; دعوة.. المولد النبوي | مجلة المجتمع

العنوان دعوة.. المولد النبوي

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 14-ديسمبر-1982

مشاهدات 70

نشر في العدد 599

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 14-ديسمبر-1982

استجابة لما طرح في الصفحة الثقافية في العدد 555 حول قضية المولد النبوي، أرسل الأخ صاحب التوقيع مقالة مطولة حول الموضوع، وقد اختصرناها فيما يلي:

كلنا يعلم مدى محبة المسلمين لنبينا محمد ومدى تعظيمنا وتوقيرنا له -صلى الله عليه وآله وسلم- ومن هنا أتى احتفالنا به، وإن كان هناك أناس لا يحبون الاحتفال بالمولد؛ فإنهم لا يستطيعون الإنكار على من يحتفل له، طالما أن هناك علماء أجلاء خدموا العلم وبينوا الحق، ومنهم الإمام ابن حجر والإمام السيوطي، والإمام ابن كثير، والشيخ ملا علي قاري، والإمام العراقي وغيرهم كثير، جوزوا تلك.

 ولا أطيل عليكم، وإنما أكتفي بذكر الأدلة الدالة على جواز الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، والاجتماع وسرد السيرة النبوية.

إن المولد النبوي أو الاحتفال به لم يكن في عهده -صلى الله عليه وسلم- فهو بدعة، ولكنها حسنة لا ندرجها تحت الأدلة الشرعية والقواعد الكلية، فهي بدعة باعتبار هيئتها الاجتماعية، لا باعتبار أفرادها؛ لوجود أفرادها في العهد النبوي، كما سنعلمه بعد قليل من وجوه الاستحسان:

الأول: أن الاحتفال بالمولد النبوي يعبر عن البهجة والسرور والفرح، وقد ينتفع به الكافر كما جاء في البخاري بأنه يخفف عن أبي لهب كل يوم إثنين، بسبب عتقه لثويبة جاريته لما فرحته وبشرته بولادة محمد -صلى الله عليه وسلم-.

الثاني: أن المولد الشريف يبعث على الصلاة والسلام المطلوبين بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (الأحزاب: 56)، وما كان يبعث على المطلوب شرعًا، فهو مطلوب شرعًا.

 الثالث: أن المولد النبوي يشمل على ذكر مولده الشريف، ومعجزاته، وسيرته والتعريف به، وكلنا مأمورون بمعرفته، والاقتداء به، والتأسي بأعماله، والإيمان بمعجزاته، والتصديق بآياته، وكتب المولد تؤدي هذا المعنى تمامًا.

الرابع: أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يعظم يوم مولده، ويشكر الله تعالى فيه على نعمته وفضله، وكان تعبيره -صلى الله عليه وسلم- بالصيام، فقد جاء في صحيح مسلم كتاب الصيام عن أبي قتادة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سئل عن صوم يوم الاثنين؟ فقال: «فيه ولدت، وفيه أنزل عليَّ». وهذا يدل على أن معنى الاحتفال موجود.

الخامس: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يلاحظ ارتباط الزمان بالحوادث الدينية العظمى، ودليل ذلك أنه -صلى الله عليه وسلم- لما وصل المدينة، ورأى اليهود يصومون يوم عاشوراء، سأل عن ذلك؛ فقيل له: أنهم يصومونه لأن الله نجى نبيهم، وأغرق عدوهم، فهم يصومونه شكرًا لله على هذه النعمة، فقال -عليه الصلاة والسلام-: نحن أولى بموسى منكم، فصامه وأمر بصيامه.   

السادس: مدحه بالقصائد كان يفعل أمامه -صلى الله عليه وسلم- ويكافئ الشعراء على ذلك، فكيف بمن جمع شمائله الشريفة.

السابع: أن تعظيم الحبيب محمد -صلى الله عليه وسلم- مطلوب ومشروع، والفرح بيوم مولده من أفضل وأظهر مظاهر الابتهاج والسرور والشكر لله.

الثامن: يؤخذ من قوله -صلى الله عليه وسلم- في فضل يوم الجمعة وما فيه من مزايا، وأنه فيه ولد آدم، فكيف باليوم الذي ولد فيه صلوات الله وسلامه عليه؟ ولا يختص هذا التعظيم بذلك اليوم بعينه، بل يكون له خصوصًا ولنوعه عمومًا، مهما تكرر كما هو الحال في يوم الجمعة.

التاسع: قال تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ (هود: 120). يظهر لنا من الآية أن الحكمة من قص أنباء الرسل؛ تثبيت فؤاد المصطفى -صلى الله عليه وسلم- ونحن اليوم أحوج إلى تثبيت أفئدتنا بأنبائه وأخباره وذكره.

العاشر: المولد النبوي ما هو إلا اجتماع ذكر وصدقة ومدح وتعظيم للجناب النبوي، وهذه الأمور مطلوبة شرعًا وممدوحة.

الحادي عشر: أن المولد أمر استحسنه العلماء والمسلمون في سائر البلاد، وجرى به العمل في كل صقع، فهو مطلوب شرعًا للقاعدة المأخوذة من حديث ابن مسعود الموقوف «ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، وما رأه المسلمون قبيحًا فهو عند الله قبيح» أخرجه الإمام أحمد.

الثاني عشر: ليس كل ما لم يفعله السلف، ولم يكن في الصدر الأول بدعة منكرة سيئة يحرم فعلها، ويجب الإنكار عليها، بل يجب أن يعرض ما أحدث على أدلة الشرع، فما اشتمل على مصلحة فهو واجب، أو على محرم فهو محرم، أو على مكروه فهو مكروه، أو على مباح فهو مباح، أو على مندوب فهو مندوب، والعلماء قسموا البدعة إلى خمسة أقسام؛ وهي ما ذكرناه آنفًا، ومن قسم البدعة من العلماء الإمام المعز بن عبد السلام، والإمام النووي وابن الأثير.

الثالث عشر: ليست كل بدعة محرمة، ولو كانت كذلك لحرم جمع القرآن وكتابته في المصاحف، خوفًا على ضياعه بموت الصحابة القراء -رضى الله عنهم- ولحرم جمع عمر بن الخطاب -رضى الله عنه- الناس على إمام واحد في صلاة القيام مع قوله نعمت البدعة، ولهذا قيد العلماء حديث كل بدعة ضلالة بالبدعة السيئة. 

وعصرنا الراهن مملوء بأمور كثيرة لم يفعلها السلف، كجمع الناس على إمام واحد في صلاة التهجد، وختم المصحف، ودعاء ختم القرآن، والمناداة لصلاة القيام. فهل كل هذه الأمور بدعة مع أن لها فضائل جمة كما لا يخفى؟

الرابع عشر: قال إمامنا الشافعي رحمه الله: ما أحدث وخالف كتابًا، أو سنة، أو إجماعًا، أو أثرًا فهو البدعة الضالة، وما أحدث من الخير ولم يخالف شيئًا من ذلك فهو المحمود.

الخامس عشر: كل ما تشمله الأدلة الشرعية، ولم يقصد بإحداثه مخالفة الشريعة، ولم يشتمل على منكر فهو من الدين، وقد سمى الشارع بدعة الهدى سنة، ووعد فاعلها أجرًا، فقال عليه الصلاة والسلام: «من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده، كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء».

 السادس عشر: كل ما ذكر آنفًا إنما هو في المولد الذي خلا من المنكرات المذمومة التي يجب الإنكار عليها، أما إذا كان هناك اختلاط أو ارتكاب محرمات، فهذا ولا شك محرم شرعًا، أي أنه خرج عن نطاق البدع إلى التحريم. 

والآن نذكر رأي علمائنا الأجلاء والأئمة الأعلام، الذين قالوا رأيهم صراحة في الاحتفال بالمولد النبوي، وسأذكر كتبهم المؤلفة في هذا الشأن، وذلك للرجوع إليها، والتأكد من حكم الاحتفال به -صلى الله عليه وسلم-.

- رأي الإمام الشيخ ابن تيميه في المولد النبوي، يقول في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم: «فتعظيم المولد واتخاذه موسمًا قد يفعله بعض الناس ويكون له فيه أجر عظيم، لحسن قصده وتعظيمه الرسول الله -صلى الله عليه وسلم- كما قدمته لك أنه يحسن من بعض الناس ما يستقبح من المؤمن المسدد..».

- الإمام السيوطي ألف كتابًا في المولد النبوي سماه «حسن المقصد في عمل المولد»، وكتابه «الحاوي للفتاوي» يبين في أحد فصول الكتاب حكم الاحتفال بالمولد النبوي، ويرد فيه على من قال بأن المولد بدعة مذمومة.

- الإمام الحافظ ابن كثير 777- 842هـ ألف في المولد النبوي كتبًا عدة، ذكر صاحب كشف الظنون في أسامي الكتب والفنون ص 319: أن الحافظ ابن كثير قد صنف في المولد الشريف أجزاء عديدة منها:

«جامع الآثار في مولد النبي المختار» في ثلاث مجلدات، و «اللفظ الرائق في مولد خير الخلائق» وهو مختصر، وقال ابن فهد: إن لابن كثير كتابًا يسمى: «مورد الصادي في مولد الهادي». 

- ومنهم الإمام الحافظ العراقي 725 - 808 هـ، صنف هذا الإمام كتابًا في المولد الشريف سماه «المورد الهني في المولد السني».
5

-  ومنهم الإمام الحافظ السخاوي 831 - 902 هـ له كتاب في المولد يسمى «التبر المسبوك في نيل السلوك».

- ومنهم الإمام ملا علي قاري ت 1014 هـ، له كتاب في المولد سماه «المورد الروي في المولد النبوي».

ونحن لا نقول بوجوب الاحتفال أو سنيته، ولا نحدد ليلة معينة مخصوصة نجعلها هي يوم احتفالنا، وإنما احتفالنا به -صلى الله عليه وسلم- في كل لحظة وثانية، ولا يخفى على من حضر الموالد ما له من فضائل، ففيه يدلي العلماء بعلمهم، ويرشدون الناس إلى طريق الحق وخاصة في مجلس يذكر فيه -صلى الله عليه وسلم- فتحصل لهم البركات، وتزداد الحسنات، والمولد والاجتماع له ما هو إلا وسيلة نبيلة شريفة إلى غاية شريفة، اللهم اهد المسلمين ووفقهم والسلام عليكم...

أخوكم في الله من السعودية- الرياض

 

ملاحظات علي فضل منهج البشر

ما هي حقيقة هذا الدين؟ طريقة عمله في حياة البشر. 

•• ما دام الدين من عند الله، إذا يعمل بطريقة سحرية في حياة البشر خارقة غامضة، دون أي اعتبار لطبيعة وطاقات ومستوى البشر المادي في أي مرحلة من مراحل التاريخ.. هذا خطأ. 

في حين إنه لا يعمل بهذه الطريقة يتخلون عنه، وتقصد بهم شهواتهم وضعفهم ونقصهم. هذا حال مجتمعنا اليوم، وهذا كله نتاج خطأ واحد أساسي وهو عدم إدراك طبيعة هذا الدين، وطريقته في التأثير في حياة البشر. إن هذا الدين يتم تحقيقه في حياة البشر بجهد البشر أنفسهم، وفي حدود طاقاتهم (إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد: 11). 

•• لا يغفل فطرة الإنسان واقع حياته المادية.

•• الهدى ثمرة للجهد والرغبة في الهدى ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾ (العنكبوت: 69).

•• لماذا؟ «سؤال لا يسأله مؤمن جاد -أكثر أدبًا مع الله، ولا ملحد جاد، لأنه لا يؤمن بالله».

•• تحقيق هذا المنهج على يد جماعة من البشر، تؤمن به وتستقيم عليه، تقدر طاقاتها وتجتهد لتحقيقه في قلوب البشر بكل ما تملك من قوة.

•• الانتصار والهزيمة شيء موجود في هذه الحياة، والنصر يأتي بقدر ما تمثل هي ذاتها من حقيقة المنهج، ومن ترجمة واقعية في سلوكها الذاتي.

•• غزوة أحد -تقصير الجماعة المسلمة- تمثيل بعض جوانب طبيعة هذا الدين.

•• تعلمت الجماعة المسلمة هذه الحقيقة لمنهج هذا الدين، لا بالكلام أو العتاب، وإنما بالدم والآلام.

•• أن حقيقة الإيمان لا يتم تمامها في القلب، حتى يتوخى هذا القلب مجاهدة الناس في مر هذا الإيمان، وكذلك مجاهدة نفسه. 

•• أن هذه المجاهدة هي الوسيلة لعملية تمحيص الصفوف بعد النفوس.

•• إذن ما أصابهم في الحقيقة هو تقصيرهم في تمثيل حقيقة الإيمان كاملة في مشاعرهم وتصرفاتهم بالغزوة.

•• إن كون هذا المنهج الإلهي متروك تحقيقه للجهد البشري في حدود طاقاتهم، لا يعني استغلال الإنسان نهائيًا بهذا الأمر، وانقطاعه عن قدرة الله وتدبيره.

•• جهد البشر -عون الله لهم- تحقيق هذا المنهج على أتم وجه وأكمله.

الرابط المختصر :