; د. محمد أفندي. رئيس الدائرة الاقتصادية بالتجمع اليمني للإصلاح لـ«المجتمع»: مشاركتنا في السلطة عززّت رؤيتنا في أسباب الأزمة الاقتصادية وطرق حلها | مجلة المجتمع

العنوان د. محمد أفندي. رئيس الدائرة الاقتصادية بالتجمع اليمني للإصلاح لـ«المجتمع»: مشاركتنا في السلطة عززّت رؤيتنا في أسباب الأزمة الاقتصادية وطرق حلها

الكاتب مالك الحمادي

تاريخ النشر الثلاثاء 17-أغسطس-1999

مشاهدات 53

نشر في العدد 1363

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 17-أغسطس-1999

برنامج الإصلاح الاقتصادي المطبق انتقائي.. هدفه رفع أسعار السلع المدعومة وزيادة الضرائب.

موازنة الدولة تفتقر إلى الشفافية.. هناك إيرادات لا تظهر فيها.. وتجاوزات في النفقات عند التنفيذ. 

ظلت المشكلة الاقتصادية هاجسًا في اليمن منذ الثمانينيات، وازدادت تفاقمًا بعد أزمة الخليج الثانية وتوحيد نظامي اليمن السابقين بكل متناقضاتهما السياسية والاقتصادية.

 المجتمع: التقت د. محمد أفندي الأستاذ بجامعة صنعاء، والخبير الاقتصادي، والذي يتولى مسؤولية الإشراف على الدائرة الاقتصادية بالتجمع اليمني للإصلاح كما سبق له أن تولى وزارة التموين والتجارة عام ١٩٩٥م لبضعة شهور قبل أن يستقيل ويتخلى «الإصلاح» عن حقيبة التموين بصورة نهائية بعد أن اصطدم الإسلاميون بمراكز النفوذ الخفية.

 ود. أفندي تلقى دراساته العليا في الاقتصاد في الولايات المتحدة، وهو عضو في المجلس الاستشاري اليمني، وله إسهامات في تشخيص الحالة الاقتصادية في اليمن بالمشاركة مع منظمات دولية ولذلك كان هذا الحوار معه.

  • يعاني الاقتصاد اليمني من مشكلات كبيرة وأزمة معلنة، ما أهم مظاهر هذه الأمة؟
  • مظاهر أزمة الاقتصاد اليمني هي انعكاس مباشر لطبيعة الاختلالات البنيانية فيه ويمكن تصنيف المشكلات التي يعاني منها إلى مجموعتين رئيستين هما:

أ- مجموعة المشكلات التي تعزى إلى طبيعة الاختلالات الهيكلية التي تعاني منها اقتصادات الدول النامية، ومنها اليمن.

ب- مجموعة المشكلات التي هي سمة خاصة بالاقتصاد اليمني على وجه الغلبة.

أما أبرز الاختلالات الهيكلية فتتمثل في:

١- الاختلال بين الادخار المحلي والاستثمار، أي أن الادخار منخفض مقارنة بالرغبات.

٢- الاختلال بين الإنتاج المحلي والاستهلاك المحلي، فالطلب على السلع والخدمات أكبر مما تسمح به القدرات الإنتاجية المحلية.

٣- الاختلال بين الصادرات والواردات فالصادرات غير النفطية ما زالت محدودة جدًا... والنفط يشكل الجزء الأكبر من الصادرات اليمنية منذ العقد الماضي وفي المقابل فإن الواردات عبر المنافذ الرسمية أو التهريب تتزايد باستمرار.

٤- النفقات الحكومية تتزايد بمعدل أكبر من زيادة الإيرادات العامة وكل ذلك يؤدي إلى ظهور عجز مزمن في ميزان المدفوعات وعجز الموازنة العامة للدولة مازال قائمًا ومع أنه انخفض في بعض السنوات إلا أنه يعود للارتفاع.

وأما المشكلات الاقتصادية المرتبطة بالسمات الخاصة بالاقتصاد اليمني فأبرزها: زيادة حدة الاختلالات الإدارية مثل تضخم الجهاز الإداري الحكومي والقطاع العام، وانخفاض كفاءة ونوعية الخدمات الأساسية العامة وزيادة حدة الفساد.

  • إذن كيف انعكست هذه الاختلالات على الاقتصاد اليمني؟
  • الاختلالات التي أشرنا إليها أفرزت مشكلات اقتصادية تمثل مظاهر الأزمة الأساسية للاقتصاد اليمني وأبرزها:

أ- انخفاض معدل النمو الاقتصادي وبلوغه معدلات سالبة في بعض سنوات عقد التسعينيات وتباطؤه في السنوات الأخرى.

ب- ارتفاع معدل التضخم حتى وصل إلى ١,٤٪ في نهاية عام ١٩٩٤م، وهو وإن كان قد انخفض إلا أنه مازال في حالة تذبذب صعودًا وهبوطًا.

ج- تدهور قيمة العملة الوطنية حيث وصل سعر الدولار الأمريكي إلى ١٦٠ ريالًا عام ١٩٩٤م، ثم تراجع السعر بعد تطبيق برنامج الإصلاحات الاقتصادية واستقر عند ۱۲۸ ريالًا عام ١٩٩٦م - لكنه عاد وارتفع من جديد حتى وصل إلى ١٧٠ ريالًا في ١٩٩٩م، ثم استقر الآن عند ١٦٠,٥ ريالًا.

د- زيادة معدل البطالة إلى أكثر من ٣٠٪ من قوة العمل.

هـ - مديونية خارجية وصلت عام ١٩٩٦م إلى حوالي ١٠ مليارات دولار، وعلى الرغم من انخفاضها عام ١٩٩٧م إلا أن زيادة المديونية الخارجية في المستقبل سيقل أمرًا واردًا نتيجة تدفق قروض جديدة لدعم برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي تطبقه الحكومة الآن.

 وفي الإطار نفسه، فإن تمويل عجز الموازنة العامة يعتمد أسلوب أذون الخزانة الأمر الذي سيزيد من إجمالي المديونية المحلية، كما سيزيد من الأعباء على الأجيال القادمة.

 و- المشكلات السابقة أدت إلى زيادة الفقر نتيجة انخفاض المداخيل الحقيقية للمواطنين وزيادة الأسعار وارتفاع البطالة وانعكست سلبًا على غياب الاستقرار الاقتصادي.

انتكاسة انتقائية

  • هل يعني هذا أن برنامج الإصلاحات المنفذ حاليًا لم يثمر شيئًا مهمًا؟
  • الحقيقة أنه على الرغم من أن البرنامج الاقتصادي الذي تطبقه الحكومة منذ ١٩٩٥م حقق أهدافه المالية والنقدية الاستقرارية، إلا أن هذا الاستقرار النسبي مهدد بالانتكاسة وعدم الاستمرار لأسباب عديدة منها: أن البرنامج الذي تم تطبيقه قد خضع لعملية انتقائية أثناء التطبيق وتم التركيز على رفع أسعار السلع المدعومة وزيادة الضرائب وهذه سياسات غير كافية لأن معالجة الاختلالات الاقتصادية والإدارية تحتاج إلى تطبيق منظومة متكاملة من الإصلاحات الإدارية والاقتصادية والمالية بل إنه نتيجة لهذا الأسلوب الانتقائي فقد انتكس الاستقرار المالي مرة أخرى حيث زاد عجز الموازنة العامة للدولة ووصل إلى حوالي ٢٠ مليار ريال خلال الربع الأول لعام ١٩٩٩م كما شهد سعر الصرف تقلبات كثيرة خلال الفترة نفسها مما يؤكد صحة الدعوة إلى تطبيق برنامج شامل للإصلاحات الإدارية والمالية والاقتصادية.
  • تتعدد التفسيرات في تمديد أسباب الأزمة التي يعاني منها الاقتصاد اليمني في رأيكم ما الأسباب الحقيقية للمشكلة؟
  • ليس المهم وجود تفسيرات متعددة لأسباب الأزمة لكن مناهج التفسير أو مداخله، فالبعض يعتمد مدخلًا تبريريًا يؤدي إلى السياسات الاقتصادية المطبقة إما لأنهم مستفيدون منها أو لأنهم مشاركون في صنعها، وهناك من يعتمد المدخل الإسقاطي الذي يعلق أسباب الأزمة على شماعات الآخرين، بهدف تبرئة الذات من المسؤولية عما يحصل، لكننا نعتمد في تفسيرنا على رؤية واقعية لا ندعي أنها خالية من الخطأ كما أن التفسيرات الأخرى ليست خاطئة في الجملة رؤيتنا لأسباب الأزمة نعرضها وفقًا للمحاور التالية:

١- هناك أسباب مرتبطة بمرحلة التطور الاقتصادي في اليمن، فقبل توحيد اليمن عام ١٩٩٠م كان هناك اقتصادان مختلفان في الجنوب والشمال لكن كان لهما سمات «مشتركة» وهي التخلف، وانخفاض مستوى التنمية والنمو الاقتصادي.

كان المنهج الاشتراكي قاعدة فلسفية للتوجه الاقتصادي في الجنوب بينما كان المنهج المختلط أساسًا للتوجه الاقتصادي في الشمال وقد نتج عن ذلك سياسات اقتصادية غير واقعية لظروف التطور الاقتصادي وخاصة في الجنوب مثل:

- إحلال دور الدولة كاملًا في النشاط الاقتصادي وإقصاء القطاع الخاص من السوق، والتعايش بين قطاعات الملكية الاقتصادية في الشمال مع دور أكبر للقطاع العام.

- اعتماد الدولة على تدفق القروض والمساعدات الخارجية التي كانت ذات بعد سياسي كبير في مرحلة الحرب الباردة.

٢- أما الأسباب المرتبطة بسوء الإدارة الاقتصادية فيمكننا القول إنها لعبت دورًا كبيرًا في أزمة الاقتصاد اليمني، وتجلت مظاهرها في خضوع الإدارة الاقتصادية للتوجهات السياسية والأيديولوجية لصانعي القرار، لذلك اتسمت السياسات الاقتصادية بالتضارب وعدم الاستقرار والفشل في كسب ثقة الأفراد والمستثمرين.

وفي السياق نفسه فإن إدارة السياسات المالية والنقدية لم تهدف إلى تحقيق الأهداف التنموية والاجتماعية بقدر ما كانت تركز على جباية الموارد العامة وإنفاقاتها في مجالات الإنفاق الجاري «المرتبات والأجور والتحويلات» وتحقيق رضا مؤقت للناس عن النظام السياسي.

٣- وهناك الأسباب المرتبطة بالاختلالات الإدارية أي الفساد المالي والإداري الذي أضر بالنمو الاقتصادي بسبب انخفاض الإنتاجية وغياب بيئة جاذبة للاستثمار، ونزوح رؤوس الأموال إلى الخارج.

٤- وأخيرًا: فإن الاختلالات الهيكلية تعد سببًا ونتيجة في الوقت نفسه، وأبرز مظاهرها اختلال ميزان المدفوعات، وعجز الموازنة والميزان التجاري.

الأزمة من الداخل

  • كان التجمع اليمني للإصلاح مشاركًا في السلطة في الفترة من ۱۹۹۳ - ۱۹۹۷م. فهل أفادتكم المشاركة في معرفة المصاعب الاقتصادية على حقيقتها، أم هل غيرت المشاركة من نظرتكم إليها؟
  • طبيعة الصعوبات والتحديات الاقتصادية ليست ألغازًا يصعب فهمها أو معرفة كنهها، لأنها معروفة بطبيعتها أولًا، ثم إنها ملموسة في الواقع ويعاني منها المجتمع ثانيًا، لكن مشاركتنا في السلطة في الفترة ١٩٩٣ - ١٩٩٧م عززت من قناعاتنا ورؤيتنا للمشكلة الاقتصادية ومنهج معالجتها وجعلتنا نرى عن قرب حجم الصعوبات التي تقف أمام الخيارات المتاحة لحل الأزمة الاقتصادية، وهي صعوبات لها جوانب مؤسسية إدارية ومالية وسياسية واقتصادية المشاركة في الحكومة بينت لنا أن الصعوبات ليست مستحيلًا لا يمكن تجاوزه.

 وهكذا فقد أتاحت المشاركة أن تقدم رؤيتنا لطبيعة الأزمة الاقتصادية، وطريقة الخروج منها وأولويات هذا الخروج، وحاولنا إقناع شركاتنا في الحكومة ولكن دون جدوى فقد حرم شركاؤنا الذين كانوا يمثلون الأغلبية في الحكومة الأمر في اتجاه معين وساروا فيه ساعدهم على ذلك أنهم كانوا الشريك الأكبر في الحكومة والبرلمان. 

  • هل أسهمت مشاركتكم في السلطة في تكوين رؤية محددة في أولويات الإصلاح الاقتصادي وإصلاح مكامن الاختلالات؟

مشاركتنا عززت كما ذكرت آنفًا، من قناعتنا ورؤيتنا لضمانات وشروط نجاح أي برنامج للإصلاح الاقتصادي، وبصورة محددة فقد كانت المشاركة فرصة للتأكيد على أن نجاح برنامج شامل للإصلاح الاقتصادي والإداري والمالي يتطلب تحقيق الضمانات الآتية:

أ- مصداقية الحكومة عند وضع السياسات وتنفيذها.

ب- أهمية إصلاح الأدوات والمؤسسات والنظم والكوادر التي ستتولى عملية الإصلاح، وتعزيز القيم والأخلاق والحوافز المادية والمعنوية، وهذا يقتضي مجابهة جادة الفساد والمفسدين.

ج- ضرورة تحديد الأولويات لأهميتها من جهة، ولصعوبة تحقيق الأهداف في وقت واحد وانطلاقًا من هذه الاعتبارات والشروط فقد تحددت أولويات الإصلاح الاقتصادي عند التجمع اليمني للإصلاح في أن يكون الإصلاح شاملاً لكل المجالات ووفق خطة زمنية واضحة، وأن يكون إصلاح الإنسان محور الجهد الإصلاحي باعتباره غاية التنمية ووسيلتها الاقتصادية والاجتماعية والتركيز على إعادة هيكلة الإنفاق العام للدولة بما يؤدي إلى زيادة الإنفاق التنموي العام والإنفاق الاجتماعي في مجالات التعليم والصحة لتعزيز التنمية البشرية.

 بالإضافة إلى ذلك فقد كان من الضروري في رؤيتنا التركيز على محاربة الفقر والبطالة من خلال منهج تنموي شامل في المجالات كافة يقوم على استراتيجية تنويع مصادر الدخل الوطني وتكامل الجهود الإنمائية وبين دور الدولة ودور القطاع الخاص والاستغلال الأمثل للموارد والإمكانات المحلية المادية والبشرية، وتشجيع عودة رأس المال المهاجر والمقيم في الخارج، وأخيرًا تعزيز دور القطاع الخيري في المجتمع ليؤدي دوره في تحقيق التكامل الاجتماعي والاستقرار في المجتمع.

هذه تحفظاتنا على الموازنة العامة

  • يلاحظ أن مناقشة الموازنة العامة في البرلمان تثير خلافات سنوية بين الإصلاح والحزب الحاكم ما أسباب ذلك وما تحفظاتكم الأساسية على الموازنة؟
  • كما هو معروف، فإن الموازنة العامة للدولة تمثل الخطة المالية السنوية لأي حكومة وهي بالتالي الأداة الأساسية لتحقيق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية للدولة لكننا في التجمع لا ننظر إلى أهمية الموازنة العامة من حيث دورها التقليدي فحسب ولكننا نركز أيضًا على مدى دورها في تحقيق وظيفة الإصلاح الاقتصادي والإداري والمالي الشامل، وهي الوظيفة الأكثر أهمية بالنسبة للمشكلة الاقتصادية.

لقد مرت على مجلس النواب خمس موازنات عامة للفترة من ١٩٩٥ - ١٩٩٩م في ظل برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي تطبقه الحكومة، وكان التجمع موقف مخالف وواضح مع حزب المؤتمر الشعبي صاحب الأغلبية الحاكمة واستندت مواقفنا وتحفظاتنا تجاه هذه الموازنات إلى اعتبارات ومعايير كالآتي:

١- لم تعكس الموازنات العامة مفهوم الإصلاح الاقتصادي والإداري الشامل، بل اعتمدت أسلوبًا انتقائيًا للإصلاح يتركز على جملة من السياسات المالية والنقدية التي استهدفت زيادة الإيرادات العامة فقط.

٢--ظلت هذه الموازنات تضيف أعباء جديدة على المواطنين من خلال زيادة الأسعار وفرض الضرائب الأمر الذي أدى إلى زيادة حدة الفقر.

٣-لم تعكس الموازنات هدف تحقيق زيادة النمو الاقتصادي؛ حيث ظلت النفقات الاستثمارية العامة غير كافية كما أن ما يتم رصده لا ينفذ كاملًا

٤-لم تعكس الموازنات جدية دورها في تحقيق أهداف التنمية البشرية حيث ظل الإنفاق على التعليم والصحة عند مستويات غير كافية، فيما كانت الزيادات الحقيقية في الإنفاق على هذين القطاعين محدودة جدًا.

٥-أضافت عبئًا جديدًا على الأجيال الجديدة من خلال زيادة الدين العام المحلي بإصدار أذون الخزانة للتمويل عجز الموازنة العامة للدولة.

٦- ضعف الشفافية المفترضة في الموازنة فهناك إيرادات لا تظهر فيها، وهناك تجاوزات في النفقات عند التنفيذ الفعلي، مما يجعل الموازنة المقدمة إلى مجلس النواب تختلف عن الموازنة المنفذة بصورة كبيرة.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

1648

الثلاثاء 24-مارس-1970

حَديث صَريح للشيخ محمد أبو زهرة

نشر في العدد 1

1420

الثلاثاء 17-مارس-1970

مع القراء

نشر في العدد 2

1444

الثلاثاء 24-مارس-1970

مع القراء 1