العنوان الافتتاحية- أفيقوا ثم انظروا من تحاربون!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 29-أكتوبر-1985
مشاهدات 36
نشر في العدد 739
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 29-أكتوبر-1985
الساحة
الإسلامية تشهد منذ عشرات السنين الماضية حربًا شرسة متعددة الألوان ضد الإسلام،
وضد الدعاة إلى الله، وضد الحركات الإسلامية الحقة، التي تسعى للتمكين لدين الله،
وإقامة دولته وخلافته.
وتبدو هذه الحرب
للبسطاء وكأنها خلافات أو تنازع حول السلطان بين أشخاص الدعاة وأصحاب السلطة في
بلادنا، أو هكذا يحرص أعداء الله أن تبدو هكذا للتقليل من شأنها، وحتى لا تتعاطف
الشعوب المسلمة مع هؤلاء الدعاة المضطهدين.
والحقيقة أن
أعداء الإسلام التقليديين- من شيوعيين وصليبيين وصهيونيين- هم الذين يخططون لهذه
الحرب من وراء ستار، ويدفعون بعملائهم وبالحكومات الضعيفة المستسلمة لهم للقيام
بهذه المهمة نيابة عنهم، فأدى هؤلاء دورهم الدنيء بصورة أشرس مما تمنى الأعداء
المخططون.
لقد تعددت صور
تلك الحرب وهذا الكيد، وغطت كل الساحة وكل المجالات، نذكر بعضها على سبيل المثال،
لأن الحصر يستحيل في هذا المقام.
منع النشاط
الإسلامي العام لهذه الحركات الإسلامية وحلها قانونيًا في معظم عالمنا الإسلامي،
وملاحقة أفرادها والعاملين للإسلام، ومطاردتهم والتضييق عليهم، واعتقالهم وسجنهم،
وتلفيق القضايا لهم، والحكم عليهم، وإيذاؤهم وتعذيبهم بألوان من التعذيب الشديد
الذي يفضي إلى موت الكثيرين منهم، وتعليقهم على المشانق، وقتل بعضهم بالرصاص، ونسف
الدور والمساجد على من فيها، ودفن الكثيرين أحياء تحت الأرض، وهتك الأعراض، ووصفهم
بالإرهاب والتطرف، واتهامهم بالاتجار بالدين إلى غير ذلك كثير.
وكذلك إفساد
مناهج التعليم وتفريغها من تعاليم الدين ومثله وقيمه، وتسخير أجهزة الإعلام
والصحافة والأقلام المأجورة ضد الإسلام، ولنشر الفساد والانحلال، ثم الحيلولة دون
تطبيق الشريعة الإسلامية، بل ومهاجمتها على صفحات الجرائد، وإباحة الخمر والميسر
وتشجيعه بحماية القانون، وانتشار الربا، وجعله هو الأساس في حياة الناس
ومعاملاتهم، وتخريب المؤسسات الدينية وتفريغها من جوهرها؛ حتى تكون رسمًا بلا
مضمون، ولتخرج من يقدمون الإسلام الرسمي المطوع لحساب الحكام المتسلطين، وتأميم
منابر المساجد لحساب النظام الحاكم؛ فلا ترتفع من فوقها كلمة حق، وإلغاء المجلات
أو الصحف الإسلامية الحرة، إلى غير ذلك كثير من صور هذه الحرب.
ثم ماذا بعد
هذا؟ هل حققت هذه الحرب الطاحنة للأعداء وأعوانهم ما يريدون؟ هل قضت على دعوة الله
وعلى أبنائها العزل؟ هل أرهبتهم ودفعتهم إلى التخلي عن دعوتهم؟ أم أن الأمر عكس
ذلك، أو أن هذه الحركات الإسلامية ازدادت في ظل المحن أصالة وعمقًا، واتسعت
رقعتها، وكثر أتباعها وأنصارها؟
هلا سأل الأعداء
وأعوانهم أنفسهم لماذا كانت النتيجة عكس ما يشتهون؟ إنهم ما زالوا في غيهم يعمهون،
إنهم ما زالوا يتصورون أنهم يحاربون أشخاص الدعاة العزل، ويتعاملون مع أجسامهم
الضعيفة التي يجعلون منها أهدافًا لسياطهم ورصاصهم ومشانقهم.
ألا أفيقوا- يا
قوم- ثم انظروا من تحاربون، إنكم في الحقيقة تحاربون الله في أشخاص هؤلاء الدعاة،
إن هؤلاء الدعاة باعوا أنفسهم لله، ولم يبعثهم حظ دنيوي ينافسونكم عليه، إنهم
يعملون لله ولإعلاء كلمة الله.
إن الدعوة التي
يعملون لها، ويتحملون في سبيلها، ويضحون ويجاهدون من أجلها، ليست دعوة أشخاص منهم،
ولا دعوة زعامات من بينهم، ولكنها دعوة الله، إنها نور الله، ولن يطفئ نور الله
بشر.
أفيقوا ثم
انظروا هل أنتم على مستوى حربكم لله القوي القهار الذي له جنود السموات والأرض؟
خذوا الدروس
والعبر من غيركم إن كنتم تعقلون، أين فرعون؟ أين هامان؟ أين الجنود؟ أين أبو جهل
وأبو لهب وغيرهم؟ أين كل من قاوموا دعوة الله ورسل الله؟ بل أين فاروق؟ وأين عبد
الناصر والسادات وغيرهم؟ لقد هلكوا وبقيت دعوة الله، وسيهلك غيرهم وتبقى دعوة
الله؛ لأن الله يدافع عن الذين آمنوا، وينصر من نصر دينه.
إنها سنة الله،
ولن تجد لسنة الله تبديلًا، ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ
فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ
فِي الأَرْضِ﴾ (الرعد:17)، ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ
فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ (الأنبياء: 18).
يا من تناصرون
الباطل المنتفش، وتسهمون في هذه الحرب ضد الإسلام وضد الدعاة إلى الله، أفيقوا،
وراجعوا أنفسكم، يا من تعملون لحساب الشرق أو الغرب من أعداء الله، إنهم لن يغنوا
عنكم من الله شيئًا، وسيزهق الله باطل الشرق والغرب وكيد الصهيونية على أيدي عباده
المؤمنين، ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ ۖ قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا﴾
(الإسراء: 51).
أفيقوا، واعلموا
أن هذه الحضارات المادية إلى انحدار وانتهاء، وأن المستقبل لهذا الدين، لا تبيعوا
دنياكم وأخراكم لحساب غيركم من أعداء الله.
إننا ندعو
المسلمين منكم أن يفيقوا، ويكفوا أيديهم عن الدعاة إلى الله، وعن حربهم للإسلام
والمسلمين قبل فوات الأوان حيث لا ينفع الندم، واعلموا أن وعد الله للمؤمنين
بالنصر والتمكين وعد حق ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الروم:
47)، ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ (غافر: 51)، ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا
مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا
اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي
ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ (النور:
55).
نقول لكم
أخيرًا: سارعوا بالتوبة والاستغفار عما بدر منكم، ولا تعودوا لمثله؛ فباب التوبة
مفتوح؛ فالله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ
وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ
عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ (البروج: 10). فإن سارعتم وتبتم، وأقلعتم عما أنتم فيه؛ كان
خيرًا لكم، وإلا فالهزيمة لكم في الدنيا، والعذاب في الآخرة، والنصر للمؤمنين في
الدنيا، والجنة والنعيم في الآخرة، ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي
السَّبِيلَ﴾ (الأحزاب:4).