; الثورة الإيرانية في الميزان | مجلة المجتمع

العنوان الثورة الإيرانية في الميزان

الكاتب د. إسماعيل الشطي

تاريخ النشر الثلاثاء 04-سبتمبر-1979

مشاهدات 122

نشر في العدد 455

نشر في الصفحة 10

الثلاثاء 04-سبتمبر-1979

  • هل نتخلى عن التصور الإسلامي الصحيح المجرد من الغلو والتطرف.
  • كثير من مثقفي الشيعة لا يستسيغون أفكار الغلو والتعصب.
  • هل من الإنصاف مقارنة إيران الخميني بإيران الشاه المجوسي؟

لم تكن تعنينا إيران -فيما مضى- ولم نكن نعتبرها أحد ميادين الحركة الإسلامية المهمة.. اللهم إلا في تلك الفترة التي ظهر فيها نواب صفوي بجماعته «فدائیان إسلام».. وبالتخصيص عندما احتك نواب صفوي بإحدى جماعات الحركة الإسلامية. جماعة الإخوان المسلمين.. قبلها وبعدها لا ندري شيئا عن أي حركة أو اتجاه ديني هناك.. وحتى حركة الخميني في الستينات -رغم حدتها- لم نعطها اهتمامًا بل كثير منا لم يسمع عنها إلا اليوم.

واليوم- نقف مذهولين أمام ثورة دينية هزت عرش الشاه.. وأربکت أجهزة المخابرات العالمية.. وحركت الملايين.. وقدمت الضحايا.. وسيطرت على الأوضاع واستلمت السلطة بمشاهد سريعة متلاحقة.. وفي فترة زمنية وجيزة.. لنجد أنفسنا أمام أمر واقع.. وحقيقة مفاجئة.. أمام «جمهورية إيران الإسلامية».

الأحداث المتلاحقة لم تترك للإسلاميين فرصة لتقييم هذه الحركة.. تقييمًا فكريًّا واعتقاديًّا وحركيًّا وسياسيًّا.. والانتصار المفاجئ السريع ضيق أمامهم الخيارات.. خيارات التعاون والاستفادة والتأثير.. بل إن الحركة الإسلامية وقفت حائرة أمام هذا الوضع أمام دولة تنادي بالإسلام وترفع راية القرآن وتمد يدها للإسلاميين جميعا.. الحيرة تكمن في تلك الثورة التي خاضها شعب منبثق من أمة محمد صلى الله عليه وسلم وشطرت الأحداث التاريخية بيننا وبينه خلافات في الأصول وفي الفروع وفي السياسة.

 وتطرح أطراف كثيرة أسئلة تتراوح بين التطرف والتفريط.. كما تتراوح بين التعصب والتميع.. وإن كانت هناك أسئلة تأخذ طابع الجدية والاعتدال.. وعلى سبيل المثال..

هل نتناسى تلك الخلافات أمام ذهولنا بالانتصار المفاجئ.. ومن إلحاح حاجتنا إلى نصير يدعمنا أمام واقع الاستضعاف ووطأة الضغوط؟ هل نتخلى عن التصور الإسلامي الصافي.. المجرد من الغلو والتطرف والشطحات؟

 هل نفرط بتلك الأمانة التي سلمها لنا سلفنا الصالح نقية بيضاء؟

وفي المقابل أسئلة أخرى :

دولة تنادي بالإسلام وترفع راية القرآن كيف نرفضها؟

ثورة قامت لإسقاط محاولات الشاه لمسخ الشعب الإيراني وإعادته إلى المجوسية..

 فهل من الإنصاف مقارنة المجوسية الكافرة مع الشيعة الإمامية؟

 أيهما أخطر إيران الأميركية التي تحمل الحقد النصراني الدفين والخبث اليهودي الماكر.. أم إيران الخميني؟

ثم أليس من الأفضل لنا أن تقوم دولة خارج النفوذين الغربي والشرقي؟

 وأسئلة أخرى كثيرة تتفاوت بقوتها بين الأطراف.. وتحصر الآراء المتداولة في الحركة بين ثلاثة مواقف :

  • الموقف الأول :

وهو الموقف الرافض على الإطلاق وهو الصوت الذي يحلل الأحداث علميًّا وأكاديميًّا.. ويتناولها بصورة مثالية.. ونظرية.. معتمدًا على ما بين يديه من المؤلفات والمراجع حول الأحداث الواقعية.. وهو الصوت المتمسك بالأصول السلفية كما رسمها شيخ الإسلام المجدد ابن تيميه..

وهذا الصوت يعتمد في رفضه للثورة الإيرانية على ما عنده من معلومات حول الشيعة الإمامية وافتراقها الاعتقادي عن عقيدة أهل السنة والجماعة.. ويلخص ذلك الصوت الخلاف الاعتقادي في مجموعة نقاط:

 1- أن الشيعة الإمامية تعتقد أن الشريعة المحمدية لم تكتمل.. وأن الرسول- صلى الله عليه وسلم- بلغ أحكام الوقائع التي وقعت في عصره وأودع بقية الأحكام للأئمة الأوصياء يبلغونها حين حدوث وقائعها على مر الدهور (1).. وهذا ما يصطدم مع صريح القرآن:

﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ﴾ (المائدة: 3).

 ۲- أن الشيعة الإمامية تعتقد أن ما يقوله الأئمة الأوصياء شرع إسلامي لأنه تتميم الرسالة وهو بمنزلة كلام النبي- صلى الله عليه وسلم- وأن لهم أن يخصصوا النصوص العامة ويقيدوا النصوص المطلقة..

٣- يبنى على هذا أن الشيعة الإمامية تعتقد أن الإمام الوصي معصوم من الخطأ والنسيان والمعاصي) ۲).

٤- ويجيزون أن تجري الخوارق والمعجزات على يديه لتثبت إمامته.. ووجوده ضروري لحفظ الشريعة وصيانتها لذلك هم يعتقدون بوجود محمد العسكري رحمه الله حيًّا في السرداب !

٥- خلافهم معنا على الشطر الثاني من دعوتنا وهي السنة النبوية.. فنحن ندعو للكتاب والسنة.. عوضًا على شتمهم الصحابة رضوان الله عليهم وخاصة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.

6- افتراقهم عنا في كل شيء... في مساجدهم.. فجماعاتهم غير جماعاتنا ولا يصلون خلفنا. مقابرهم غير مقابرنا.. فموتاهم لا يدفنون مع موتانا.. محاكمهم الشرعية غير محاكمنا الشرعية؛ فالزواج والطلاق والمواريث كلها لا يجوز أن تتم في محاكمنا.. حتى الشهادتين يختلفون عنا فهي ثلاث شهادات وهو ما نسمعه بأذانهم «وأشهد أن عليًّا ولي الله».. وطرف آخر من هذا الصوت الرافض يحدد موقفه من جانب آخر ومن زاوية مغايرة.. من نظرة التحليل السياسي للأحداث مربوطة بالأحداث السياسية التاريخية على مدار التاريخ الإسلامي.. وهذا الطرف يرى أن :

  • أن الحركة الشيعية حركة باطنية لها ظاهر وباطن. بمعنى أنها صورتها الظاهرة خلاف ما هي عليه في الحقيقة.. يساعدها ذلك الإيمان بمبدأ التقية الذي يقرره المذهب الشيعي ويتحد مع المبدأ الميكافيلة «الغاية تبرر الوسيلة».. فهو قد يتعاون معك ويحبك بينما يغدر بك في أسنح فرصة تواتيه لتحقيق أغراضه ومصالحه.
  • الواقع التاريخي يشهد بذلك.. فهذا (ابن العلقمي) يتعاون مع التتار لسحق بغداد ويقتل المسلمين، وهذا «نصير الدين الطوسي» يدخل وزيرًا لهولاكو أثناء سقوط بغداد..

 بل إن «الياسا» التي يتحاكم اليها التتار نصت في أحد بنودها على احترام أضرحة آل البيت واحترام أفرادهم.. بل إن التتار كافئوا الشيعة ببناء أحد أضرحة آل البيت بعد استيلائهم على بغداد.

  • الإسماعيلية والحاكمية الدروز والنصيرية كانوا عونًا للفرنج أثناء الحروب الصليبية في عهد الظاهر بيبرس.. فكانت حصون الإسماعيلية تثير الرعب داخل المجتمع الإسلامي بعمليات النهب والاغتيال والسلب.. وكانت النصيرية تقاتل المسلمين وتتعاون مع النصارى.
  • بناء على ذلك فلا يستبعد أن يتعاون الشيعة من جديد مع النصارى والمخابرات الأميركية بالذات لضرب الإسلام والحركات الإسلامية.. فكلنا يعرف عمق جذور المخابرات.. فهي القاعدة الأميركية الثانية- بعد إسرائيل- في الشرق الأوسط.. وهي ترسانة السلاح الأميركي في تلك المنطقة.. وهي خزان النفط الكبير الذي تعتمد عليه إسرائيل وجنوب أفريقيا.. عوضًا على أن حاکم إیران من أقوى حكام المنطقة.. فالتخلي عن المنطقة أمر صعب التصديق. 

لذلك يرى هذا الفريق أن الخميني رجل متعاون مع المخابرات الأميركية من أجل مصالح متبادلة.. فهذا الرجل الذي ظل بعيدًا عن الأضواء طوال فترة حياته تحتضنه فرنسا لتسلط كل الأضواء ووسائل الإعلام التي يسيطر عليها الصهاينة.. ثم خلال فترة وجيزة يتسلم الحكم.. وكان بالإمكان ببساطة اغتياله وإنهاء ما يسمى بالثورة.. وكدليل الصدق هذه التخمينات وجود سابقة وهي موسى الصدر المعروف بصلته بالمخابرات الأميركية عن طريق السافاك والذي دفعه الموارنة في لبنان للظهور وأيدوه وهو لم يدرس العلوم الفقهية إلا سنة واحدة في النجف، كان قبلها طالبًا في كلية الحقوق بطهران.. فلِمَ لا يصدق هذا التخمين؟

  • الموقف الثاني :

وهو الموقف المتضامن المؤيد على الإطلاق.. وهو الصوت المتحرر الجريء الذي قال كلمته بقوة بصراحة وبلا مبالاة بكل ما يقال من خلافات تاريخية.. وهذا الصوت يمثله أولئك الذين يتحركون بهذا الدين بصورة نقابية سياسية بحتة.. ويعطون للدعوة الجماهيرية العامة أهمية أكبر بكثير من الدعوة التربوية.. ويمثله كذلك الإسلاميون المقيمون في أوروبا وأميركا.. وأولئك استطاعوا أن يعلنوا صوتهم بقدرة فائقة. ويعود السبب إلى أنهم يمتلكون من وسائل الإعلام من إعلان رأيهم.. فالنقابيون عموما يعتمدون في عملهم على المؤسسات المتصلة بالجماهير كأجهزة الإعلام والمؤتمرات والمحاضرات والندوات.. وهذا ما جعل البيانات المؤيدة للثورة الإيرانية تبدو وكأنها تمثل الرأي العام للحركة الإسلامية.. ويلخص هذا الصوت موقفه بالآتی:

  • أن المحنة التي يحياها المسلمون جميعا في وقتنا الحاضر.. جعلت الشيعي المعاصر والسني المعاصر يتجاوزان كثيرًا من الخلافات التاريخية.. فالخلافات في السابق يمليها واقع التنافس بين دولتين إحداهما سنية والأخرى شيعية..كلاهما يتصارع لتمثيل الإسلام..

ولكن اليوم لا دولة شيعية ولا دولة سنية الجميع مهدد بالانقراض.. بل إن الإسلام الذي يتصارع الطرفان لتمثيله مهدد بالزوال..

  • وما يقال أن الخلاف التاريخي... هو خلاف محصور في بعض القضايا الكلامية والفقهية وليس في الأصول الكبرى.. وهذا الخلاف نفسه موجود عند أهل السنة والجماعة فهناك أهل الحديث الحنابلة وهناك الأشاعرة الشافعية وهناك الماتريدية الحنفية وبينهم من الخلاف في القضايا الكلامية ما يكاد يصل إلى خلاف واحدة منهم وبين الإمامية الجعفرية.. أما الأصول فالجميع متفق عليها، والقرآن واحد والقبلة واحدة والشعائر واحدة، والجميع يعتمد على الحديث الشريف كل بطرق رجاله.
  • وواقع التجربة في أوروبا وأميركا أن الشيعة والسنة من الطلبة أو المقيمين يؤكد ذوبان هذه الفوارق. فالجميع يعمل في المؤسسات الإسلامية تحت راية واحدة ودون شعور بجميع تلك الفوارق.
  • وعلى العموم، ما يسمى بالخلاف الاعتقادي يبقى في المجال الفردي وعلى نطاق شخصي.. أما السمة العامة للدولة والصورة الرئيسية للمؤسسات فإنها واحدة في الإسلام.. وقيام دولة مسلمة تثبت للعالم فاعلية الإسلام في بناء الدولة والمجتمع وصلاحيته للقيام بهذا الدور أمام تحديات العصر.. قيام هذه الدولة لا يؤثر عليه هذا الخلاف اللهم في نطاق ضيق لا يكاد يُرى.. ولو كان خلافًا اعتقاديًّا في الأصول لبرز واضحًا في كل نواحي الحياة..

ما تأثير هذا الخلاف على المؤسسات العسكرية.. أين التأثير؟ اللهم إلا إذا كنا معاندين ونحاول جاهدين استخراج مؤثرات ما. 

  • أما من يقول «لماذا لا يصبح السنة شيعة طالما لا يوجد خلاف اعتقادي؟

فهذا السؤال لا يحمل سمات الجدية.. فالقضية قبل كل شيء اقتناع واطمئنان.. فرؤية الشيعة لبعض القضايا الكلامية مقنعة لهم وغير مقنعة لفريق الأكبر من الأمة... فلا شيء يلزم باتباع وجهات نظرهم وتصورهم لبعض القضايا.. وهذا لا يلزم أن أعاديهم لمجرد مخالفتهم.. والذي يطرح هذا السؤال... ليتلقى سؤالا آخر بعد تقرير حقائق.. من المعلوم أن المعتزلة وأهل الحديث من أهل السنة والجماعة... أما كون أهل الحديث من أهل السنة والجماعة فلا خلاف.. أما المعتزلة فإن إمام أهل الحديث أحمد بن حنبل اعتبرهم من أهل السنة ولم يكفرهم.. بل كان يخاطب المأمون بأمير المؤمنين.. بل كان يرى في المعتصم الذي عذّبه أميرًا واجب الطاعة إلا في مسألة خلق القرآن..

يقول حنبل بن إسحق وسمعته يقول -يعني أحمد بن حنبل-: كل من ذكرني في حل إلا مبتدع، وقد جعلت أبا إسحق يعني -المعتصم- في حل.. ورأيت الله تعالى يقول: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر بالعفو عن مسطح.. قال أبو عبدالله: العفو أفضل.. ما ينفعك أن يعذب أخوك المسلم في سببك؟ (٤).

والآن بعد تقرير هذا الأمر... نسأل «لماذا لا يصبح أهل الحديث معتزلة؟ طالما المعتزلة من أهل السنة والجماعة».. من الطبيعي أن أهل الحديث يرفضون آراء المعتزلة ولا يقبلونها إطلاقا.. وفي نفس الوقت لا يكفرونهم.. ولا يكفرون المعتصم رأس المعتزلة..

فرفض هذا الصوت لآراء الشيعة في القضايا الكلامية تماما كرفض أهل الحديث لآراء المعتزلة.. في كلتا الحالتين الرفض لا يعني التكفير وعدم التعاون معهم كمسلمين من ملة واحدة. 

  • الموقف الثالث :

وهو الموقف المتحفظ.. وهو الصوت المتزن المتريث.. وهو الذي يبني مواقفه على أسس ثابتة بالنسبة إليه.. نبذ التطرف ورفض التفريط.. وعدم تجاوز الأصول السلفية لأهل السنة والجماعة والمجمع عليها عندهم جميعًا.. وزن المواقف في موازين الشريعة بصورة تخدم استمرار الحركة وتزيد مكاسبها وانتصاراتها.. مراعاة العرف السياسي والاجتماعي بصورة لا تخدش أصول الدين والشريعة.. ويمثل هذا الصوت رجال الحركة المتمرسين بالدعوة التربوية والجماهيرية على السواء بمواقف الحركة الإسلامية لمكانتهم الحركية أو العلمية.. ويلخص هذا الصوت موقفه كالآتي:

لم ير أهل السنة والجماعة تكفير الشيعة الإمامية إطلاقا.. بل يرونهم من الأمة الإسلامية والملة المحمدية يقول الشاطبي صاحب الاعتصام... «وقد اختلفت الأمة في تكفير هؤلاء الفرق أصحاب البدع العظمى.. ولكن الذي يقوى في النظر ويحسب الأثر عدم القطع بتكفيرهم.. والدليل.. الذي عليه السلف الصالح..

ألا ترى إلى صنع علي رضي الله عنه في الخوارج؟ وكونه عاملهم في قتالهم معاملة أهل الإسلام على مقتضى قول الله تعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا...﴾ (الحجرات: 9).

فانه لما اجتمعت الحرورية وفارقت الجماعة لم يهيجهم عليّ ولا قاتلهم، ولو كانوا بخروجهم مرتدين، لم يتركهم، لقوله عليه الصلاة والسلام «من بدّل دينه فاقتلوه» ولأن أبا بكر رضي الله عنه خرج لقتال أهل الردة ولم يتركهم، فدل الله على اختلاف ما بين المسألتين.

وأيضا فحين ظهر معبد الجهني وغيره من أهل القدر لم يكن من السلف الصالح إلا الطرد والإبعاد والعداوة والهجران، ولو کانوا خرجوا إلى كفر محض لأقاموا عليهم الحد المقام على المرتدين، وعمر بن عبد العزيز أيضا لما خرج في زمانه الحرورية بالموصل أمر بالكف عنهم على ما أمر به علي رضي الله عنه، ولم يعاملهم معاملة المرتدين». وفي الاعتصام عندما يتناول الشاطبي حديث «ستفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة».. يقول «إنا إذا قلنا بأن هذه الفرق كفار -على قول من قال به- أو ينقسمون إلى کافر وغيره.. فكيف يعدون من الأمة؟ وظاهر الحديث يقتضي أن ذلك الافتراق إنما هو مع كونهم من الأمة، وإلا فلو خرجوا من الأمة إلى الكفر لم يعروا منها البتة» (٦(.

  • وفي نفس الوقت يكفر أهل السنة والجماعة كل ما غالى في آل البيت وجعلهم في مرتبة الألوهية أو خطأ جبريل في توصيل الرسالة إلى محمد صلى الله عليه وسلم. 
  • وبما أن الشيعة الإمامية من الأمة المسلمة والملة المحمدية فمناصرتهم وتأييدهم واجب إن كان عدوهم الخارجي من الأمم الكافرة والملل الجاهلية.. فالشيعة الإمامية ترفع لواء الأمة الإسلامية والشاه يرفع لواء المجوسية المبطن بالحقد النصراني واليهودي.. فليس من الحق أن يؤيد لواء المجوسية النصرانية اليهودية ويترك لواء الأمة المسلمة.. أميركا والشاه يريدان للشعب الإيراني أن يمجسانه وينصرانه أو يهودانه.. والخميني يحفظ له إسلامه وإن احتوى على بدع عظمى.. وما لا يدرك كله لا يترك جله.
  • الخلاف التاريخي المذهبي كان يومًا ما قويًّا في التاريخ الإسلامي.. عندما كانت هناك دول مسلمة تسيطر عليها موازين الإسلام وقيمه وتصوراته... وكان شديدًا بين الشيعة والسنة.. كما كان شديدًا بين الحنبلية والشافعية.. ففي عام 622ه، تأسست بدمشق بالقرب من السيفية الحنبلية مدرسة شافعية هي الرواحية نسبة إلى مؤسسها التاجر زكي الدين أبي القاسم المعروف باسم ابن رواحة.. وكانت وثيقة التأسيس تنص على تحريم دخول المدرسة تحريمًا قطعيًّا وأبديًّا على كل يهودي مثلا أو نصراني أو حنبلي حشوي.. ولم تنص على تحريم الشيعة مثلا.. فالقضايا التاريخية التي تأخذ هذه الحدة لم تعد مقبولة للمسلم المعاصر؛ فاليوم مثلا لم يعد يهتم المسلمون بشافعيتهم أو حنبليتهم.. فالمصيبة الكبرى التي أصابت الإسلام جرفت معها كثيرًا من الخلافات التاريخية.. لذلك نرى كثيرًا من مثقفي الشيعة من ينظر إلى الخلافات التاريخية نظرة لا مبالية.. ويرفض التعصب لما تعصب له السابقون.. بل يتعامل مع المسلم السني كالكتلة الواحدة لا تمايز بينها.. وهذا يبدو واضحًا عندما يجتمع مجموعة من المسلمين في ديار الكفر.. وهو اليوم يترقب فرحة المسلمين سنة وشيعة بمنجزاته.. كم هي صدمة له عنيفة عندما يواجه بأنه كافر؟! إننا نفضل عليه الشاه؟؟ إننا نزيده فتنة بهذا. ..
  • وهذا صوت يؤكد تأكيدًا قويًّا على تحفظه إزاء البدع العظمى.. حتى يتبين موقف الشيعة الإمامية المعاصرة منها.. ولكنه ينطق مؤيدًا وبقوة سياسيًّا وعاطفيًّا.. فالموقف السياسي ليس بدعة ولا اختلاقًا.. فموقف الشرع الإسلامي في التعامل مع الكفار واضح.. فكيف مع فرقة من الأمة المسلمة.. فمعاهدات الرسول- صلى الله عليه وسلم- مع القبائل واليهود والنصارى معروفة.. لم تكن تعني تنازلاً اعتقاديًّا بقدر ما كانت تعني مكسبًا سياسيًّا.. بل إن المسلمين وهم في مكة بلا دولة ولا قوة.. وقفوا بمشاعرهم وتأييداتهم مع النصارى الروم ضد الفرس.. وتنزلت آيات من الله تسجل لنا هذه الأحداث.

﴿الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ ۗ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ ۚ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ ۚ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴾ [الروم: 1-5]

هكذا سمّى الله انتصار الروم على الفرس نصر الله لمجرد أن هذا يفرح المؤمنين.. فكيف بانتصار فرقة من الأمة الإسلامية على النصارى واليهود والمجوسية مجتمعين.. لذلك يقف هذا الصوت بقوة مؤكدة مع الثورة الإيرانية سياسيًّا وعاطفيًّا.. وحتى يتبين موقف الشيعة الإمامية المعاصرة من تلك البدع العظمي يحدد تأييده الإسلامي. 

  • ويرى هذا الصوت أن الحركة الإسلامية كسبت قوة دولية تدافع عنها وتدفع عنها.. وأنها كسرت نظرية الهيمنة اليهودية على العالم.. وزعزعت نظرية النفوذيين الشرقي والغربي. بل صنعت للعالم أسلوبًا جديدًا يفرض نفسه أسلوب الثورة الشعبية العارمة.. بل إن صورة المخابرات الأميركية اهتزت كثيرًا لفشلها في رصد هذه الثورة الشعبية العارمة وعجزها عن إطفائها.. ففي أوائل ديسمبر 1978 قام رئيس (لجنة الاختيار الدائمة حول شؤون المخابرات بمجلس النواب الأميركي) بإجراء امتحان تمهيدي للمخابرات وانتهى إلى أن نشاط المخابرات الأميركية بإيران عاجز.. وقامت دراسات عدة من قبل وازداد نشاط «سي. آي إيه» «إن. آي. دي». «إن آي آي» وازداد نشاط المحللين السياسيين والدبلوماسيين لإطفاء هذه الثورة.. وعقد مكتب الحكومة الأميركية للاستخبارات والبحوث حلقات دراسية عدة عن إيران، إلا أن كل هذا النشاط والمواجهة لم تفعل شيئًا في وجه الثورة الإيرانية.. كل هذا يعطي أملا قويًّا للحركة الإسلامية ويضعف من قوة عدوها التي تصوره أجهزه الإعلام بأنه يحمل بين يديه مصير البشرية.
  • ويرى هذا الصوت أن محاولة تأسيس مؤسسات إسلامية في إيران تجربة تستحق الرصد كما تستحق التأييد لأنها ستكون رصيدًا لأي دولة إسلامية تقوم في المنطقة إن شاء الله.. وما ذلك على الله ببعيد.
  • وهذا الصوت المتزن هو نفس الصوت الذي وقف ضد أفكار شكري مصطفی عبد العال رحمه الله ضحية قضية مقتل الذهبي؛ لأنه يمثل التطرف والغلو. وهو الذي وقف معه ضد اتهامه بالقضية وإعدامه؛ لأنه يرفض الظلم ويقف مع المسلم المخطئ ضد العدو المشترك. 
  • ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ (المائدة: 8)

من العدل والإنصاف أن نسمع رأي الشيعة الإمامية بما ينسب إليها.. وبما نقرؤه في كتبهم من بدع ومخالفات.. من العدل والإنصاف أن نسمع للرأي الرسمي للدولة الإيرانية فيما ينسب إلى ثورة شعبها وإلى ما يؤخذ عليها.. إن أبسط قواعد العدل أن تسمع من الخصمين.. ومن أبسط قواعد المنهج العلمي أن تسمع الرأي من مصدره.. هذا ما جعلنا نذهب إلى أحد المصادر العلمية الشيعية بالكويت والمعتمدة عند الشيعة الإمامية لنتحقق من رأيهم في ما نقرأ وما نرى وما يقال.. وجعلنا كذلك نتجه إلى السفير الإيراني الحالي في الكويت لنسمع منه رد الاتهامات.. وجعلنا نجتمع بالشباب الشيعي الحركي المتعاطف حتى النخاع مع الثورة الإيرانية.. فإلى العدد القادم إن شاء الله.

  1. أصل الشيعة وأصولها لآل كاشف ص 29.
  2. الشافعي للشريف المرتضى ص 40.
  3. تلخيص المشافي للطوس ص 210.
  4. مقدمة المسند لأحمد شاكر.
  5. الاعتصام.
  6. الاعتصام ص 202.
الرابط المختصر :