الثلاثاء 27-أغسطس-1974
في اليوم الثالث عشر من شهر شوال من سنة 194 للهجرة «12/7/810م» كان مولد الإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه في مدينة بخارى أعظم بلدان «بلاد ما وراء النهر» «نهر جيحون» في التركستان. من أجل ذلك عرف بالبخاري، فإذا قيل اليوم: «البخاري»، فإن هذه النسبة المجردة المطلقة تدل عليه وحده. وكانت وفاة البخاري في الثلاثين من رمضان سنة 256 «31/8/870 للميلاد».
وبما أن بخارى اليوم تخضع للحكم السوفياتي، أراد السوفيات أن يقيموا لذكرى هذا الرجل العظيم مهرجانًا كلاميًّا «في بخارى» يكون إعلانًا دوليًّا لشيء من تسامحهم ولشيء من احترامهم للعلم، مع أن عداء السوفيات للدين عمومًا مشهور جدًّا وللإسلام خاصة أكثر شهرة. إن قولهم: «الدين أفيون الشعوب» ذائع بين الخاصة وبين العامة.
تعجل السوفيات إقامة هذا المهرجان؛ إذ الذكرى المئوية لمولد الإمام البخاري «بالحساب الهجري القمري» ستحل بعد نحو سبعين يومًا. أما وفاته فمر عليها اليوم 1138 «ألف ومائة وثمان وثلاثون سنة» هجرية و 1104 «ألف ومائة وأربعة أعوام» ميلادية. ولعل في تبدل وجه السياسة في الشرق الأوسط بين الشرق والغرب- مع سوء سياسة المعسكرين على العرب والمسلمين- يدًا في هذا التعجل!
نشأ محمد بن إسماعيل البخاري في بيت على شيء من الثروة وعلى شيء أكبر من العلم، كان والده إسماعيل من حفاظ الحديث ورواته ومن المؤلفين فيه، فكان للجو العلمي في بيت البخاري أثر كبير في توجيه البخاري نحو العلم عامة ونحو الحديث خاصة. غير أن إسماعيل توفي وشيكًا، نحو سنة 197 هـ «812-813 م»، فلم يكن للبخاري الصغير حظ من عناية أبيه، لكنه بدأ تفقهه بالعلم على كتب أبیه.
وبدأ البخاري لقاء الرجال للأخذ عنهم في العاشرة من عمره، وكانت له حافظة جبارة. قيل: كان يحضر مجالس الحديث فيصغي بينما رفاقه في المجلس يدونون ما يلقيه شيخ المجلس. وسأله أحد رفاقه مرة: لماذا لا تدون ما تسمع؟ فأعاد البخاري على رفيقه السائل غيبًا ما كان الشيخ ألقاه في مجلسه، فكان حفظ البخاري أصح من تدوين رفيقه!
ولما بلغ البخاري السادسة عشرة من عمره، سنة 210 هـ «825م» سار هو وأمه وأخوه أحمد إلى مكة للحج. فلما قضوا «بفتح الضاد» نسكهم رجعت أمه ورجع معها أخوه إلى بخارى وبقي هو في الحجاز ليسمع الحديث من أفواه الذين سمعوا الحديث من أسلافهم واحدًا قبل واحد حتى سمعه أولهم من رسول الله، وعلى الأرض التي قيل الحديث في أرجائها.
والحديث، في مجمله، هو أقوال قالها محمد رسول الله وأعمال روي عنه أنه قام بها. والدقة تقضي أن يقال إن الحديث وأقوال رسول الله مما ليس بقرآن، فإن القرآن وحي بلفظه ومعناه. أما الأحاديث فإنها قسمان:
أحاديث قدسية «وحي بمعناها لا بلفظها»، وأحاديث نبوية «مما كان يتفق لرسول الله أن يقوله في المناسبات المختلفة». ويحسن أن نذكر هنا أن مجاميع «الحديث» التي بين أيدينا اليوم ليست جميع أقوال رسول الله «لأن جمع أقوال الإنسان العادي الواحد أمر مستحيل، فكيف بجمع أقوال رسول عظيم»، لكنها مختارات.
وبدأ البخاري يجمع أحاديث رسول الله من أفواه الرجال جمعًا جادًّا، يطوف البلدان ليلقى الثقات من رجال الحديث: طاف العالم القديم كله «وهو العالم الحضاري كله يومذاك».
استقر في مكة حينًا وفي المدينة حينًا آخر ثم في البصرة والكوفة ثم في بغداد ودمشق، ثم في مصر «الفسطاط، قبل أن تنشأ القاهرة»، وفي دمشق وحمص، وفي المقدس وعسقلان، ثم في نيسابور وهراة «من المشرق». وكان إذا سمع أن عالمًا يعرف شيئًا من الحديث في بقعة من بقاع الأرض سار إليه أيامًا وليالي حتى يلقاه ويرى ما عنده. فإذا وجد عنده حديثًا جديدًا موثوقًا تطمئن إليه النفس ويسكن إليه القلب أخذه ودوّنه في مجموعة، وإن لم يجد عنده مثل ذلك احتسب رحلته الطويلة في سبيل الله وفي سبيل العلم، حتى جمع ستمائة ألف حديث فجلس ينخلها ويتخير منها: جمع مرة عشرة آلاف حديث فظن فيها ظنًّا خفيفًا فلم يأخذ في كتابه منها شيئًا.
ولما أراد أن يدون كتابه «الجامع الصحيح المسند المختصر من حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وسننه وأيامه» تدوينًا نهائيًّا استقر في المسجد الحرام في المدينة «وقيل دوّنه في فترات متقاربة في مكة والمدينة والبصرة وبخارى» في مدى ست عشرة سنة. واختار لكتابه نحو ستة آلاف حديث «أو أقل قليلًا» من ستمائة ألف حديث كان جمعها، أي اختار واحدًا في المائة من الأحاديث التي جمعها.
وإذا نحن تأملنا الأحاديث الستة الآلاف وجدنا عددًا منها مكررًا في معناه وعددًا آخر مكررًا في لفظه ولكن مختلفًا في سنده، فإذا جمعنا المختلف منها لفظًا ومعنى رجعت هذه الأحاديث إلى ألفي حديث أو تزيد قليلًا.
وكل حديث يتألف من سند ومن متن. وهنا نموذج للتمثيل:
حدث دال عن خاء عن حاء عن جيم عن ثاء عن تاء عن باء عن ألف عن رسول الله أنه قال: إنما الأعمال بالنيات. إن السلسلة المعنعنة «دال عن خاء عن حاء عن جيم إلخ» هي السند. وقول الرسول: «إنما الأعمال بالنيات» هو المتن.
المفروض في هذه السلسلة أن يكون كل راوٍ فيها لقي الراوي الذي قبله، وأن يكون الراوي الأول ألف، سمع الحديث من الرسول مباشرة. ويشترط في هذه السلسلة أن يكون كل رأوٍ فيها موثوقًا في دينه وسلوكه معروفًا بذلك مشهورًا في نسبه واضحة قرابته في قومه مذكورة «محمودة» صلاته الاجتماعية بالناس. حينئذ يكون هذا الحديث صحيحًا، ويكون سنده متصلًا. فإذا كان ألف «الذي سمع الحديث مباشرة من الرسول» دوّن الحديث في ورقة ثم عاد به إلى الرسول وعرضه عليه ورضي الرسول لفظ هذا الحديث وطريقة تدوينه، سمي هذا الحديث «مرفوعًا» «أي أُخذت عليه موافقة الرسول، في لغتنا اليوم». وهذا طبعًا أسمى درجات الحديث.
وفي الأحاديث الصحيحة ثلاث مراتب: الصحيح بإطلاق «سبق وصفه»، ثم الحسن «وهو الحديث الذي يكون في رجال سنده رجل لم تتحقق أهليته أو كان قليل الحفظ للحديث»، ثم الضعيف «وهو ما كان في رجال سنده أكثر من رجل واحد غامض الأهلية أو قليل الحفظ».
ومن الحديث ما هو مرسل «إذا كان راويه لم يلق الرسول لبعد الزمن بينهما بعدًا نسبيًّا» كما يروى عن سعيد بن المسيب «بكسر الياء المشددة- ولد سنة 13هـ» «634» سنتين بعد وفاة الرسول، فيقال: عن فلان عن فلان عن فلان عن سعيد بن المسيب، قال: قال رسول الله..
ثم الحديث المنقطع، وهو الذي سقط أحد رجال سنده، نحو حدث دال عن خاء عن حاء عن ثاء عن تاء عن باء عن ألف عن رسول الله «سقطت جيم بين حاء وثاء».
هذه الألفاظ القليلة هنا من علم الحديث كافية، فإن علم الحديث واسع جدًّا، ثم إني ذكرت ما يهم من ألفاظ علم الحديث وتركت التفاصيل والخلاف في التعريفات.
الجامع الصحيح: صحيح البخاري
مر بنا أن البخاري سمّى مجموعة من أحادیث الرسول: «الجامع الصحيح المسند المختصر من حديث رسول الله وسننه وأيامه». ولكن هذا المجموع عرف دائمًا باسم «صحيح البخاري»، ويقال أحيانًا: «الجامع الصحيح».
ويحسن أن أعيد هنا أن البخاري جمع عددًا قليلاً من الأحاديث وترك عددًا أكبر. وليس معنى هذا أن الأحاديث التي تركها ليست صحيحة. ترك البخاري كثيرًا من الأحاديث إذا كانت مكرورة المعاني فإن بعضها الذي ذكره يغني عن بعضها الذي تركه. وكذلك ترك أحاديث كثيرة حبًّا للاختصار، ورأينا أن لفظ «المختصر» وارد في عنوان الكتاب. ثم أن البخاري ترك عددًا آخر من الأحاديث لم يطمئن إليها، مع أن غيره «مسلم بن الحجاج، مثلًا، والمتوفى بعد البخاري بخمس سنوات فقط» اطمأن إليها وضمها إلى «صحيحه» «صحيح مسلم».
إذا تأملنا الدقة التي جمع بها العلماء المسلمون أحاديث رسول الله وما تحروه «بفتح الراء» في أثناء ذلك من صحة المتن وصحة الإسناد وكيف درسوا رجال الحديث وألفاظه، أدركنا أنهم هم الذين وضعوا أسس المنهج العلمي منذ القرن الثامن للميلاد «قبل أن يكون أوروبيون في المعنى الحضاري» وقبل أن يكون لغة فرنسية أو لغة إنكليزية «دعك من الألمانية والإيطالية والأسبانية»، ويوم كانت اللغتان اليونانية واللاتينية في النزع الأخير أو قبل ذلك قليلًا. ولعل قول الدكتور أسد رستم «ت 1965م» يقنع نفرًا من الناس لا يقنعون في سهولة. قال الدكتور أسد رستم «مصطلح التاريخ، بیروت 1939، الصفحة ز»:
«القواعد التي وضعها الأئمة منذ قرون عديدة للتوصل إلى الحقيقة في الحديث تتفق في جوهرها واتجاهها والأنظمة التي اكتشفها علماء أوروبة فيما بعد في بناء علم المثودولوجية. ولو أن مؤرخي أوروبة في العصور الوسطى والعصور الحديثة اطلعوا على مصنفات الأئمة المحدثين لما تأخروا في تأسيس علم المثودولوجية حتى أواخر القرن الثامن عشر. وفي إمكاننا أن نصارح زملاءنا في الغرب فنؤكد لهم بأن ما يفاخرون به من هذا القبيل نشأ وترعرع في بلادنا».
لعلّي بهذه الأسطر كشفت عن جانب من القيمة الحضارية في رجل مؤمن تنحني أمامه اليوم رؤوس مؤمنة ورؤوس ملحدة جنبًا إلى جنب!
عمر فروخ
الرابط المختصر :