العنوان كينيا.. هل تشعل واشنطن بلد الثورة والفقراء؟
الكاتب سيد أحمد ولد باب
تاريخ النشر السبت 12-يناير-2008
مشاهدات 65
نشر في العدد 1784
نشر في الصفحة 30
السبت 12-يناير-2008
انتهت أحلام البسطاء في "كينيا" بخيبة أمل كبيرة بعد أن سرق الدكتاتور الكيني "مواي كيباكي" المدعوم من قبل واشنطن أصوات الجماهير فأوقف عد الأصوات، وأبدل المراقبين الدوليين وبطاقات التصويت بالجيش والسلاح، وسارع لإعلان نفسه رئيساً للبلاد لفترة ثانية رغم تفوق زعيم المعارضة بمليون صوت بشهادة المراقبين الدوليين.
ولم تشفع لزعيم المعارضة «رايلا أودينجا» أصوات الفقراء الكينيين، ولا شهادة الأوروبيين، ولا تقدمه في الانتخابات منذ بدء عملية فرز الأصوات إلى إعلان المهزلة التي دفعت بالبلاد إلى أتون حرب أهلية قد تطال الأخضر واليابس عقاباً للشعب الكيني على اختياره الحر والنزيه.
حاول زعيم المعارضة الثائر إقناع الرئيس المخلوع جماهيرياً بترك منصبه والاكتفاء بلقب "رجل ساعد في تحقيق الديمقراطية في بلاده" لكن آذان الرئيس كانت قد شغلتها عبارات دعم الأمريكيين الرافضين للتداول السلمي في البلاد وإغراءات السلطة التي طالما حرمت شعوب القارة من نعمة الاستقرار، ففضل الانقلاب على الديمقراطية.
ولم تتأخر واشنطن -كعادتها- عن إعلان اعترافها بنتائج الانتخابات المهزلة، وأعلن الرئيس نفسه زعيماً لـ«كينيا» مؤدياً اليمين في أسرع وقت ودافعاً بالجيش إلى الشوارع لقمع تحرك الفقراء، وقطع الطريق أمام أي احتجاج سلمي في البلاد قبل أن تضطر تحت ضغط نيران الشوارع وجثث الفقراء إلى التراجع عن الاعتراف.
وكان من الطرائف الأمريكية قول "توم كاسي" نائب المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية مساعد وزيرة الخارجية للشؤون العامة إن على المرشحين القبول بالنتائج النهائية التي تصدرها لجنة الانتخابات الكينية، أي القبول بالأمر الواقع.
أما المثير حقاً فكان ما كشفه "ويليام روتو" المسؤول في حركة أورانج (البرتقالية) الديمقراطية من أن التحقق من النتائج كشف عن مخالفات كبيرة في الانتخابات من ضمنها جدولة أعضاء لجنة الانتخابات الأصوات الناخبين في الانتخابات الرئاسية في تجاهل تام للنتائج الموثقة من الدوائر الانتخابية ودفعها بآلاف الأصوات إلى الأكياس الممتلئة أصلاً بفعل التزوير.
(١1٥%) نسبة التصويت:
والمضحك في الانتخابات الكينية الأخيرة والذي يتداوله سكانها اليوم هو ما اعترف به رئيس لجنة الانتخابات الكينية صمويل كيفوتو من أن الأصوات في وسط كينيا أظهرت نتائج شاذة، إثر وجود حالات خاصة بلغت فيها نسبة الإقبال (١١٥%) من الناخبين المسجلين.
غير أن غرابة الأرقام التي تجاوزت المعدل العربي المعروف (۹۹.۹۹%) "لم تشفع لمرشح المعارضة الكيني، ولم تخجل راعية الديمقراطية في العالم (أمريكا) ولم تمنع رئيس البلاد السابق والحالي بحكم القوة من الاستمرار في السلطة ولو على أنقاض البلاد وأرواح المصوتين.
لماذا أطيح بالزعيم الفائزة؟: لا يهتم الكثيرون بإفريقيا بقدر ما يهتمون بمصالحهم الخاصة، ومع كل جهد يبذله زعيم ثورة أو مناضل لتحرير شعبه تبدأ القوى العظمى في وضع العقبات وتأليب أذنابها في العالم لمنع قادة الشعوب النامية من القيام بواجبهم تجاه الأوطان التي ينتمون إليها والشعوب التي أنجبتهم، وهذا ما حصل بالضبط مع زعيم المعارضة في كينيا "أودينجا".
فحينما خاطب "أودينجا" العالم من وسط "نيروبي" مايو ٢٠٠٦م كانت كلمات الحفل الحماسي الذي أقامه أنصاره والأبيات الشعرية التي استعارها من نشيد بلاده الوطني تنبئ الغرب بأن تحولاً كبيراً سيشهده هذا البلد الإفريقي المنكوب، ومن هنا تحديداً نسجت خيوط المؤامرة.
إذ ألقى الرجل خطاباً ثورياً وصف فيه عام ٢٠٠٧ م -عام الانتخابات- بأنه عام حسم الهوية والمصير على يد الكينيين بعد عقود من الاستغلال السيئ الثروات البلاد واستنزاف خيراتها من قبل الأجانب، منشداً أول بيت شعري في النشيد الوطني «العدالة» أن يكون لديك درع وسلاح وهو ما أثار مخاوف الغرب منه.
وقد حاول زعيم المعارضة إعطاء وصفة ناجعة للكينيين لمواجهة الفساد المستشري في البلاد وانعدام الأمن، وتدني رواتب الموظفين مذكراً بأن بلاده عشية استقلالها عن البريطانيين كانت كل مؤشرات القوة الاقتصادية فيها تتساوى تقريباً مع كوريا الجنوبية، لكن الواقع الآن يختلف تماماً بين الدولتين.
وذكر الرئيس المعارض الخاسر رفاق حزبه بكلمات «غاندي» الخالدة كاشفاً عن أيديولوجيته العميقة والتي حملته إلى قلوب المستضعفين، وذلك حينما خاطب نواب حزبه قائلاً:
علينا أن نحترس لثلا ندمر بلدنا يفعل الموبقات السبع، وهي:
السياسة دون المبدأ.
السرور دون الضمير.
الثروة من دون عمل.
المعرفة دون التطبيق.
التجارة بدون الأخلاق.
العلم بدون الإنسانية.
العبادة دون تضحية.
بل ذهب زعيم المعارضة لأبعد من ذلك حينما تعهد بثورة دستورية على الواقع القائم في البلاد قائلاً: "يجب أن نزيل السلطة من سماسرة السلطة، ونعطيها إلى الوراء لشعب هذا البلد حتى يتسنى للشعب أن يكون حقيقياً متحكماً في مصيره".
موقف مسلمي كينيا:
ويميل المعارض الكيني إلى الانفتاح على السكان بغض النظر عن مواقفهم السياسية، وهذا ما جعل التيارات الإسلامية في كينيا -رغم تبنيه الطرح الشيوعي- تعلن دعمها له، وخصوصاً في شمال البلاد حيث يعيش أغلب السكان المسلمين.
ويرجع رئيس المجلس الأعلى للمسلمين الكينيين الشيخ "محمد دور محمد" سبب ذلك إلى عدم وفاء الرئيس "كيباكي" بوعوده للمسلمين في الانتخابات التي فاز بها قبل خمس سنوات، وتحالفه الوثيق مع الأمريكيين ومواقفه السلبية من قضايا القارة وخصوصاً الصومال.
مرة أخرى ومع انتخابات جديدة في القارة السمراء يثبت العالم الغربي انحيازه لمصالحه على حساب مبادئه وللدكتاتورية بدل دعاة الديمقراطية ما قد يشعل هذا البلد الإفريقي، كما حدث في دول أخرى تدخل فيها الغرب، أيضاً أثبت سكان القارة السمراء -رغم الجراح النازفة- وعيهم بالأخطار المحدقة بأوطانهم وإخلاصهم لأحرار النفوس رغم اختلاف المواقع والمبادئ، ويؤكد الأفارقة مقولتهم الثابتة على مر التاريخ:
وللحرية الحمراء باب بكل يد مضرجة يدق
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل