; بر الأبناء «1 من 2» | مجلة المجتمع

العنوان بر الأبناء «1 من 2»

الكاتب حسين علي الشقراوي

تاريخ النشر الثلاثاء 21-يوليو-1998

مشاهدات 61

نشر في العدد 1309

نشر في الصفحة 56

الثلاثاء 21-يوليو-1998

  • اختيار الأم الصالحة والاسم الحسن مع التربية على مبادئ الإسلام تمثل الأساس لبر الآباء بأبنائهم

قد يتوهم القارئ لأول وهلة أن هناك خطأ في العنوان، ولكن الأمر ليس كذلك، ففي خضم الحديث المتواصل عن بر الوالدين وأهميته في الإسلام، نسي كثير من الآباء والأمهات- بل والمربين- أن هناك برًا مقابلًا لبر الوالدين، وحقوقًا لا بد من القيام بها تجاه الأبناء، ورد في بعض الآثار أن رجلًا جاء إلى عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- يشكو سوء معاملة ابنه له، فأمر عمر- رضي الله عنه- أن يؤتى بالابن، فجيء به، قال له: إن أباك يشكو سوء معاملتك له وقسوتك عليه، فقال له: يا أمير المؤمنين، ألا تسأله ماذا فعل بي؟ قال: ماذا فعل بك؟ فقال الابن: لم يحسن اختيار أمي، فاختارها مجوسية، فكنت أعير بها، ولم يحسن تسميتي فسماني جعلًا «حشرة تدفع القذر بأنفها» فكان الصبيان يسخرون من اسمي، ولم يحسن تربيتي، فكان يهملني، ولا يرفق بي، فالتفت عمر بن الخطاب إلى الرجل فقال له: يا هذا، لقد عققته قبل أن يعقك.

وتنبع أهمية الأبناء من أنهم:

أولًا: زينة الحياة الدنيا: قال تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (الكهف٤٦)، فهذه الزينة إذا لم تتعاهدها وترعاها ذبلت وذهب بهاؤها.

ثانيًا: باب من أبواب الخير: قال صلى الله عليه وسلم: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث.... ولد صالح يدعو له»، (رواه البخاري ومسلم)، وقال: «من كان له ثلاث بنات أو أخوات، فكفهن وآواهن وزوجهن دخل الجنة، قالوا: وابنتان يا رسول الله؟ قال: وابنتان، حتى ظننا أنهم لو قالوا: أو واحدة؟ قال أو واحدة»، وهو مرسل، وعند أحمد أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من كانت له ثلاث بنات، فأطعمهن وسقاهن وكساهن من جدته كن له حجابًا من النار» «انظر تحفة المودود»، فصلاح الأبناء وحسن التربية يحتاج إلى عناية خاصة ورعاية فائقة، وفي المقابل قد يكون الأبناء بابًا من أبواب الدنيا والآخرة كما قال تعالي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (التغابن:14-15)، ويقول صلى الله عليه وسلم: «إن الولد مجبنة مبخلة» (صحيح الجامع – ۱۹۸۹)، وذلك حين يهمل الآباء والمربون هذا الباب، ويفرطون في حقوق الأبناء مما ينعكس سلبًا على سلوكهم وأخلاقهم.

ولذا اهتم الإسلام بتربية الأبناء وجعلهم مسؤولية الوالدين الأولى كما قال صلى الله عليه وسلم: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها، وهي مسؤولة عن رعيتها» (متفق عليه)، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (التحريم: 6). 

ومن هذا المنطلق أحببت أن أضع بين يدي القارئ بعض التوجيهات والمبادئ التربوية التي لا يستغني عنها والد أو مرب، وأما الوسائل فهي كثيرة جدًا، وتختلف باختلاف الأشخاص والأحوال وليس هذا مجال الحديث عنها. 

أولًا: تهيئة البيئة الصالحة: يعتقد كثير من الناس أن التربية تبدأ بعد الولادة، أو الإدراك، وعلى هذا نشأت النظريات التربوية، حتى قال قائل: «لاعب ابنك سبعًا، وربه سبعًا، وصاحبه سبعًا»، ولكن الإسلام يذهب إلى أبعد من ذلك، خلافًا لما يعتقده الكثير، فهو يهتم بالإنسان في جميع أطوار حياته من حين كونه نطفة إلى مستقره في الجنة أو النار، لذا فهو يأمر ويحث بتهيئة البيئة، واختيار الشريك الصالح القادر على القيام بواجب التربية مع الأب منذ البداية، وذلك باختيار الزوجة الصالحة، قال صلى الله عليه وسلم: «تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولجمالها، ولحسبها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك» (رواه البخاري ومسلم)، وقال أيضًا: «خير ما يكنز المرء في هذه الدنيا المرأة الصالحة، إن نظر إليها سرته، وإن أمرها أطاعته، وإن غاب عنها حفظته في نفسها وماله».

ثانيًا: الدعاء عند الجماع: إن النية الصالحة عند المعاشرة، والتأدب بآداب الجماع، فيه حماية للنطفة من نزغ الشيطان، وتسلطه على المولود، قال صلى الله عليه وسلم: «لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن قضي بينهما ولد من ذلك لم يضره الشيطان أبدًا» (متفق عليه)، ويقول: «ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان، فيستهل صارخًا من نخسة الشيطان، إلا ابن مريم وأمه» (متفق عليه). 

ثالثًا: القيام بحقوق المولود: كثير من الآباء يتساهل في  حقوق المولود عند ولادته إما جهلًا أو كسلًا، وهذا خلاف السنة، وبخاصة للقادر على ذلك من عقيقة وتسمية وحلق الرأس، وختان، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «كل غلام رهينة بعقيقته، يذبح عنه يوم سابعه، ويحلق رأسه، ويسمى، ويتصدق بوزن شعر المولود ورقًا أي فضة»، والعقيقة تكون عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة كما في رواية أبو داود والترمذي والنسائي «جامع الأصول 501/7»، وقوله صلى الله عليه وسلم «رهينة» قال أحمد: هذا في الشفاعة، أي أنه إذا لم يعق عنه فمات طفلاً لم يشفع لوالديه «التحفة 114/5».

رابعًا: غرس التوحيد والعقيدة الصحيحة: قال تعالى حكاية عن لقمان الحكيم وهو يعظ ابنه وفلذة كبده: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (لقمان: ۱۳) قال السعدي رحمه الله «106/4»: «ووجه كونه ظلمًا عظيمًا أنه لا أفظع ولا أبشع ممن سوى المخلوق من تراب بمالك الرقاب، وسوى من لا يستطيع أن ينعم بمثقال ذرة من النعم بالذي.... ما بالخلق من نعمة في دينهم ودنياهم وأخراهم، وقلوبهم وأبدانهم، إلا منه، ولا يصرف السوء إلا هو، فهل أعظم من هذا الظلم شيء؟».

فيربى الأبناء على هذه المبادئ العقائدية الصحيحة، وعلى مبدأ الولاء والبراء الذي هو أوثق عرى الإيمان كما قال صلى الله عليه وسلم: «أوثق عرى الإيمان الموالاة في الله، والمعاداة في الله، والحب في الله، والبغض في الله» (ص ج ٥٢٣/٩).

خامسًا: حب الطاعات والعبادات: فينبغي أن يربى الأبناء منذ صغرهم على الاهتمام بالفرائض كالصلاة والصيام، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، وغيرها من الواجبات، وبخاصة الصلاة؛ فإن لها أهمية كبيرة في حياة المسلم، وهذا هو منهج الأنبياء والصالحين من بعدهم.

 قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ (مریم: 54-55)، وقال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ (طه:132)، وقال صلى الله عليه وسلم: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع»، فإن الأبناء إذا تعودوا على أداء العبادات وحبها في الصغر، سهلت عليهم في الكبر كما قال الشاعر: 

وينشأ ناشئ الفتيان منا *** على ما كان عوده أبوه 

سادسًا: كره المعاصي والمحرمات: إن مبدأ الحلال والحرام في الإسلام ثابت لا يتغير، فلا يمكن أن يتحول الحلال حرامًا، أو الحرام حلالًا، لذا لا بد من أن نغرس في نفوس الأبناء كره المعاصي والمحرمات منذ الصغر، فعن أبي هريرة- رضي الله- قال: «أخذ الحسن بن علي تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: «كخ، كخ- ارم بها- أما علمت أنا لا نأكل الصدقة؟» (رواه مسلم)، قال الإمام النووي: وفي الحديث أن الصبيان يوقون ما يوقاه الكبار، وتمنع من تعاطيه، وهذا واجب على الولي «175/4».

وقال ابن حجر رحمه الله: «وتأديبهم- أي الأطفال- بما ينفعهم، ومنعهم مما يضرهم، ومن تناول المحرمات وإن كانوا غير مكلفين؛ ليتدربوا بذلك» فتح الباري «355/3».

سابعًا: الأخلاق الحميدة: فيربي الأبناء على الأدب ومحاسن الأخلاق كالصدق والأمانة، والوفاء، والكرم، والإيثار، والشجاعة في غير تهور، والجرأة في قول الحق، مع احترام الكبار، وتقدير الآخرين، ويحذرهم من الأخلاق الذميمة كالكذب والخيانة وغيرها، ورد أن عمر بن الخطاب مر بأحد شوارع المدينة المنورة والصبيان يلعبون، وفيهم عبد الله بن الزبير- رضي الله عنه- فلما رأى الصبيان عمر- رضي الله عنه- هربوا هيبة منه، إلا عبد الله بن الزبير، فلما دنا منه عمر قال له: «لم لم تهرب مع إخوانك؟ قال له: يا أمير المؤمنين، إني لم أخطئ فأخاف منك، وليست الطريق ضيقة فأوسع لك.... فتعجب عمر- رضي الله عنه- من شجاعته وأدبه، ودعا له بخير.

إن التأدب بآداب المصطفى- صلى الله عليه وسلم- في التعامل والأكل والشرب والأخذ والعطاء والدخول والخروج والسلام، والكلام، زينة للأبناء في صغرهم وبركة لهم في كبرهم.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1914

74

السبت 07-أغسطس-2010

التربية السليمة للأبناء

نشر في العدد 2051

104

السبت 04-مايو-2013

المجتمع التربوي (2051)

نشر في العدد 835

84

الثلاثاء 22-سبتمبر-1987

عوائق التوبة