العنوان لجنة مشتركة من علماء الشريعة ونشطاء الحركة النسائية لتقريب وجهات النظر حقوق المرأة وواجباتها بين منظمات المرأة و تيارات الصحوة
الكاتب إبراهيم الخشباني
تاريخ النشر الثلاثاء 24-نوفمبر-1998
مشاهدات 54
نشر في العدد 1327
نشر في الصفحة 61
الثلاثاء 24-نوفمبر-1998
احتضن مقر المجلس العلمي لمدينتي الرباط وسلا مؤخرًا أشغال الدورة الخامسة لجامعة الصحوة الإسلامية حول «حقوق المرأة وواجباتها في الإسلام».
وجمعت الدورة لأول مرة بين اتجاهين مختلفين: الأول تمثله المنظمات والحركات النسائية المدافعة عن حقوق المرأة، وتستند في ذلك إلى المواثيق والأعراف الدولية والمؤتمرات العالمية حول المرأة، واتجاه يمثله الفقهاء، والعلماء، وتيارات الصحوة والحركات الإسلامية- المدافعون عن حقوق المرأة وفقاً لما تقتضيه الشريعة ومقاصدها ومبادئ الإسلام الحنيف.
أما من حيث الشكل، فالجديد الذي حملته الدورة ليس في نقل أشغالها من الدار البيضاء؛ حيث انعقدت الدورات الأربع السابقة إلى الرباط، ولكن كذلك في إحداث تغيير في منهجية تسيير ندوات الدورة، بحيث تم الاكتفاء بتوزيع البحوث على الحاضرين دون قراءتها، وذلك بسبب كثرة البحوث مع الرغبة في الاستماع إلى الآراء الحية، وفتح مجال أوسع للنقاش الذي تركزت المداخلات فيه حول محاور الدورة.
وقد اتسمت الدورة بخاصية أنها لم تقتصر كسابقاتها على عروض العلماء المتخصصين، ولكنها كانت فرصة لحوار نزيه وبناء بين العلماء والدعاة من جهة، والمنظمات النسائية من جهة أخرى.
وبقدر ما كان النقاش خصبًا ومثمرًا -خلال ندوات الدورة- كانت الرؤى متباينة، وكان مبدأ الحوار يترك مكانه بين الفينة والأخرى البعض المشادات الكلامية «اللطيفة».
أما عن الجلسات، فقد استهلت بمداخلة عائشة بلعربي كاتبة الدولة المكلفة بالتعاون، إذ اختارت لها عنوان «الإسلام والمرأة والسياسة» بينما تساءل مصطفى بن حمزة عن «حقيقة مطمحنا وراء تحرير المرأة قائلًا: «إننا لا نريد أن تبقى المرأة مظلومة، لكننا لا نريد أن نظلم الشريعة».
وفي الموضوع نفسه أكدت الباحثة السعودية الأميرة سارة بنت عبد المحسن آل سعود في بحثها «المرأة المسلمة والظلم الاجتماعي المعاصر» أن المرأة تتعرض لظلم مباشر وغير مباشر، فأما الأول فيمارسه المجتمع والهيئات الدولية والإعلام والقانون، والثاني يتمثل في ظلم المرأة لنفسها من خلال السلبية المستسلمة، والانهزامية النفسية. أما أسباب الظلم فتتحدد في غياب تطبيق الشريعة، وانحراف المفاهيم، والجهل بأحكام الدين، والغزو الثقافي والفكري والتعليم، موضحة أنه للخروج من هذا الواقع البئيس لا بد من تحكيم الإسلام منهاجًا وشريعة، والعمل على ترسيخ المفاهيم العقدية، والأصول الشرعية، ونشر الوعي الديني، وأسلمة مناهج التعليم والإعلام وتفعيل دور المرأة المسلمة المعاصرة.
أما الدكتور عبد الوهاب المسيري فقد اتبع منهجية متميزة في ملامسته للإشكال، حيث ركز على مفهوم الأنثوية Feminisme معتبرًا أنها لا تعني الأنثى، وإنما التمركز حول الأنثى، ومفهوم الصهيونية نفسه الذي يعني التمركز حول اليهود، مشددًا على أهمية الدور الذي تضطلع به المرأة داخل بيتها وفي علاقتها بزوجها وأبنائها، التي لا بد من أن تسودها الشورى، والتوافق والتسامح.
ثم كيف نفرض على رؤساء المؤسسات والمكاتب، تقول الأستاذة فاطمة أوعدي: «أن يستشيروا موظفيهم، وعلى هؤلاء الأخيرين واجب الطاعة والاحترام، ولا نطالب بذلك في مؤسسة الأسرة».
إشارات تفاؤل
هذه الأسرة التي كرمها الله عز وجل، وحفظ لكل واحد من أفرادها حقوقه وواجباته، ومن هؤلاء المرأة، فالإسلام -ترى الدكتورة سعاد الفاتح «الأمين العام للاتحاد النسائي العالمي للسودان» - منح المرأة حقوقها كافة قائلة: «ليس عندي وصفة جاهزة لكي أقول لكم نصلح كذا ونعمل كذا، ولكن أريد أن أنبه إلى أنه لا يمكن أن نصلح لا سياسة، ولا اقتصاد، ولا دعوة، ولا ثقافة، ولا.. ولا.. إلا إذا بدأنا بشيء واحد لا ثاني له هو تصحيح العقيدة.. وبهذا نبني الحركة النسائية الأصيلة المؤصلة التي شعارها إرضاء الله سبحانه وتعالى».
وأخذت الكلمة بعد ذلك الباحثة المصرية هبة رؤوف التي حاولت بث إشارات تفاؤل مؤكدة أن رموز النهضة لم تكن أبدًا هي رموز العلمنة «قاسم أمين، هدى شعراوي، الطاهر حداد»، وكأن الرموز الإسلامية لم تكن موجودة أو كانت محايدة، أو ضد النهضة، فمثلًا يتم تغييب رشيد رضا، وملك حفني ناصف، وزينب الغزالي، إضافة إلى أن الحركات الإسلامية تعد أكثر تجديدًا في خطابها وفعلها من الحركات العلمانية، مستدلة بكتابات الشيخ محمد الغزالي -رحمه الله- والدكتور يوسف القرضاوي.
وأضافت أنه من إشارات التفاؤل كذلك كون المرأة لم تستجب بكاملها إلى دعاة التغريب، فهناك نساء الحركات الإسلامية، وأكثر منهن نساء الصحوة الإسلامية، مشددة على ضرورة اجتماع رجال الفقه والاجتماع للخروج بحلول متكاملة وموضوعية لمشكلات المرأة.
في حين تطرقت الكلمة الموالية إلى القراءة في وثيقة مؤتمر بكين للأمم المتحدة، وتناولت فيها «نزيهة امعاريج» ورقة هذا المؤتمر، وبخاصة الأمور المتعلقة بقضية الأسرة، التي سعى المؤتمرون إلى تغيير مفهومها، والحقوق الجنسية التي دعت إليها بنود الوثيقة، وغيرها من القضايا التي تمس هويتنا الدينية والحضارية.
وأكد الدكتور سعد الدين العثماني ضرورة إحكام المرجعية، والانطلاق منها لمعالجة هذه القضايا الشائكة: «فإذا كانت الحضارة الغربية بنيت على اكتفاء الإنسان وانقطاعه عن الوحي دون الرجوع إلى أي مرجعية أو الاحتكام إلى أي معيارية، فعلينا نحن أن نحكم مرجعيتنا ومعياريتنا، ثم بعد ذلك نجتهد، واجتهادنا لا ينبغي أن يكون مجرد تقليد، بل يجب أن ينطلق من ذاتيتنا».
وفي الختام دعا الأستاذ العثماني الجمعيات النسائية إلى أن تضيف إلى مطالبها ودفاعها عن المرأة حقها في الالتزام بدينها.
وهكذا لم تكن المحاور كافية لتحقيق إجماع حول مختلف قضايا المرأة في الإسلام، وبخاصة أن نقاشًا واسعًا بين علماء ومناصرين لقضايا المرأة كانت جلسات الدورة الخامسة لجامعة الصحوة الإسلامية مسرحًا له أظهر أن هناك طرحين متباينين: طرح يستند إلى المرجعية الإسلامية ليدافع عن مكانة المرأة في الإسلام، ويرد تهمًا عديدة تتوسل إلى تشويهه، بترويج الأقاويل الكاذبة التي تقدمه للناس عدوًّا للمرأة وحقوقها، ومسئولًا عن تخلفها وتهميشها، وعرقلة تحريرها وتقدمها.
وطرح ثان يدافع عن كونية قضية المرأة، ويتخذ من المواثيق والأعراف الدولية مرجعيته الأساسية.
وقد أدى هذا النقاش الحاد إلى أن خرجت الدورة بتشكيل لجنة من علماء ودعاة من مختلف البلاد الإسلامية، وكذلك مناصرين ومناضلات في مجال المسألة النسائية بقصد تقريب وجهات النظر.