلاحاته التي انتهت بتفكيك الاتحاد السوفييتي واستقلال جمهورياته، فاستقلت فروع النهضة عن القيادة المركزية مع الاحتفاظ بعلاقات أدبية بينها، وحصل اثنان من الفروع التسعة على اعتراف رسمي، الأول في روسيا بحكم القانون، والثاني في طاجيكستان بحكم الأمر الواقع.
حركة النهضة الإسلامية تصف المرحلة فتقول: كان المسلمون يلتقون في بيوت يبنونها على شكل مكان لشرب الشاي «شاي خانه» يطلقون عليها كلوب، وزيادة في التمويه كانوا يعلقون على الجدران صور القادة الشيوعيين مثل ماركس، ولينين، وكانوا يسمون زاوية من هذا البيت الزاوية الحمراء. في مثل هذه الأماكن كان المسلمون يلتقون.
كانت طاجيكستان قد قطعت شوطًا كبيرًا في الحفاظ على هويتها الإسلامية، ولذا لم يكن يدعو للدهشة تحطيم تمثال لينين وكان أول نصب شيوعي يهوي في آسيا الوسطى. وسميت الساحة فيما بعد ساحة الحرية.
دور الغرب وإسرائيل في مواجهة الصحوة الإسلامية
تراقب دول الغرب أحداث طاجيكستان عن كتب، وكانت أمريكا قد عبرت عن رغبتها في بقاء الشيوعيين في الحكم كما أنها قدمت لهم الأسلحة تحت ستار نقل المواد الإغاثية، وعندما تعرضت كولاب في منطقة ربيع ١٩٩٢م لفيضانات كبيرة زارها السفير الأمريكي عدة مرات.
أما إسرائيل فقد أصبحت لها أملاك واسعة ومؤسسات اقتصادية مهمة في آسيا الوسطى يحميها رجال أمن يهود من نفس المنطقة. وتقوم إسرائيل بترحيل اليهود الطاجيك إلى إسرائيل.
لقد تحركت إسرائيل قبل بداية الأحداث الأخيرة حيث قام أربيه ليفي مدير الشؤون الخارجية الإسرائيلية بزيارات إلى كل من كازاخستان وطاجيكستان وقرقيزيا وأوزبكستان في فبراير ۱۹۹۲م درس فيها كيفية إقامة التعاون الاقتصادي الشامل بينها وبين هذه البلدان.
إن رؤساء هذه الدول وخاصة طاجيكستان يتلقون دعمًا كبيرًا من إسرائيل التي تشجعهم وتقنعهم عبر بعثاتها الدبلوماسية بضرورة التصدي للصحوة الإسلامية وضربها بل وجرها إلى معركة قبل أن يتم بنيانها.
الصين أبدت تخوفها الشديد تجاه أحداث طاجيكستان، وطلب الوفد الصيني الذي زار اوزبكستان مؤخرًا تعاون البلدين لمنع وصول الأصولية إلى بلديهما. فهي تخشى من امتداد الأصولية إلى منطقة سينغيانغ الصينية – ذات الأغلبية المسلمة - حيث يوجد ٣۰,۰۰۰ طاجيكي.
من الأمور التي تقلق الغرب امتلاك هذه الدول خبرات نووية.. والخشية من انتقالها إلى العالم الإسلامي.
يقول ليونيد فسكلير أحد العاملين في معهد كورتشاتوف النووي في موسكو: «إن طاجيكستان تمتلك عدة مناجم يورانيوم ومصانع لمعالجته ومخزونات من اليورانيوم غير المخصب في شمال البلاد». وفي تقرير للمعهد نفسه يفيد بأنه تم بناء أول مصنع لمعالجة اليورانيوم في طاجيكستان عام ١٩٤٦. كما تم استعمال إنتاجه لتصنيع القنبلة الهيدروجينية الأولى التي فجرت في عام ١٩٤٩م في كازاخستان فضلًا عن وجود مصنع كبير لليورانيوم في خوجند «لينين آباد سابقًا» أنتج عام ١٩٩٢م (۲۰۰۰) طنًا من أوكسيد اليورانيوم، كما أن أول قنبلة نووية روسية صنعت في طاجيكستان، وهكذا فقدرات طاجيكستان النووية كبيرة جدًّا، ولو صح ما نشرته صحيفة «زفيزدا» اعتمادًا على عدة مصادر غربية مطلعة حول المباحثات السرية بين عدة دول إسلامية وطاجيكستان بشأن القضية النووية، فهذا يعني الطامة الكبرى في نظر الولايات المتحدة وإسرائيل بالذات فضلًا عن روسيا التي لا ترضى بذلك مطلقًا، كل ذلك يفسر لماذا كانت القضية الطاجيكية هي الأسخن والأهم من بين قضايا الجمهوريات الإسلامية الأخرى؟