العنوان مع القرآن الكريم
الكاتب د. سعد المرصفي
تاريخ النشر السبت 18-أغسطس-2012
مشاهدات 50
نشر في العدد 2016
نشر في الصفحة 52
السبت 18-أغسطس-2012
أستاذ الحديث وعلومه
في ظل القرآن الكريم وترجمة معانيه فعلًا وسلوكًا ومعاملة - تقوى رابطة الأخوة، ويتماسك المجتمع، سيما أن هذا الكتاب المعجز وضع أصول المنهج الدائم الحياة حضارية راقية ومتجددة، ونادى بإنسانية رفيعة الشأن، جليلة القدر تذوب فيها الفوارق الجنسية والجغرافية، وتحترم فيها الحقوق والحريات المسؤولة، وتحاسب على التقصير في الواجبات، ولا أفضلية فيها إلا لأهل التقوى والصلاح.
في شهر رمضان المبارك دأب أصحاب البصائر والأبصار على العيش مع القرآن الكريم، متدبرين في آياته وأحكامه ومتأملين في قصصه وتوجيهاته، ومتطلعين إلى آفاق النور والإخاء والإيثار والفداء والبذل والعطاء والحب والنقاء والود والصفاء والأخوة.
ولا ريب أن كتاب الله عز وجل غير وجه الإنسانية، وانتقل بها نقلة نوعية حين اصطفى الحق تبارك وتعالى خاتم النبيين رسولا رحمة للعالمين ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: 107)، وجاءت رسالته كتابا مفتوحا مقروءًا ومنظورا كتابًا شاملًا لأصول الحياة الاجتماعية الراقية، كتابًا ملبيًا للحاجات المتجددة التي يعلمها خالق البشر اللطيف الخبير كتابا يرسم للأمة معالم الطريق الحق ويأخذ بأيدي أبنائها إلى خيار الفطرة.
نزول هذا الكتاب كان حدثًا جللًا وفارقًا اهتزت له جنبات مكة وبطاحها، والتمعت في الأفق البعيد ومضات هي سر الحياة، وانتشرت قيمه العادلة في ربوع المعمورة، وكلما تذكر المسلمون هذا النور عاد إلى الأمة الإسلامية حنينها إلى ما انطوت عليه هذه الذكرى من نفحات مباركات طيبات، هي الهدى في ضيائها وإشراقها والقوة في صفاء ينبوعها وأصالتها، والمعين الذي لا ينضب، والمرجعية الأولى التي ستظل مصدرا للإلهام والإشراق والعمل والتشريع.
والمعنى الذي يغفل عنه كثيرون أنه لولا القرآن الكريم ما كانت هذه الأمة الإسلامية ولظل أبناؤها سابحين في ظلمات الجهل، إنه الكتاب الذي أفسح لهذه الأمة من هذا الهدى وذلك الضياء، وحفل بوجودها على مر الزمن ووضع المنهج المتوازن المتناسق.. المنهج الميسر في حدود الطاقة.. المنهج الذي يسوي بين جميع الناس أمام القضاء والحكم، وما أبدعه وأروعه من منهج.
إن هذا الكتاب تكفل الحق بحفظه ﴿إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: 9)، وظل محفوظًا منذ نزوله في معجزة ربانية فريدة، رغم الفتن المظلمة وكثرة النزاع والشعوبيين، وأهل الأهواء، الذين حاولوا أن يطعنوا في الدين القيم، عن طريق الدس والتأويل والتمويه والتضليل.
ولقد أخفقت محاولات هؤلاء وعجزت أشد العجز، وفشلت كل الفشل في أشد الأوقات حلوكة واضطرابًا أن تحدث حدثًا واحدًا، في آية واحدة من آيات هذا الكتاب، وبقيت آياته آية آية وكلماته كلمة كلمة، كما أنزلها الله حجة باقية على كل محرف ومخرف.. حجة باقية على ربانية هذا الذكر المحفوظ.. رغم شدة حلوكة الفتن التي عانتها الأمة وما تزال تعانيها.. حيث الضعف عن حماية النفس والعقيدة والفكر.. وحيث الشعارات البراقة التي أودت بالمسلمين إلى أن يكونوا غثاء كغثاء السيل.
حقًا.. لقد عجز أعداء المسلمين عجزًا تامًا عن تحريف هذا القرآن.. ونجد أنفسنا نقرأ القرآن بلفظه كما قرأه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جبريل عليه السلام كما أنزله الله وبرسمه كما كان في عهد صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتغمرنا السعادة ونحن نقرأ.. ونبصر منهجنا ونحن نتفقه.. وتنهمر عبرات وعبرات تتكون خضوعًا، وتتجمع خشوعًا، لتسقط دموعًا.. ونصحو من غفوتنا، ونستيقظ من غفلتنا وننهض من كبوتنا، ونبصر وعد الله بحفظ كتابه، ونبصر التبعة الضخمة التي يسألنا الله عنها، ونحن نقرأ، ﴿فَاسْتَمْسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم. وَإِنَّهُ لذكر لك ولقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ (الزخرف: 43,44).
إنها لتبعة ضخمة الله عز وجل سائلنا عنها، فأين نحن من هذا الذكر الذي يقوم حياتنا، ويرفعنا إلى أن نكون خير أمة أخرجت للناس، تملك القيادة والريادة؟ وهو مفتوح للعقول تتدبره، وخالد للذكر عبر التاريخ ﴿لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (الأنبياء: 10).
هذه الحقيقة ستظل خالدة على طول الزمن وعرضه، تتحدى القيود والسدود والحدود، وهي ينبوع العطاء الذي لا يتوقف ومصدر الهداية التي لا تنفد وباعث القوة التي لا تلين، وما علينا إلا أن نفتح القلب لهذا الكتاب، والنفس لهذا الهدى، حتى تشرق شمس حياتنا من جديد، ويعود بنا الزمن إلى سابق عهدنا أقوياء لا ضعفاء، شاهدين على الحق منتجين لا مستهلكين فاعلين لا سلبيين، مبادرين لا متخاذلين، ونرى في واقع الحياة مجتمعا قرآنيًا، وتعود لنا سيرتنا الأولى، ويفرح المؤمنون بنصر الله.
إنه لمشهد يسر الناظرين، ونحن نرى العباد في هذا الشهر الفضيل يعكفون على كتاب الله تلاوة وتدبرًا، غير أن هذا المشهد الرائع قد لا يتوافر إلا في الشهر الفضيل وعلينا أن ندرك أن فضل القرآن الكريم ممتد طوال العام وثواب تلاوته ليست مقصورة فقط على رمضان، فليكن هذا المشهد التعبدي الرائع مشهدا متواصلا طوال شهور السنة، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل القرآن ربيع قلوبنا وأن يرزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل