العنوان استثماراتنا وتهديدات القيود الأمريكية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 28-أبريل-1987
مشاهدات 64
نشر في العدد 815
نشر في الصفحة 10
الثلاثاء 28-أبريل-1987
موضوع الغلاف..
▪ التركيز على استثمار المال العربي في أمريكا وأوروبا أمر خاطئ
▪ عبد الرحمن العتيقي: الدول العربية غير مستقرة من ناحية القوانين لذلك لا يؤمن الاستثمار فيها
▪ عبد الله القبندي: يجب أن تتوفر الأسس السليمة للاستثمار في الوطن العربي
أصدرت لجنة الطاقة والتجارة في مجلس النواب الأمريكي «الكونغرس» مؤخرًا عددًا من مشاريع القوانين تهدف في مجملها لوضع قيود إضافية على الاستثمار الأجنبي داخل الولايات المتحدة الأمريكية، وتتعلق في المقام الأول بحقوق ملكية الأجانب في الشركات الأمريكية، وإلزام وزير المالية بتقصي كل محاولة من قبل الأطراف الأجنبية للتملك في شركات تعمل في الولايات المتحدة، وللوزير حق تقرير إمكانية تملك تلك الأطراف للشركات أم لا، وذلك في مدة أقصاها ٤٥ يومًا، ومهما كانت درجة التقويم للعملية الاستثمارية في الولايات المتحدة وجدوى عوائدها، فإن هذه التشريعات تعد عوائق أساسية في وجه الاستثمار عمومًا والاستثمار الخليجي والعربي على وجه الخصوص ويأتي هذا في الوقت الذي تضافرت فيه ضرورات عدة تستدعي الدول العربية النفطية إضفاء مزيد من العناية بالاستثمارات، فقد تناقص معدل التراكم في الفوائض المالية بسبب انخفاض العوائد النفطية على نطاقي الأسعار والإنتاج، ومن جانب آخر فقد استكملت أغلب تلك الدول بنيتها الاقتصادية الأساسية من مواصلات وأجهزة إدارية وغيرها.. مما يحتم إيجاد أنجح السبل في تحقيق الاستثمار الأمثل للفوائض المالية.
واستهداف الاستثمار يأتي من أهمية الحفاظ على القيمة الحقيقية للأموال وصونها من التآكل بسبب تقلبات أسعار الصرف، وآثار التضخم النقدي مما تفتقد معه قيمتها الشرائية، كما أن الاستثمار يعد ضرورة تجارية تقصد من أجل تحقيق الأرباح، وبذلك تشكل رافدًا مهمًا في الدخل القومي للدولة وللأفراد.. أضف إلى ذلك فإن العملية الاستثمارية تخلق نوعًا من الوعي يساعد في تطوير واستحداث العمل الاقتصادي.
وعلى مدى السنوات العشر الماضية، وبعد ما عرف بالصدمة النفطية الأولى سنة ۱۹۷۳ بالتحديد فقد تمت الاستثمارات الخارجية بشكل لافت للنظر، فالإحصائيات تقول: إن ما يقارب ٣٦٠ مليار دولار استوطنت الغرب الصناعي والولايات المتحدة الأمريكية، وتأتي في مقدمة الدول المستثمرة دولة الكويت والعربية السعودية، وتعتبر الكويت على وجه الخصوص من أرسخ الدول النفطية تقدمًا في مجال الاستثمار، فهي الأقدم والأكثر تنوعًا في الأنشطة الاقتصادية من استثمار مباشر واستملاك للأسهم، ومن استثمار في الأسواق المالية، وقد ظهرت نتائج تلك الاستثمارات في مساهمتها في الدخل القومي خاصة عندما انخفضت العوائد النفطية.
والاستثمار في الخارج عمومًا يعتمد أخف درجات المغامرة بمعنى السعي لتحقيق الأرباح بأقل الخسائر المحتملة.
وأكثر درجات المخاطرة تأثيرًا ذلك المرتبط بتقلبات السياسة الاقتصادية للدولة المضيفة للاستثمار، وعلى مدى العقد الماضي كانت الدول الأوروبية الصناعية والولايات المتحدة الأمريكية تستحدث من القوانين ما يعد عائقًا أمام انطلاق الاستثمارات القائمة، أو تلك التي في سبيلها للمثول ضمن النشاط الاقتصادي، ولعل واقعة سنتافي أوضح مثال، فقد اشترعت الحكومة الفيدرالية قانونًا يقضي بعدم أحقيتها في التنقيب عن النفط داخل الولايات المتحدة، وإن كان قد تراجعت جزئيًا إلا أن القيود ظلت قائمة.. وقد تكون هذه حالة فردية إلا أنها نموذج قابل للتكرار، كما أن درجة الأمان التي كانت تبدو شبه كاملة قد اختلت هي الأخرى، فقد أقدمت الولايات المتحدة مؤخرًا بتجميد الأرصدة الإيرانية وحجزت على ملكيتها، كما أن الأمر ذاته كاد أن يطبق على ليبيا وكل هذه المؤشرات تدعو إلى إعادة النظر في المسلمات التي دعمت توجه الاستثمارات للولايات المتحدة وتقودنا، هذه بالتالي إلى ضرورة إيجاد بدائل أكثر استقرارًا في تشريعاتها الاقتصادية وأكثر أمانًا في المحافظة على الأموال، كما أنها أقل تعنتًا في تكييف الاستثمارات من حيث التملك والاستثمار المباشر والمساهمة في الشركات، كما أن مثل تلك القوانين التي تتفحص في سمات ومعالم كل محاولة لتملك الشركات من الأطراف الأجنبية تعد هتكًا مباشرًا لسرية العمل الاستثماري وتوجهاته المالية، مما يفقد عنصري الحماية من الاستقلال والقدرة على المبادرة في تمايز الخيارات وردود فعلها.. وفي نطاق استصدار تلك القوانين وتعرض الاستثمارات الخليجية والكويتية لآثارها توجهنا بتساؤلنا لبعض الخبراء في شؤون الاستثمار حتى نستجمع أطراف الإشكالية.. الخبراء هم كل من الأستاذ: عبد الرحمن سالم العتيقي- وزير المالية الأسبق- المستشار بالديوان الأميري، والأستاذ عبد الله أحمد القبندي- رئيس مجلس إدارة شركة الاستثمارات الخارجية ومديرها العام.
فقد ذكر القبندي في تعليقه على مدی آثار تلك القوانين على الاستثمارات الكويتية كما يلي:
حقًا أقرت لجنة الطاقة والتجارة في مجلس النواب الأمريكي مؤخرًا مشروع قانون يهدف إلى إعلان حقوق ملكية الأجانب في الشركات الأمريكية.
ومن ضمن تفاصيل المشروع أن أي نسبة مساهمة في أي مؤسسة في الولايات المتحدة تتم من قبل مستثمرين أجانب يجب الإعلان عنها، وإذا زادت النسبة على ٢٥% فيجب أن يكون إعلانها مزودًا بتفاصيل مالية أساسية من قبل المستثمر.
ومشروع القانون هذا، إذا تم إقراره، فسيشمل الملكية في الشركات المدرجة في الأسواق المالية «البورصات» أو الشركات الخاصة.
كما أقرت اللجنة «لجنة الطاقة والتجارة في مجلس النواب» مشروع قانون يهدف إلى إلزام وزير التجارة بتقصي كل محاولة من أطراف أجنبية للتملك في شركات تعمل ضمن الولايات المتحدة الأمريكية، ولكن لوزير التجارة بعد مدة خمس وأربعين يومًا أن يقرر ما إذا كان تملك هذه الأطراف الأجنبية سيؤدي إلى ضرر للتجارة ضمن الولايات، ويرفع توصياته إلى الرئيس الأمريكي، والتي قد تشمل قيودًا على مثل هذا التملك، ويجب على الرئيس تطبيق هذه القيود أو أن يقرر بناء على دراسات أو أبحاث أخرى، بأن هذا التملك لا يضر بالمصلحة الوطنية.
ومن الطبيعي بأن مثل هذه الإجراءات إذا تم إقرارها ستشكل قيودًا على الاستثمارات، ولكننا لا نعتقد بأن مثل هذه القيود ستؤثر على الاستثمارات الكويتية.
جاءت إجابة الأستاذ العتيقي:
في البداية لا أعتقد أن القيود موجهة للاستثمارات الكويتية على وجه الخصوص، ولكن جميع الاستثمارات الأجنبية في أمريكا سوف تشملها القيود، وعلى ضوء ذلك لا أعتقد أن الاستثمارات العربية مستهدفة والإجراءات الأمريكية الأخيرة المتشددة يقابلها وسائل وقوانين تنظم عملية الاستثمار في أمريكا، من حيث أعمال الشركة وجنسيتها وكيفية الاستثمار، كل ذلك تحكمه عقود وقوانين لها شرعيتها، وبالتالي فإنه لا مجال للتخوف على استثماراتنا مع إدراكنا الدقيق لصعوبة الاستثمار في البلاد العربية والإسلامية من حيث انخفاض درجة الإدارة الفنية، وانعدام بعض أساسيات البنية الاقتصادية، إلا أننا نجد توطين الأموال ولو بصورة جزئية وعلى فترات زمنية وتدريجية أقرب لتحقيق ضمانات أكبر، وحتى ولو أسهمت الدول النفطية من أجل تطوير الأوضاع الاقتصادية والإدارية لتلك الدول، فإنها لن تجني من ذلك إلا مزيدًا من القبول، ويدعم هذا توجهاتنا في إقامة العمل العربي المشترك وتحقيق التكامل العربي الإسلامي.
هذا إذا علمنا أن الولايات المتحدة تنفرد بـ 40٪ من الاستثمارات العربية في الخارج، في حين أن الدول العربية والإسلامية لا تحظى بأكثر من ٣- ٧٪ من الاستثمارات.
وفي إطار البدائل جاءت نظرة الأستاذ العتيقي:
أتصور أنه لا توجد بدائل مشجعة للاستثمار، وعلى سبيل المثال الدول الأوروبية مجال الاستثمار فيها ضيق، وكذلك اليابان والدول العربية غير مستقرة من ناحية القوانين، لذلك لا يؤمن الاستثمار فيها والأسواق في العالم العربي ضيقة ولا تستوعب رؤوس الأموال الكبيرة.
كما جاء رد الأستاذ القبندي:
لا نعتقد بأن هناك تخوفًا من الاستثمار الخليجي كما أوردنا في إجابتنا عن السؤال السابق، أما بالنسبة للبدائل فإن إيجادها يتطلب مدى زمنيًا طويلًا، ونعني بذلك أن تتوفر الأسس السليمة للاستثمار في الوطن العربي، وذلك لن يتحقق إلا بعد أن تتحسن البيئة الاستثمارية في الوطن العربي عن طريق إعادة هيكلة الاقتصاد العربي وتحويله إلى اقتصاد منتج ومزدهر عن طريق الاستفادة من كل الإمكانيات المالية والمادية والبشرية المتاحة.
وقد نتفق مع الأستاذين حول ضرورة الإعادة الهيكلية للاقتصاد العربي، إلا أننا نعتقد أن الإرجاء ليس في مصلحة عالمنا العربي والإسلامي بأكمله، ما لم تسع من أجل تحديد المستقبل الاقتصادي والاستراتيجي له وبشكل عاجل، حيث إن الانتظار لم يعد هو الوضع الأمثل ولذا فإن عنصر المبادرة في إصلاح الهياكل الاقتصادية للدول العربية والإسلامية حتى تتسع قدرتها الاستيعابية أمر جد ضروري.
وفي المقابل نتلافي سيل القوانين التي تهدد ضمان استثماراتنا في الخارج.
وحول مدى الخطورة المترتبة على الاستثمار من جراء القوانين العائقة لتقدمه واتساعه أجابنا الأستاذ العتيقي:
في الحقيقة، إن فرض القيود لا تكون إلا تحت ظروف معينة، وأعتقد أنه إذا زالت هذه الظروف زالت معها القيود.. وهناك العديد من الوسائل التي نستطيع من خلالها امتصاص أموالنا، وذلك على المدى البعيد، وأستطيع القول إنه: رحم الله امرءًا عرف قدر نفسه، فنحن لا نملك إلا نقطة من بحر بالاستثمارات الأجنبية في أمريكا تتراوح بين ١- ١٥%، فهناك الألمان يملكون الكثير من الاستثمار في أمريكا، وكذلك بريطانيا وباقي الدول الأوروبية واليابان.
وأجابنا الأستاذ القبندي على السؤال ذاته:
من الطبيعي بأن الاستثمار معرض للمخاطر، والمستثمر الحكيم هو الذي يحاول تخفيف درجة المخاطرة قدر الإمكان، ولكن بالرغم من كل القيود وعمليات تجميد الأرصدة فإنه ليس هناك في الواقع مجالات استثمارية رحبة سوى في الأسواق المالية الأمريكية أو الأوروبية أو اليابانية، وما تبقى من أسواق فإنها تعاني من مصاعب هيكلية أو قانونية أو أن قدرتها الاستيعابية محدودة أو أن درجة المخاطرة عالية فيها.
ولا نعتقد بأن القيود والإجراءات مقصود بها الاستثمار الخليجي، حيث إن نسبة الأموال الخليجية لمجموع الأموال المستثمرة في هذه الأسواق، بالرغم من حجمها المهم، فهي نسبة لا تذكر.
أما بالنسبة لمسألة الأمان والاستقرار فهي مسألة نسبية، وذلك أن الأمان والاستقرار يعتمدان على ظروف الاقتصاديات الحاضنة للاستثمار، ومن الطبيعي أن الاقتصاديات تتمتع بأمان واستقرار بنفس المستوى على مر السنين، وتعاني الاقتصاديات الرأسمالية في الوقت الراهن من مشاكل مهمة وعضوية تؤثر على قيم الأصول الموظفة فيها، وتؤدي هذه المشاكل إلى سن قوانين وإجراءات ذات طابع سياسي تتناقض مع المنطلقات الفكرية للاقتصاد الحر.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل