; من معالم الطريق: تربية الداعي في سبيل إقامة الدين | مجلة المجتمع

العنوان من معالم الطريق: تربية الداعي في سبيل إقامة الدين

الكاتب أبو الأعلي المودودي

تاريخ النشر الأربعاء 03-يونيو-1981

مشاهدات 45

نشر في العدد 531

نشر في الصفحة 26

الأربعاء 03-يونيو-1981

طرح رجل على الأستاذ المودودي رحمه الله سؤالًا حول بعض خلجان صدره أثناء عمله في مجال الدعوة الإسلامية، فننقل السؤال إلى اللغة العربية ورد الأستاذ رحمه الله تعميمًا للفائدة.

يقول السائل: تمتاز الدعوة الإسلامية -التي تجلت ملامحها وبرزت مزاياها بكتاباتكم- أنها تنسجم مع قضايا العصر ومقتضياته، وتخاطب عقول جميع فئات المسلمين على خلاف مستواهم.

ويتجلى فيها أسلوبكم البين الواضح ومنهجكم الحكيم وفهمكم العميق السليم للإسلام، فهذه الدعوة لا تحيد عن جادة الصواب وفي نفس الوقت تراعي ظروف الأمة ومشاكلها والعصر الذي قامت فيه الدعوة.

ولكن السؤال الذي تعلق في ذهني وحيرني كثيرًا أن هذا العمل يطلب رجلًا بلغ درجة الكمال بملازمة شخصية كاملة السلوك فبلغ الذروة في تربية النفس وحسن السيرة وتمتع بتأثير خلاب بمجرد إلقاء نظرة على مقابله، وهذه هي الصفات التي دانت لها جماعة الصحابة، فهناك شخصية الرسول عليه الصلاة والسلام الفذة وتوجيهه في كل لحظة بالوحي، ثم هناك جماعة الصحابة الذين كل منهم يملك رصيدًا وافرًا من الحماس والتفاني في سبيل الله وبذل كل جهد لإعلاء كلمة الله وتقديم النفس والنفيس مخلصًا لله وجاعلًا الهدف نصب أعينهم.

ولكن ندرت هذه المزايا في كل طبقة من طبقات الأمة فلا تزكية وتطبيقها ولا قيادة مخلصة ولا حماس في المخاطب ثم الفتن والغرور التي عم انتشارها في عصرنا هذا، فما لي إن وصلت إلى استحالة وجود أو إيجاد مثل تلك الجماعة في الوقت الحاضر.

وأؤمن أن القيام للدعوة إلى الله من أهم الواجبات، ولكن هل يترتب عليه نفس النتائج التي تترتب في العصر الأول، وبدهيًا، نحن لسنا في تلك الدرجة من الصلاح والتقوى، فلا قيادة تماثل قيادة الأوائل ولا السمع والطاعة في المرؤوسين مثل السابقين، ولا شك أن الله قطع بوعد النصر لمن يقوم بإقامة الدين ولكنه مشروط بشرط وللذين بلغوا درجة معينة من الإيمان والعمل والسعي وراء الغاية، وأيضًا هذبوا نفوسهم بملازمة المزكين، ولذلك أعتقد في الأوضاع الراهنة والظروف التي نمر بها أن مثل هذه الجهود تنتهي إلى إنشاء فئة تنحصر نشاطاتها وتحقق هدفها في مجال السياسة فقط وبالتالي تنظم نفسها لجهد سياسي بحت ولن تتوافر فيها الدعائم الخلقية والركائز الروحية التي هي غاية الإسلام في جميع مجالات الحياة ولذا لا يتحقق لمثل هذا الحزب وعد الله بالتمكين في الأرض ومن ثم لا يستحقون مدلول خيرية الأمة وخلافة الله في الأرض.

ولعل هذا هو السبب وراء النقص المحسوس الذي لمسناه في العاملين في مجال الدعوة في الجوانب الروحية مع أن الدعوة قطعت أشواطًا في مسيرها وتحسنت سير منتسبيها إلى حد ما وصلحت أحوالهم شيئًا ما، فعدم وصولهم إلى المستوى المطلوب مع هذا كله يشير إلى قلة التربية وعدم اتصالهم بمن يزكيهم.

وبجانب هذا الإشكال هناك إشكال آخر يخطر ببالي ويحرج صدري وهو أن هناك حركة إسلامية أخرى ولها نشاطات في مجال الدعوة (جماعة التبليغ والدعوة) فهذه الحركة مع أنها تعجز عن إدراك مشكلات العصر ومشاكله وقلما تدرك عقلية العصر ولكنها أعدت شخصيات يستجيب لها القلب ويلبي نداءهم ويتأثر بصالحيتهم وصلاحهم.

فلماذا لم تتمكن الحركة الإسلامية الشاملة بتقديم القدوة الحسنة من الدعاة واستطاعت حركة التبليغ مع ضيق نطاقها ببث الروح الإسلامية في دعاتها.

ورجائي منكم توضيح النقاط المذكورة وهل السبب عدم الاهتمام بذكر الله كثيرًا أو أي شيء آخر؟

ورد المودودي رحمه الله عليه قائلًا: عرض الأخ الفاضل -جزاه الله- الإشكال الذي تعرضنا لها مرات ومرات وحاولنا حله ولنتكلم هنا بشيء من التفصيل لأن القضية بحاجة إلى إدراك المرض وخطورته ثم البحث عن علاجه والمواظبة على استعمال العلاج.

ولعل العلة تكمن في بدايتها في تصور خاطئ يحمله الذي يدخل في مجال الدعوة الإسلامية معتبرًا نفسه منفذًا لإقامة الدين ولكنه يخيل إليه في لحظة العمل أن هذه الإقامة لابد أن تكون على غرار إقامة الدين في أيام الرسول عليه الصلاة والسلام وعصره كان كذا ورجاله كانوا كذا، وهنا يدخل الوهن في عزمه والضعف في إرادته لأن المطلوب فوق مستواه فلا قائد مثل الرسول عليه الصلاة والسلام ولا الجماعة مثل جماعة الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.. وأعود إلى نقطة البداية: لو فرضنا أن الصورة هكذا وأسألك ما هو موقفك لمواجهة مثل هذا الواقع والذي لا ينازعني فيه أحد أن المرء يصل إلى أحد أمرين تجاه القضية:

إما أن ييأس رأسًا من الدعوة ومكتسباتها لاستحالة وجود أو إيجاد القيادة والجماعة المثاليتين، وبالتالي يفضل الابتعاد عن إقامة الدين وبذل أي جهد في سبيلها لأن الجري وراء المستحيل عبث ويستحسن أن يبحث لنفسه عن عمل آخر ويصرف طاقاته في جزئية من جزئيات الدين وكفى.

أقول وأنا جازم في قولي بعد دراستي وتجاربي في هذا المجال إن هذه هي الوسوسة الأولى التي يلقيها الشيطان بخلد الداعي ويوقعه فيها فيخدع المؤمن السليم النفس بها ليمنعه من إقامة الدين ويحول دون تحقيق الهدف المنشود من هذه الدعوة، فعلى كل عامل في مجال الدين إدراك مكر الشيطان هذا وعلاجه قبل أن يستفحل أمره.

والوسوسة الثانية التي يتعرض لها الداعي بعد التغلب على الوسوسة الأولى هي أن العمل الإسلامي لا خلاف في كونه مطلوبًا ولكنه يقتضي نفس الكفاءة والخصائص التي حفظتها سجلات التاريخ من الأوائل، فلا يقوم الداعي بهذا العمل إلا بعد شحن نفسه بمقدار من التزكية الروحية والخلقية، وحينما يتوافر فيه هذه الخصال فله أن يخوض الميدان، وهكذا يزين له الشيطان خديعته الثانية بعد فشله في محاولته الأولى، ومثال هذا الرجال كالذي يريد عبور النهر ولم يتعلم السباحة سابقًا فيقال له عليك بتعلم السباحة قبل العبور، ويقر له الشيطان إن العبور مطلوب وهدفك دون النهر ولكن كيف تعبره وأنت لا تجيد السباحة؟ فينخدع الرجل ويقضي فترة طويلة وساعات طوال في تعلم السباحة فوق التراب ولعله يتقن السباحة ويتفنن فيها ولكن الذي يحدث بعد ذلك باليقين أنه لا ينزل إلى الماء طول حياته لعدم ثقته بنفسه وإذا خاض غرق أو أرخى عنان نفسه فيجري أينما سال الماء وهكذا يستسلم للتيارات ويخسر بضاعة دينه لأعذار واهية.

فأريد منك ومن أمثالك التنبه لمكائد الشيطان، والذين يرغبون بعزيمة صادقة فعليهم التجرد من هذه الوساوس وتطهير النفوس منها لأن الإنسان إذا قطع أشواطًا وهو موسوس فلا يخطو خطوة العزم والصلابة بل قد يتعدى مرضه إلى العاملين الآخرين، وهذا هو الأساس الذي نعتمد عليه في تربية النفوس وتزكيتها والذي يدرك خطورة الإشكالين وأخطارها في البداية ليوافقنا في منهجها.

ثم لا ينتهي الأمر إلى هذا الحد بل يرى سالك الطريق بعد قطعه مقدارًا من المسافة بعض الملفات يمينًا وشمالًا، وقد يسيطر عليه بعض نزعات نفسه فلا يرى بأسًا في الانحراف إلى اليمين أو اليسار أو على الأقل يفكر في استجابة رغبة الانحراف ولو لم يلبها بمعنى الكلمة، فمادام الأمر كذلك فالأحسن لأمثال هؤلاء أن يقفوا وقفة التأمل والتدبر قبل بدء السفر، وإدراك أسباب هذه الرغبة.

فمثلًا هناك مفترق الطريق يقطع شارع السلام في طريق آخر وهو طريق التزكية وتربية النفس بواسطة المجاهدات الصوفية وأورادها الخاصة، وهنا يقف المرء ويقول التزكية أمر لابد منه ولكن وسائلها لم تكن منضبطة في أيام الرسول عليه الصلاة والسلام طول بقائه في مكة المكرمة والمدينة المنورة والذين ضبطوها وهذبوها واجتهدوا في تحديد وسائلها هم الصوفية ولاشك أنهم من كبار علماء الأمة المجتهدين فرتبوها وحصروها في طريق الصوفية المعروفة ولم يبق لنا إلا الاعتماد على أي واحد منها.

وهذا الملف قلما يلفت أنظار المثقفين بالثقافة العصرية ولكن الذي ترعرعوا في بيئة دينية وعاشوا في جو التقاليد والعادات هم الذين يجدون أنفسهم في موقف الحيرة والأخذ والرد، فأوضح لهم غاية الطريق الصوفية ثم أرجو اتباع الحق دون التحيز لفئة دون فئة، فأقول إنكم إذا تصفحتم جميع ما كتب في التصوف وعن الصوفية فلا تلمسون فيها ما يشير إلى أن مؤسسي طريق الصوفية ضبطوها وهم قصدوا منها تربية السالك لإعداده للاقتحام في معترك الحياة لكسر شوكة الباطل في كل مجالات الحياة وتطبيق الإسلام كليًا في كل مجال الحياة ولأن هناك ما يدل على أنهم كانوا يريدون إنشاء جيل يحمل رسالة الإسلام الشاملة في جميع مظاهر الحياة، وكذلك لا تثبت دراسة جادة عن الذين تلقنوا هذه المبادئ والأسرار أنهم لعبوا أي دور في دفع عجلة الحركة الإسلامية، فهل يصح بعد ذلك الاعتقاد أن هذه الطرق تساعد أيما مساعدة في إنجاح الحركة الإسلامية؟

وبغض النظر عن التزكية وماهيتها في المصدر الأول ودون بحث وسائلها المنضبطة وغير المنضبطة فلي أن أسأل: هل لاحظتم أن مبادئ التزكية لدى الصوفية تختلف عن التزكية التي ورد ذكرها في القرآن والسنة وعمل بها الرسول عليه الصلاة والسلام في تربيته لأصحابه؟ وبصرف النظر أيضًا عن تعديلات الصوفية وهل هي من قبيل المباحات أو المحظور يطرح السؤال: ألم يضيفوا بعض الأجزاء إلى المركب الذي نقل إليهم من الرسول عليه الصلاة والسلام وحذفوا منه؟ أو يمكن لأحد أن يقول إنهم حافظوا على أجزاء المركب المنقول إليهم ولم يغيروا شكله قيد شعرة وأعتقد وأني على مثل اليقين أن أشد متحمس للتصوف لا يستطيع أن ينكر أن المركب مرتب ترتيبًا جديدًا بإضافة أجزاء إليه وحذف أخرى، ومادام الأمر كذلك فهل يعقل أن المركب مختلف ولكن النتيجة مع ذلك واحدة لا تختلف؟ ومادام اختلاف المركب يؤدي إلى الاختلاف في النتيجة فكيف يصح استعمال المركب للهدف الذي قصده الشارع الحكيم من هذه الأمة وربطه بالمركب المنقول عن الرسول عليه الصلاة والسلام؟ ولذلك أقول ليوافقنا كل من تنزه عن العصابات وارتفع عن التحزب أو التزكية التي ورد ذكرها في الكتاب والسنة والتي وصفها الرسول عليه الصلاة والسلام لأصحابه هي التي تساعدنا في سبيل إقامة الدين، وإن لم تكن منضبطة فعلينا ضبطها.

ومن واجب الذي يجب أن يعيش في العالم الواقع العمل على الخروج من الظن الكاذب وليدرك أن الإنسان لا يتنزه عن العيوب والذنوب مادام هو مخلوق من اللحم والدم ومحاط بالإغراءات وأصناف الفتن، ولكنه يواصل جهده للوصول إلى مرتبة الكمال، وكذلك نحن نبذل كل ما في وسعنا من الإمكانيات للوصول إليه ولكن نعتبره مطلوبًا للعمل الإسلامي لا مشروطًا لبدء العمل، ثم العمل يشمل عددًا من الناس، ولذا يعتمد على جماعة لا على فرد واحد ومعلوم أنهم ليسوا على مستوى واحد من الإخلاص والتضحية، فلابد من وضع الحد الوسط لاعتبارهم صالحين للعمل فلا يقبل رجل إن لم يبلغ الحد المطلوب، وهذا الحد لمستوى الفرد مصدره الكتاب والسنة، وهذا من الواقع أيضًا أن الذين انخرطوا في سلك الإسلام في القرن الأول هم لم يكونوا على مستوى واحد ولم يكونوا منزهين كليًا عن نقائص البشرية وهكذا اليوم، ولكن نجاح الحركة الإسلامية في جمع شمل ناس هم أقرب إلى الخير والصلاح منهم إلى الشر والفساد، ومن ثم تستغلهم الحركة بأسلوب يتلاشى الشر ويتضاعف الخير وهكذا تصرف طاقاتهم في سبيل إعلاء كلمة الله.

ويواجه الإنسان بعد تغلبه على هذه الإشكالات حول اتباع الحق والإخلاص لله مشكلة أخرى وهي أنه يلاحظ أن منتسبي الحركة الإسلامية فيهم من لا يصل إلى المستوى المطلوب ولا يرتقي إلى العلو ويؤخذ عليه في كثير من جوانب الحياة، فيقع في قلق نفسي.

ويجد هذا القلق كل من له صلة بالحركة وأنا من بينهم، ولكن أقول إن كان يدفعنا القلق إلى السعي وراء إصلاح الجوانب الضعيفة وتحسين الوسائل التي تساعدنا في إيقاظ الوعي الديني فهو مرافق للخير ونرحب به دون إهمال وإعراض عنه بل نستزينه ونتمنى بقاءه لأن رقينا خلقيًا وتقدمنا روحيًا كله يعتمد على نشوء هذا القلق، واليوم الذي غفلنا عنه وظننا أننا بلغنا مرتبة الكمال فإن ذلك اليوم يكون بداية الكارثة ونقطة الانحطاط بالنسبة لنا ولكن إن أدى هذا القلق إلى اليأس والفرار من تحمل المسؤولية، فهذا إذن من وساوس الشيطان ولا مفر منه إلا بالحوقلة (لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) والعودة إلى العمل بجد وحماس أكثر، وإن أردت خدمة الإسلام  فدونك من هذه الوساوس لأنك لا تستطيع قطع مسافة وقلبك مليء بالوساوس والهموم، والشيطان ألذ شيء عنده تضخيم الوساوس وتزيينها حتى تنصرف عن العمل الإسلامي، وهكذا ينتصر على الداعي ويمنعه عن مواصلة مسيره بعد أن بدأ بالسير على رغم أنفه. والله المستعان.

نقله إلى العربية/ محمد إقبال مسعود الندوي كلية الشريعة بمكة المكرمة جمادى الأولى 1401هـ.

الرابط المختصر :