; «الرياضة» بين المال.. والمتعة.. والهوس | مجلة المجتمع

العنوان «الرياضة» بين المال.. والمتعة.. والهوس

الكاتب نبيل شبيب

تاريخ النشر السبت 22-يونيو-2002

مشاهدات 73

نشر في العدد 1506

نشر في الصفحة 30

السبت 22-يونيو-2002

البطولات العالمية ليست مجرد ألعاب رياضية بريئة...إنها مليئة بألوان الجشع المادي والفساد والرشوة

أصبحت «الرياضة» بضاعة يجري تسويقها للمشاهد.. وتسويق منتجاتها باستخدام النجوم

الإعلان يصل إلى المشاهد في لحظة استمتاعه بمشاهدة ما يحب.. لحظات تستغلها الشركات المعلنة لأقصى درجة 

المفوضية الأوروبية الرياضة مصدر رئيس. لتوفير العمل وتحقيق النمو الاقتصادي

لماذا فرض الاتحاد الدولي لكرة القدم غرامة على من ينزع قميصه عند تسجيل هدف؟

البث التلفازي.. يركز على مباريات دون أخرى.. ولقطات دون غيرها.. لأن ذلك مرتبط بسوق الإعلانات والعائد المالي من ورائها

اختيار سامارانج للجنة الأوليمبية هدفه تنشيط الدعاية الرياضية

الرياضة أشعلت نعرات التعصب القومي، بل والمحلي.. ولم تخدم الشعارات المرفوعة عن التسامح والسلام والتعاون والتواصل بين الشعوب

الفوز الرياضي أصبح من مظاهر صراع القوميات.. فوز ألمانيا عام ١٩٥٤ كان تعويضا عن هزيمتها في الحرب العالمية الثانية

«الرياضة» والتربية الرياضية جزء مهم في تكوين الفرد، وفي دعم روح التعاون والتضامن في المجتمع، ولا شك في إمكانية توظيف «الرياضة» والتنافس الرياضي والمهرجانات الرياضية «المنضبطة المدروسة»، لتكون وسيلة من وسائل التعارف والتقارب والتفاهم بين الشعوب والأمم.. وهذا ما يستدعي العمل على أن تجد «الرياضة» مكانها الطبيعي كعنصر أساسي في إطار تربية الفرد وتوجيه المجتمع، وبصورة متوازنة متكاملة مع العناصر الأخرى لتحقيق تربية سوية وتوجيه قويم، وعدم استغلالها لتحقيق أغراض مادية محضة، أو كوسيلة إلهاء جماعي.

 أرقام قياسية.. مالية: أول ما نرصده عالميًا تحول «الرياضة»، لا سيما المباريات والبطولات الكبرى إلى سلعة تعقد عليها الصفقات التجارية الكبرى، وتسيطر على قراراتها فئات محدودة من أصحاب المال ورجال الأعمال، فهم يتعاملون مع «الرياضة» بلغة المليارات وكيفية مضاعفتها عن طريق إعلانات تجارية، وحقوق بث تلفازي، وبيع اللاعبين، وغير ذلك مما جعل بطولات كرة القدم، والتنس والدورات الأوليمبية وغيرها مناسبات تشهد من الحديث عن الصفقات أضعاف ما تشهده من حديث عن الأرقام القياسية التي يحققها «الأبطال الرياضيون».

بعض هذه الأرقام القياسية معروف، عندما تورد الأخبار نبأ شراء اللاعب الفلاني أو بيعه وبعضها الآخر بات يخطف أبصار المشاهدين ويطرح تساؤلات لا جواب لها، لا سيما في بلادنا العربية والإسلامية، ومنها مثلًا:

- من أين تأتي تلك الملايين، بل مئات الملايين التي يعلن عنها على شكل جوائز في مسابقات خالية من مضمون فكري أو ثقافي أو إبراز موهبة ما؟

- من جيوب من يتم استرجاع تلك الملايين الصالح أولئك الذين يدفعونها، وهم حتمًا لا يدفعونها عن أريحية لدعم الروح الرياضية وما شابه ذلك.

ربما يظهر بعض ما يكمن وراء تلك الأرقام القياسية عندما تنظر في أحد ميادينها المعروفة، فقد أصبحت «الرياضة»، تحتل المرتبة الأولى بلا منازع بين سائر سلع الدعاية التجارية عالميًا، ومن المثير أن حجم هذه النفقات الدعائية يعادل ضعف ما ينفق للدعاية في القطاعات الثقافية مجتمعة وخمسة أضعاف نفقات الدعاية في قطاعات البحوث العلمية وحماية البيئة.

ومن الأشكال التي ابتكرت لضمان الأرباح المادية عبر المهرجانات الرياضية، -وكان ذلك في الدورة الأوليمبية في أطلانطا عام ١٩٩٦م- ما يسمى الرعاية الدعائية، أي اختيار شركات كبيرة معروفة يحق لها دون سواها استخدام علاماتها التجارية على الألبسة وفي جدران الملاعب، وعلى الشاشة الصغيرة بالإضافة إلى مشاركة المحترفين الرياضيين في حملاتها الدعائية لجلب مزيد من المشاهدين فكان مما سددته شركة كوكاكولا من بين عشرة شركات أخرى في تلك الدورة حوالي ٣٥ مليون دولار، ولم يكن هذا قليلًا بالمقارنة مع ميزانية الدعاية للشركة التي تبلغ حوالي مليار و ٥٠٠ مليون دولار في ١٤٠ بلدًا في أنحاء العالم، ورغم ضخامة المبلغ كانت كوكاكولا هي الرابحة وسيان بعد ذلك من ربح ومن خسر من الفرق المشاركة في الدورة الأوليمبية.

40 مليار اتصال

شركة أديداس الأنجح من سواها في عالم الدعاية لمنتجاتها الرياضية، تقول إن عدد ما يسمى الاتصالات الدعائية، أثناء كل دورة رياضية كبرى من مستوى بطولة كرة القدم أو الألعاب الأوليمبية يناهز أربعين مليار اتصال والمقصود هو تلك اللمحة الزمنية القصيرة التي تقع خلالها عين مشاهد الشاشة الصغيرة على الدعاية المرافقة المباراة رياضية يتابعها ولا يتحقق مثل هذا الرقم بأي وسيلة دعائية وفي أي مناسبة أخرى خارج عالم «الرياضة»، لا سيما وأن الدعاية هنا تخترق المسافات الجغرافية والحواجز السياسية والاقتصادية عالميًا، وتصل إلى المشاهد في حالة نفسانية معينة لحظة استمتاعه هي بمشاهدة ما يحب، الأمر الذي يعجز المخرجون والمصورون العاملون في إنتاج الأشرطة الدعائية عن تحقيقه ولو بنسبة ضئيلة بالمقارنة مع ما تصنعه آلات التصوير وهي تدور بعدساتها على الملاعب وأقدام اللاعبين ورؤوسهم والكرة وشباك، المرمى وجمهور المتفرجين والحوارات مع أشهر النجوم الرياضيين.

ليس هذا أمرًا اعتباطيًا نشأ من نفسه إنما كان وما يزال موضع الدراسة والتوجيه بغض النظر عن المتعة الرياضية. ففي مؤتمر ضم مائتين من الخبراء الألمان والفرنسيين والبريطانيين في أواخر عام ١٩٩٧م ببرلين كان النقاش أن «الرياضة» عبارة عن بضاعة كسواها، فعلى من يرغب في تسويقها أن يلتزم بقواعد السوق ومتطلباتها.. ولهذا -كما يقول هارتموت تساستروف من معهد البحوث العلمية للتسويق في كولونيا بألمانيا-: تراعي الدعاية الرياضية أن أهم ما تريده الشركة هو تثبيت مكانتها العالمية وتسويق منتجاتها عبر ربط المستهلك بين لعبة رياضية ما أو أحد النجوم الرياضيين المحبين لديه، واسم الشركة صاحبة الدعابة واسم منتجاتها، وذلك مما يتحقق على أوسع نطاق في البطولات الكروية العالمية.

صراع على كرة ذهبية

إذن فالبطولات العالمية ليست مجرد ألعاب رياضية بريئة خالية مما اقتحم عالمنا المعاصر من ألوان الجشع المادي والفساد والرشوة. وهذا ما يجعلها أحيانًا تحمل من الأضرار أضعاف ما تحققه من الفائدة والمتعة، وهو أيضًا ما يوجب البحث عن بديل رياضي جماهيري يستخلص المتعة المشروعة والفائدة المفروضة فرديًا واجتماعيًا وعالميًا، من حماة المساومات المادية وما يتصل بها.

انتخابات الفيفا

ليس مجهولًا على سبيل المثال ما شهده مجلس إدارة الاتحاد العالمي لكرة القدم «الفيفا» قبل البطولة الحالية في اليابان وكوريا الجنوبية من جدل وصراع بسبب ما انكشف من فساد مالي واسع النطاق في السنوات الماضية، وقد تركز الصراع في المرحلة الأخيرة على مطالبة فريق من أعضاء المجلس بلجنة تحقيق مالية مستقلة مقابل إصرار رئيس الاتحاد بلاتر -النمساوي الأصل- على أن يكون التحقيق داخليًا، أي داخل نطاق من وجهت إليهم أصابع الاتهام بالرشوة والفساد، واضطر في مرحلة سابقة للاستجابة، وتشكلت اللجنة لكنه ماطل في تقديم ما تحتاج إليه من أوراق ووثائق، حتى أجرى ما يكفي من مفاوضات ومساومات لضمان إعادة انتخابه فأعلن حل اللجنة المستقلة من جديد وأعيد انتخابه فعلًا، وقيل إن هذا ارتبط بصفقات أخرى وراء الكواليس مثل دعم أن يكون المدير العام القادم للاتحاد هو «فرانس بيكنباور» من ألمانيا، بما جعل الاتحاد الألماني يدعم بلاتر طمعًا في أن جمع عام ٢٠٠٦م بين رئاسة الاتحاد الدولي استضافة البطولة الكروية القادمة.

وهنا أيضًا يظهر العنصر المالي المحض في اتخاذ القرارات فاهتمام ألمانيا أو القوى اقتصادية والسياسية باستضافة البطولة الكروية عام ٢٠٠٦م، كان واضحًا مثلًا عندما أعلن المستشار جیرهارد شرودر بنفسه قبل ثلاثة أيام الاجتماع الحاسم في زيوريخ اعتماد حوالي٢٥٠ مليون يورو لإصلاح ملعب برلين الذي سيشهد يوم ٢٠٠٦/٧/٩م المباراة النهائية على البطولة العالمية.. وليس المبلغ المذكور إلا إضافة على التعهدات السابقة بإنفاق زهاء مليار و٦٠٠ مليون يورو لإصلاح المنشآت الرياضية اللازمة وإقامة المزيد منها.

لا يتصرف المسؤولون الألمان اعتباطًا، فمن وراء ما يتردد عادة بشأن الرغبة في التواصل العالمي، وتحسين سمعة البلاد خارجيًا، ودعم السلام والتسامح وما شابه ذلك تأتي الحسابات المالية المدروسة، وتشير إليها على سبيل المثال دراسة نشرت في مدينة بادر بورن قدرت الفوائد المالية المتحققة للاقتصاد الألماني من تلك البطولة العالمية بحوالي ثلاثة مليارات يورو.

عائد مالي مجز

وبالنسبة للبطولة الحالية في اليابان وكوريا الجنوبية، أشارت التوقعات إلى أن العائد المالي منها سيدعم اليابان للخروج من الركود الاقتصادي الطويل، ويدعم كوريا الجنوبية بعد تمكنها من التغلب على صدمة الأزمة المالية في جنوب شرق آسيا عام ۱۹۹۸م. وتحدثت بعض المجلات المالية اليابانية بالتفصيل في مواضيع الغلاف أكثر من مرة عن الأرباح المالية التي يجب تحقيقها عبر البطولة.

مفوضية الاتحاد الأوروبي، خصصت فصلًا خاصًا فيما يسمى الكتاب الأبيض عن سوق اليد العاملة للرياضة الاقتصادية، فأصبح يتضمن منذ سنوات التأكيد أن «الرياضة» مصدر رئيس التوفير العمل وتحقيق النمو الاقتصادي ويترتب على ذلك دراسة الاستفادة من هذا المصدر، ووضع السبل المناسبة لتوظيفه.

لقد أصبح الصراع علنيًا وأحيانًا بصورة خالية من كل روح رياضية بين عدد من الدول الرئيسة على استضافة البطولات الرياضية الكبرى، حتى إن استقالة أكثر من نصف أعضاء إدارة اللجنة الأوليمبية العالمية قبل فترة وجيزة كانت بسبب انكشاف أمر فضائح مالية رافقت اتخاذ القرار لصالح هذه المدينة أو تلك كذلك يدور الصراع على المراتب الأولى بين الشركات لراعية والسباق هنا هو على «من يدفع مبلغًا أكبر».

كما انتقل الصراع على توظيف «الرياضة» في خدمة الدعاية التجارية إلى وسائل الإعلام لاسيما التلفاز ويمكن تصور ما يعنيه الصراع هنا عند الإشارة مثلًا إلى ارتفاع عدد أفراد جمهور المتفرجين من ١٤٠ ألفًا في أول بث تلفازي تابع الدورة الأوليمبية عام ١٩٣٦م إلى أكثر من مليارين في بطولة ۲۰۰۲م لكرة القدم، ومع الأخذ بفرض رسوم مالية تسددها شركات الإعلام إلى« الاتحادات الرياضية» ثمنًا لحقوق البث ازدادت حدة الصراع، وبالتالي ارتفاع قيمة البضاعة إلى ما يتجاوز أربعين ضعفًا خلال ربع القرن الأخير، ولم يعد الحديث يدور عن بضعة ملايين بل المليارات من الدولارات.

صناعة المتعة الرياضية: يقال أحيانًا وما المانع من أن يحقق المتاجرون ما يريدون من أرباح عبر الدعاية ما داموا يقدمون المتعة لطلابها؟

إذا استثنينا الحديث عن «الدعاية» كوسيلة تغرير، لا كوسيلة تعريف بالسلع والبضائع يمكن القول لا يوجد مانع في الأصل، ولكن المشكلة ليست في مبدأ الربط بين المال والمتعة الرياضية، فذاك مشروع إذا توافرت ضوابطه، إنما تكمن في هيمنة المال على المتعة الرياضية وتحكمه بها وتوجيهها، وبالتالي أصبح الجشع المادي مسيطرًا في كثير من الأحيان، وذلك عبر التحكم في مؤثرات المتعة المشروعة وغير المشروعة وتوظيفها. وسيلة من وسائل تكوين جيل المستقبل.

تأثير المال على «القرار الرياضي» 

تنظر على سبيل المثال في اللائحة الرسمية، للاتحاد الدولي لكرة القدم لتجد بندًا يفرض غرامة مالية على اللاعب إذا ما وصل به الاندماج في المباراة والسرور عند تسديد الهدف إلى درجة نسيان نفسه والتعبير عن سروره بتلك العادة المعروفة، أن ينزع قميصه الرياضي، أو أن يرفعه ويغطي به وجهه ورأسه.. هذه الحركة أصبحت محظورة، والسبب أنه في تلك اللحظة بالذات عندما تكون عدسات التصوير والتلفزة موجهة إلى ذلك اللاعب تأتي حركته تلك فتمنع المشاهدين، -ربما أكثر من ملياري إنسان من رؤية الدعاية المكتوبة على القميص- والتي سددت الشركة المعنية من أجلها مبالغ طائلة.

وندع هنا ما هو معروف بمقياس القيم مما لا يحتاج إلى نقاش ابتداء.. وتلقي نظرة عبر منظور القائمين على تلك المهرجانات الرياضية وفق مقاييسهم ونجد على سبيل المثال أنه أثناء الإعداد لدورة أطلانطا الأوليمبية عام ١٩٩٦م اشترت هيئة إن بي سي للتلفزة الأمريكية حقوق البث المباشر للدورات التالية حتى عام ۲۰۰۸م، وبلغ حجم الصفقة ما يعادل ٥.٣ مليار دولار، وكانت الشركة قد حققت أرباحًا ضخمة في تلك الدورة، منها داخل نطاق الحدود الأمريكية بعد أن بلغت قيمة البث الدعائي أثناء نقل المباريات ٥٠٠ ألف دولار لكل ٣٠ ثانية.

آنذاك وصف بعض الصحف الألمانية تعامل الشركة الأمريكية مع دورة أطلانطا بأنه كابوس لمدة أسبوعين، «وسوبر ماركت»، وقالت إحداها القد قضت أطماع المسوقين على حلم روح التضامن الأوليمبي».

قد يكون في هذا بعض التحامل على الشركة الأمريكية، فالواقع أنها لم تنفرد بالقضاء على روح التضامن، ولا يمكن تبرئة شركات إعلامية ألمانية من سلوك مماثل كشركة كبرش التي تحكمت في بطولة ٢٠٠٢م الكروية باحتكار ما يبث وما لا يبث وكانت قد اشترت بمبلغ تجاوز ثلاثة مليارات يورو حقوق البث لبطولات كرة القدم حتى عام ٢٠٠٦م بالإضافة إلى البطولة العالمية للنساء، في كرة القدم.

ونعود إلى ما انتقدته الصحافة الألمانية واها من سلوك إن بي سي أثناء الدورة الأوليمبية عام ١٩٩٦م، فقد كان تركيزها على مباريات دون أخرى ولقطات دون أخرى على أساس ميزان العائد المالي فقط.. إذ اعتمدت على استطلاعات للرأي تقول إن أكثر من ٧٠٪ من قرارات، شراء هذه البضاعة أو تلك هو قرارات النساء لا الرجال فقررت ببساطة أن تعطي الأولوية لبث المباريات الأوليمبية واللقطات الرياضية التي تحظى بإعجاب النساء الأمريكيات.

مصادفة

ولا تكتمل هذه الصورة التجارية دون رصد تلك المصادفة العجيبة أن يصرح رئيس اللجنة الأوليمبية العالمية سامارانج، آنذاك في اللحظة المناسبة تمامًا للغرض الدعائي التجاري المذكور فيقول: «يجب أن نبذل أقصى جهودنا لدعم «الرياضة» النسائية وتوسيع نطاقها».

الواقع أن اختيار خوان أنطونيو سامارانج لرئاسة اللجنة الأوليمبية العالمية كان من الأصل بغرض تنشيطها تجاريًا، تمامًا كاختيار هورست داسلر الذي عمل من قبل رئيسا لشركة أديداس للمنتجات الرياضية، فقد كان أحد المشاهير في عالم الدعاية الرياضية، وكان عليهما السعي لوضع سياسة جديدة لأعمال اللجنة لتحقق الأرباح بعد النكسة المالية التي أصابتها عام ١٩٧٦م. ومنذ ذلك الحين والنشاط التجاري الرياضي للجنة ماض على قدم وساق وهي التي تستطيع أن تجمع ۱۹۹ دولة في الدورات الرياضية التي تقيمها، وهو عدد يزيد على عدد الدول الأعضاء في الأمم المتحدة.

ولم يكن مثال التعامل مع شركات التلفزة الدعائية على النحو المذكور هو المثال الوحيد على نتائج المدرسة الجديدة لإدارة أعمال اللجنة كأي شركة تجارية، فمن ذلك أيضًا قرار يقلص دعم الهواة أو تخصيص مباريات لهم إلى جانب المحترفين في بعض الرياضات، وهذا النشاط لم يكن يحقق الربح المالي، ولكن يعتبر دعمًا رياضيًا، لا سيما تجاه البلدان النامية.

الأمثلة كثيرة ويصعب معها القول إن عولمة المتعة الرياضية والتسامح بين الشعوب عبر «الرياضة»، وما شابه ذلك هو المطلوب، ولو كان هذا صحيحا ولا سيما ما يتعلق بالتربية الرياضية الممتعة لجيل المستقبل من الشبيبة والناشئة في أنحاء العالم، لكان من العسير استيعاب أسباب غياب «الشبيبة» غيابًا كاملًا عن إدارة تلك الاتحادات الضخمة كالاتحاد العالمي لكرة القدم أو اللجنة الأوليمبية العالمية، حيث يزيد متوسط أعمار صانعي القرار الرياضي هناك على ٦٠ سنة.

هؤلاء يتحدثون بلغة أخرى.. غير اللغة التي قد تظهر في بيانات وتصريحات ونشرات يصيغها موظفون متخصصون اللغة السائدة في «المعاملات والقرارات»، التي تصنع المتعة الرياضية على أرض الواقع هي تلك التي تتحدث عنها -كمثال- دراسة أصدرتها «الوكالة الدولية لتسويق «الرياضة»»، في ألمانيا وتقول: إن حجم إنفاق المستهلكين على شراء ما يحمل رموز رياضاتهم المحببة يبلغ ما يعادل ۲۸۰ مليون دولار سنويًا.

وإن أكثر من ١١٪ من السكان يملك سلعة ما برمز رياضي لكرة القدم على الأقل، فضلا عن الرموز الأخرى كسباق السيارات -ومن ورائه شركة دايملر كرايسلر كإحدى الشركات التجارية الراعية- أو سباق الدراجات في فرنسا ومن ورائه شركة تيليكوم -كإحدى الشركات الراعية- أو بطلات التنس الدولية المتعددة.. فضلًا عما اشتهر من بطولات الملاكمة والمصارعة الحرة وغيرها.

إن المال هو ما بات في المقدمة في الملاعب الرياضية له الأولوية على ما سواه، وهو ما بات يتحكم في القرار الرياضي سلبًا وإيجابًا، وفق مقياس ما النسبة المئوية المتحققة من الأرباح.

لقد أصبحت الهوة الفاصلة بين الشمال والجنوب على صعيد «الرياضة» جزءًا لا ينفصل من الهوة الأوسع نطاقًا الفاصلة بين الطرفين فقرًا وثراء، وتقدمًا وتخلفًا، وبات ينطبق عليها ما ينطبق على سواها من حيث تحرك الأموال في الاتجاه الذي يزيد تلك الهوة عمقًا واتساعًا، مع فارق رئيس أن هذه العملية تجري في إطار من الاستمتاع بالمباريات الرياضية يشغل المستهلكين عما سواه، ويجعلهم ينفقون ما ينفقون وهم يضحكون ويصفقون.

«الرياضة» والتعصب القومي

إن دعوات التسامح والسلام تفيد بقدر توافر عناصر نجاحها الأخرى، وعندما دعا البارون الفرنسي شوبرتان عام ١٨٩٤م إلى تنظيم الألعاب الأوليمبية، لتكون على غرار ما كان في أثينا الإغريقية قديمًا، كان يرجو استخدامها وسيلة تقرب بين الأوروبيين الذين عاشوا في حروب لا تنقطع على امتداد ثلاثة آلاف سنة.. ولم يكن يدري أن الدورة الأولى التي بدأت عام ١٨٩٦م بسباق واحد للجري، ستتحول إلى أداة، في أيدي قوى مالية تتحرك باسم «الرياضة»، وتخدمها السياسة، كما تخدم مراكز القوى الاقتصادية والمالية الأخرى.

وإذا كان دعاة التفاهم أو التسامح في أوروبا أرادوا بدعواتهم التخلص مما صنعه التعصب القومي والتعصب الديني فيما بينهم، فالواقع أن البطولات الرياضية بالشكل الذي أصبحت عليه لم تعد وسيلة من وسائل تخفيف مفعول التعصب والنزعات القومية، قدر ما أصبحت من أسباب تغذيتها، رغم كل ما يتردد عن أن الالتقاء على ساحات الملاعب الخضراء يعمق التعارف والتواصل بين الشعوب.

وكما أن أوروبا كانت مهد ميلاد الأفكار القومية، وشهدت أكثر من سواها جولات صراعها الدموية، كذلك فإن أوروبا نفسها تشهد أكثر من سواها الآن ظاهرة تصاعد الروح العنصرية القومية على مدرجات الملاعب الرياضية عمومًا، وملاعب كرة القدم خصوصًا.

ويسجل المؤرخون «الرياضة» الأوروبية أن أحداث ملعب هايزل في بروكسل في أواسط الثمانينيات وصلت بالتعصب القومي الرياضي إلى مستوى غير مسبوق، ومنذ ذلك الحين لم تعد تنقطع الأنباء عن ظواهر التعبير عن مشاعر التعصب بمختلف أشكاله، إلى درجة استخدام العنف على أرض الملاعب وفوق المدرجات وفي شوارع المدن التي تستضيف المباريات.

الاعتقال قبل اللعب

ويتردد اسم إنجلترا أكثر من سواها على هذا الصعيد لخطورة ما فيها من طاقات لارتكاب العنف تحت عنوان مناصرة الفرق الرياضية حتى أصبحت الاعتقالات الجماعية بالمئات مرافقة المعظم البطولات أو المباريات الحاسمة على الأرض الإنجليزية أو بمشاركة فريق إنجليزي، كما كان مثلًا في البطولة الأوروبية لكرة القدم عام ١٩٩٦م.

ثم في لقاء بولندا وألمانيا بعد ذلك بشهرين، ثم أثناء البطولة العالمية عام ١٩٩٨م، في سائر حوادث العنف الدامية تلك، كانت الهتافات التي تتردد، واللافتات التي ترفع والشعارات التي ينادى بهاء تصب في اتجاه العصبية القومية، ومحاولة التنفيس عنها باستخدام العنف.

أصبح الفوز الرياضي أحيانًا أقرب إلى صراع القوميات طوال مسيرة بطولات كرة القدم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ولعل المحطة الأولى البارزة كانت عند فوز الفريق الألماني في برن عام ١٩٥٤م، والذي تحول إلى مهرجان شعبي ضخم في ألمانيا، فانتزع البلاد واقعيًا من بقايا الإحساس المرير بالهزيمة الساحقة في الحرب العالمية الثانية إلى الإحساس بالثقة بالنفس من جديد وآنذاك، -ولأول مرة منذ سقوط النازية- صدحت الجماهير تلقائيًا بالنشيد الوطني الذي كان محظورًا واقعيًا، ومطلعه ألمانيا فوق الجميع. كما رأينا شبيهًا بذلك في مباراة إيران وأمريكا عام ۱۹۹۸م في فرنسا.

لا يكاد ينحسر مفعول عنصر التعصب القومي إلا تحت تأثير عوامل أقوى مفعولًا، منه، وهذا مما يمكن رؤية أمثلة عديدة عليه، فمن أجل الفوز، نجد أن الفرق الوطنية على استعداد لأن تجمع في صفوفها خليطًا من الجنسيات والانتماءات وبالعودة كمثال إلى الفريق الإيراني الذي واجه الفريق الأمريكي في مباراة اعتبرت «تاريخية»، ورافقتها مشاعر الاعتزاز الوطنية والقومية والدينية، نجد أن الفريق كان يضم في «جبهته» ثلاثة لاعبين ألمان. 

شراء اللاعبين

إن ظاهرة «شراء» اللاعبين من الفرق الأخرى بمبالغ تصل أحيانًا إلى عشرات الملايين ظاهرة معروفة، كما أن بعض الفرق يشتري اللاعبين أو المدربين الألمان مثلًا، تصنع الفرق الألمانية ذلك بالمقابل، حتى أصبح في ملاعبها أكثر من ۱۸٠ لاعبًا أجنبيًا من ٤٣ بلدًا يتوزعون على الفرق الوطنية المحلية لكرة القدم، ومن هؤلاء من يشتهر اسمه بسبب مهارته فتريده السنة أنصار الكرة أكثر من أسماء اللاعبين الألمان.

رغم ذلك نجد أن الهتافات العنصرية والمعادية للأجانب كانت ترافق أحيانًا ظهور هؤلاء الأجانب، وإن كانوا في المقدمة من حيث كفاءاتهم وقدرتهم على تسديد الأهداف.

ولم يقتصر الأمر على الانتماء القومية، فالواقع أن الظاهرة قد اتسع نطاقها إذ نجد أن مناصرة فريق رياضي محلي أصبحت من أسباب انتشار مشاعر العداء بين منطقة وأخرى أو مدينة ومدينة داخل البلد الواحد، وهنا أيضًا تنتشر الظاهرة في معظم البلدان، وتوجد أمثلة عديدة على الأحداث العنيفة التي ارتبطت بذلك، كما كان في إسبانيا أو إندونيسيا وسواهما في السنوات الماضية حتى سقط المئات من المصابين ضحايا التعصب في الملاعب الخضراء. 

ولا ينتظر بذل جهود حقيقية في مواجهة ظاهرة التعصب الرياضي، فباستثناء الإجراءات الأمنية التي تحاصر المشكلة ولا تزيل أسبابها، باستثناء ذلك غاب هذا الهدف واقعيًا عن أوساط المسؤولين في الأجهزة الضخمة القائمة على البطولات العالمية، وكان تعزيز القيم والأخلاقيات والسلوكيات لم يكن هو الشعار المرفوع فوق كل تحرك رياضي عند البدايات الأولى لنشأة تلك البطولات والمهرجانات العالمية.. أو كأنه لا قيمة إطلاقًا للشعارات التي لا تزال مرفوعة بصدد التقارب بين البشر والتعايش بين الشعوب من خلال «الرياضة».

ولا ينتظر بذل جهود حقيقية في هذا الصدد، لان لعبة المال غلبت على الأجهزة الرياضية فأصاب الإهمال المطلق جانب القيم، وكلما تعاظم النشاط وأصبح بمستوى الدورة الأوليمبية أو بطولة عالمية، ازداد طغيان عامل المصالح المادية عليها، وازداد إهمال ما يمكن – وما ينبغي – بذله من جهود ضرورية لنشر الروح الرياضية وتعزيزها، والانطلاق من أخلاقياتها في الشبيبة جنبًا إلى جنب مع تنشئتهم على المهارات الرياضية المختلفة.

ليس المطلوب بطبيعة الحال التخلي عن مشاعر الانتماء الوطني ولا المطلوب مواجهة ما لا يمكن القضاء عليه، ولا ينبغي من حماس عاطفي أو انفعال تلقائي لمناصرة الفريق الأقرب إلى الجمهور، ولكن المطلوب هو العمل للحيلولة دون أن يزداد اضمحلال «الروح الرياضية» لحساب تعزيز العصبيات، علاوة على ما أصابها ويصيبها من اضمحلال لحساب الأغراض المادية المحضة.

المشكلة لا تكمن في أصل وجود مشاعر الانتماء، بل في عدم إيجاد الوسائل الكفيلة بحسن توجيه تلك المشاعر لتكون مصدرًا للحماس والتشجيع ولمزيد من الإنجاز الرياضي بدلًا من أن تكون مصدرًا للتعصب والعنف والرغبة في قهر الآخر أو لإثارة مشاعر الحسد والغيرة والبغضاء.

السياسة و«الرياضة»

إذا كانت النهضة الرياضية مطلوبة، أو كان إصلاح أسلوب التعامل الراهن مع «الرياضة» مطلوبًا، فمن الضروري التأكيد على أن النهضة لا تتحقق بتوفير المنشآت الرياضية أو إقامة المهرجانات والمباريات فحسب، بل تتطلب سياسة متكاملة حكيمة تربط الأغراض الرياضية التقليدية بالأغراض المعنوية الأبعد مدى لتحويل «الرياضة» إلى رسالة، ينبغي أن نؤديها، دون أن تفقد عنصر المتعة فيها، ودون أن تسوقنا من حيث نريد أو لا نريد إلى الانحراف بجيل المستقبل وميادين اهتمامه والإنجازات المرجوة منه.

وعند الحديث عن مسؤولية، السياسة، في تحقيق النهضة الرياضية بدلًا من الانحراف الرياضي، نشير إلى عدم صحة ما يتردد حول الفصل ما بين السياسة و«الرياضة» فكثيرًا ما تجاوز هذا المبدأ القائلون به أنفسهم في ممارساتهم العملية، منذ قاطع الأمريكيون الدورة الأوليمبية في موسكو الشيوعية، فرد المعسكر الشيوعي بمقاطعة مماثلة. ولئن كان هذا النوع من الخرق لمبدأ الفصل بين «الرياضة» والسياسة لم بعد يتكرر إلا نادرًا، فإن السبب لا يعود إلى احترام «الرياضة»، بل إلى أن «الرياضة» كقطاع اقتصادي أصبح لها من الأنصار ذوي النفوذ من يستطيع إملاء قراره المصلحي المادي على صانعي القرار السياسي.

ولا توجد معضلة في قضية الفصل أو عدم الفصل بين السياسة و«الرياضة»، فهذا المبدأ غير قابل للتحقيق أصلًا على أرض الواقع، إنما السؤال الواجب طرحه هو عن كيفية ضبط هذه العلاقة، بحيث لا يجري توظيف «الرياضة» لأغراض مرفوضة بمعيار القيم والأخلاق. 

لقد باتت «الرياضة» في البلدان الصناعية والنامية على السواء من الوسائل المفضلة لتوجيه أجيال المستقبل من الناشئة والشباب باسم المتعة الرياضية إلى درجة الهوس لا الممارسة والاستمتاع فقط وإذا كان واضحًا في البلدان النامية شغل الشبيبة عن القضايا المصيرية فالواقع أن شغل الشبيبة في البلدان الصناعية أيضًا عن طريق «الرياضة» الجماهيرية يجري قدم وساق، فالمطلوب هنا أيضا« ملء» الفراغ السياسي وليس النفساني والاجتماعي فقط بعد أن أصبحت الأبواب شبه مغلقة في وجه تأثير الشبيبة تأثيرًا حقيقيًا وفعالًا على صناعة القرار، والمشاركة في ذلك بدلًا من العزوف عن الأحزاب والانتخابات وغيرها، وبحيث لا تحتكره القوى التقليدية القائمة على موازين المصالح المادية صناعة القرار بحكم امتلاكها أسباب القوة المادية الموجهة، وإن حمل هذه الأوضاع عنوان «الديمقراطية».

والجانب الثاني الذي أصبحت السياسة تلعب دورها فيه هو استضافة بعض المهرجانات العالمية الرياضية، وقد لا يكون ذلك أمرًا مرفوضًا من حيث الأصل، هذا مع ملاحظة أن بعض البلدان لم ينطلق من مخطط نهضة رياضية، أصلًا، ولكن من الرغبة في تحقيق صفقة رابحة ماليًا، أو الرغبة في فرصة لتعزيز مكانة الدولة المعنية وتعزيز علاقات الصداقة مع سواها.

المهم هنا هو ألا تتحول استضافة البطولات والمهرجانات إلى هدف قائم بذاته، إذ يستحيل بمنظور النهضة الرياضية أن يرفع ذلك مكانة دولة ما دون أن تتحقق إنجازات أخرى علمية وتقنية وصناعية مهمة.

والأسوأ من إهمال هذه العوامل أن تتحول تلك الاستضافة إلى وسيلة لنشر الوهم بتحقيق مثل تلك الإنجازات الرياضية، فمثل ذلك الوهم أو خداع النفس، أقرب إلى قتل ما تحتاج إليه النهضة الرياضية من إحساس بالمسؤولية واستيعاب حجم المهمة المنتظرة، عبر وضع المخططات المنهجية، وبذل الجهود الضخمة، وهذا ما لا غنى عنه لتتحقق المنجزات المرجوة فعلًا–لا وهمًا، وحقيقة.. لا تضليلًا.

ويتطلب التخطيط -لتحقيق نهضة رياضية فعلية- الانطلاق من أن عنصر الفائدة التقليدية للرياضة، وهو تربية الفرد والمجتمع عنصر مفقود في واقع البطولات والمهرجانات الرياضية العالمية الكبرى، وأن المقاييس والمعايير المتبعة في اتخاذ القرارات حول البطولات والمهرجانات الرياضية، لم يعد لها علاقة تذكر بـ «الهدف» إلى الأصلي للرياضة، والواقع أن هذا الهدف الذي توظف «الرياضة» لتكون وسيلة إليه، لا يتحقق بالضرورة عن طريق رياضة الملاكمة إلى درجة ارتجاج الدماغ والإصابات المزمنة، ولا عن طريق السباحة بسرعة مرهقة ولا عن طريق سباق الحواجز بفوارق من أجزاء الثانية، كذلك لا يشترط المخطط لنهضة رياضية أن نمضي في ألعاب القوى أشواطًا تحولها إلى استعراض للأجساد، ويسري شبيه ذلك على كثير من الأصناف الرياضية القديمة والمستحدثة للرياضات الجماهيرية، كما توصف، والصفة الغالبة عليها أنها رياضات «المحترفين».

التخطيط للمستقبل الرياضي بفرض الخروج من القوالب التقليدية التي انتشرت عن «الرياضة» وبطولاتها، سواء في ذلك ما جعل «الرياضة» مهنة تحترف أو قطاعًا اقتصاديًا بدار أو وسيلة الدغدغة عواطف الشباب لا الرقي بتلك العواطف والتجاوب معها، ولهذا نجد المباريات الرياضية تصحبها في ديار الغرب حوادث عنف ترتكبها من مجموعات عدوانية، يسري على معظم أفرادها ما يسري على سواهم في ميادين أخرى من انتشار الفراغ الاجتماعي والنفساني والثقافي انتشارًا يجعل كثيرًا منهم يبحثون عن العنف في القطاع الرياضي.

نرصد بأسف كبير أن «الرياضة» بانت تظهر في كثير من بلادنا العربية والإسلامية باعتبارها من أنسب الوسائل لإلهاء الشباب، وتعمل في خدمة حملات دولية ومحلية كبيرة تستهدف إقصاء الشبيبة عن القضايا المصيرية، وبالتالي فتح الأبواب أمام تصفية تلك القضايا، فضلا عن إلهاء الشبيبة عن أي تحرك شعبي واع وهادف.

من هذا المنطلق -ومنطلق معايشة الماسي الكبرى الجارية في كثير من بلدان المسلمين- انتشرت مواقف تحت العنوان الإسلامي حينا وفي قالب عاطفي حماسي حينًا آخر، تدعو إلى رفض «الرياضة» ومبارياتها وبطولاتها جملة وتفصيلًا، بحجة إعطاء الأولوية للقضايا المصيرية ولا، واستهجان الاستمتاع بالمباريات في حقبة القهر والغضب والآلام الراهنة.

هذه حجة ضعيفة من حيث المبدأ باعتبار «الرياضة» في الأصل في مقدمة وسائل بناء الفرد والمجتمع، ولأن إقصاءها يعني إقصاء وسيلة أساسية لخدمة القضايا المصيرية على المدى القريب والبعيد. هذا علاوة على أن المدخل إلى الشبيبة وإلى دعم ارتفاعها بنفسها علمًا ومعرفة ووعيًا وارتباطًا بالقضايا الكبرى لبلادها وأمتها وعالمها.. هذا المدخل لا ينفتح عن طريق التركيز على ما نريد أن يشغلها بينما هي منشغلة بسواه الآن، بل لا بد من التعامل الواعي المتوازن مع ما يحرك الشبيبة ولا يعني ذلك عدم تقويمه وضبطه، بما في ذلك «الرياضة» وبطولاتها.

إن التربية الرياضية القويمة الفردية والاجتماعية هي من الأصل جزء لا يتجزأ من نسيج تكوين المجتمع الإسلامي على الوجه الأمثل، وأي مخطط يتطلع إلى تحقيق نهضة رياضية قويمة، لابد أن يضع في حسابه أن قطاع «الرياضة» -كسائر القطاعات المشابهة ذات العلاقة بالاستمتاع والترفيه وتجاوب الشبيبة- لا يكفي فيه توفير المعلومة الصحيحة لينتشر التصور القويم والسلوك السليم، إنما هو من القطاعات التي تتطلب حساسية مرهفة تجاه الشبيبة وفي التعامل معها، مع الفهم والحكمة وحسن التصرف والجهود الدائبة والنظرة المستقبلية البعيدة المدى.

وفي الوقت الحاضر بالذات لا يمكن تجاوز «الرياضة» ومفعولها لدى الشباب، وليس مجهولًا أن تسويق المباريات الرياضية الكبرى عالميًا ومتابعتها في كل مكان قد سبق سائر مظاهر العولمة الأخرى، واخترق مختلف الحواجز السياسية وغير السياسية منذ زمن بعيد نسبيًا، بل إن متابعة تلك البطولات عالميًا، قد ساهم إسهامًا حاسمًا في الجهود التقنية التي أدت إلى تطوير وسائل البث والاتصال الحديثة لتحقق قفزاتها النوعية الأخيرة، فأصبحت «الرياضة» محركًا رئيسًا لا يستهان به من محركات ظاهرة العولمة بسلبياتها إيجابياتها.

الرابط المختصر :