; الشيخ رشيد رضا.. ومعاركه مع العلمانية والصهيونية (٢) .. منار الإحياء والتجديد | مجلة المجتمع

العنوان الشيخ رشيد رضا.. ومعاركه مع العلمانية والصهيونية (٢) .. منار الإحياء والتجديد

الكاتب د. محمد عمارة

تاريخ النشر السبت 07-يونيو-2008

مشاهدات 56

نشر في العدد 1805

نشر في الصفحة 38

السبت 07-يونيو-2008

      

·        صحيفة المنار صدرت لحمل رسالة إصلاحية تجديدية إلى كل أقطار المسلمين.. وفتحت نوافذ الفكر والعلم والاستنارة إلى بقاع إسلامية كانت تعيش في ظلمات الجهل

·        «المنار» دعت إلى نهضة حضارية إسلامية في مواجهة الخيار الغربي العلماني.. مع رفض الجمود والتقليد

·        قال عنها الإمام محمد عبده: «إن الحق يظهر في «المنار» عريانًا ليس عليه شيء من الحلي والحلل التي تجذب إليه أنظار من لم يألفوا الحق ذاته»

لا نبالغ إذا قلنا إن «المنار» كانت الإنجاز الأعظم للإحياء الإسلامي على امتداد العمر الفكري للشيخ رشيد رضا.. والإنجاز الأعظم لفكر هذا المصلح الإسلامي الكبير.. فحتى كتبه ورسائله ومعاركه الفكرية، بل ومشروعاته العملية قد بدأت وظهرت أولًا على صفحات «المنار».

لقد مثلت مجلداتها الخمسة والثلاثون ديوان تيار الفكر الإحيائي.. وذلك أنها قد صدرت:

لحمل رسالة مدرسة الإحياء الديني والتجديد الإسلامي إلى كل أقطار عالم الإسلام.

وتزكية الخيار الإسلامي الوسطي سبيلاً للنهضة الإسلامية والشرقية.. رافضة الجمود الذي يقلد السلف والتبعية التي تعكر النموذج الحضاري الغربي.

• وإعادة نشر مقالات العروة الوثقى... ومقالات الإمام محمد عبده التي سبق نشرها في الوقائع المصرية، باعتبار المنار الامتداد لهذا الاتجاه.

وديوان تجديد وإبداع الإمام محمد عبده في تحرير العقل الإسلامي من أغلال الجمود والتقليد.

• وتنقية العقيدة من شبهات الشرك الجلي والخفي.. ومن البدع والخرافات.

والدفاع عن الشريعة الإسلامية وعلومها... وعن اللغة العربية وعلومها وآدابها وفنونها..

ونشر الفتاوى المعاصرة، التي تفقه الأحكام وتفقه الواقع الجديد، لتعقد القرآن بين فقه الواقع وفقه الأحكام.

ولتبصير الأمة بالفروق بين الدين الإلهي المقدس والمعصوم والملزم وبين العادات والتقاليد والأعراف.

والدفاع الواعي عن وحدة الأمة، والجامعة الإسلامية، التي هي جنسية الشرقيين على اختلاف قومياتهم ومللهم وأوطانهم.

والتأييد البصير، والناقد - للدولة الإسلامية الجامعة - يومئذ - وهي الدولة العثمانية- مع الدعوة إلى إصلاح مفاسدها، وتلافي عيوب إدارتها، وشد أزرها في مواجهة أعدائها من الإمبراطوريات الاستعمارية الغربية.. ومن النزعات الانفصالية.

والتحذير من تقليد الحضارة الغربية الغازية .. مع الدعوة إلى تعلم علوم الغرب، وخبراته في التقدم التي هي مشترك إنساني عام..

والدعوة إلى الإصلاح الاقتصادي، الذي يحرر اقتصاديات العالم الإسلامي من النهب الاستعماري الغربي، وذلك ليكون الاقتصاد المتحرر دعامة للاستقلال الحضاري السياسي.

ومحاربة التنصير ومطاردة دعاته ودحض ادعاءاته عبر عالم الإسلام.. وتسليح المسلمين بأدوات مقاومة شبهاته ومفترياته.. وتأليف الكتب... والجمعيات التي تحارب المنصرين.

والدعوة إلى إقامة الجمعيات والمؤسسات.. العملية والخيرية.. والاجتماعية.. لتكون جهود الأمة في الإصلاح أفعل وأجدى وأدوم.

والتأكيد على منهاج التدرج في الإصلاح، لأن صياغة الإنسان صياغة إسلامية، وتكوين الصفوة من العلماء والمفكرين وتهيئة الواقع لتقبل المنهاج الإسلامي، لا بد فيها من التدرج..

والإلحاح على ضرورة ترتيب الأولويات في الإصلاح.. فإصلاح مناهج الفكر والمؤسسات التي تصنع العقل المسلم وتصوغ الوجدان الإسلامي، هي أولى درجات سلم الإصلاح وتربية الأمة مقدمة على الاستيلاء على «الدولة»... وسياسة التربية سابقة على تربية السياسة..

والنظر إلى السياسة بمنظار عالمية الإسلام، وعالمية الأمة الإسلامية.

ولقد حملت «المنار» إلى العالم الإسلامي منهاجًا جديدًا وفريدًا في تفسير القرآن الكريم، تمثل فيما دونه الشيخ رشيد رضا من دروس الشيخ محمد عبده في تفسير القرآن على امتداد ست سنوات من شهر المحرم سنة ١٣١٧هـ - (مايو سنة ۱۸۹۹م) وحتى وفاته سنة ١٩٠٥م، حملته أعداد المنار إلى القراء على امتداد اثني عشر عامًا - من شهر المحرم سنة ١٣١٨هـ (مايو سنة ۱۹۰۰م) وحتى جمادى الأولى سنة ١٣٣٠ هـ (مايو سنة ١٩١٣م).. ثم أخذ الشيخ رشيد في مواصلة هذا التفسير.

ولقد كان هذا التفسير - الذي اشتهر «بتفسير المنار» - فتحًا جديدًا في عالم التفسير للقرآن الكريم.. وفي تاريخ هذا التفسير .. وبعبارة الإمام محمد البشير الإبراهيمي ( ١٣٠٦ - ١٣٨٥هـ - ١٨٨٩م - ١٩٦٥م):

فلقد كان تفسير الأستاذ الإمام للقرآن بمنهاج المعجزة والتفسير المنبئ الظهور إمام المفسرين بلا منازع أبلغ من تكلم في التفسير بياناً لهديه، وفهماً لأسراره، وتوفيقاً بين آيات الله في القرآن، وبين آياته في الأكوان، في وجود هذا الإمام وجد علم التفسير وتم.. فهو آية على أن القرآن لا يفسر إلا بلسانين لسان العرب ولسان الزمان... ولقد جاء تفسيرًا لا للقرآن بل المعجزات القرآن([2])

نعم.. صدرت «المنارة» لتحمل هذه الرسالة الإصلاحية الإحيائية التجديدية إلى كل أقطار عالم الإسلام . حتى لقد فتحت نوافذ الفكر والعلم والتعليم والاستنارة أمام بقاع إسلامية كانت تعيش في ظلمات الجهل والجاهلية بعيدة عن الحدود الدنيا من العلم والتعليم !... واستمرت «المنار» في حملها لهذه الرسالة، وفي إشاعتها، وفي إحداث التراكم المعرفي الإسلامي على امتداد ما يقرب من أربعين عامًا هجريًا (١٣١٥ - ١٣٥٤هـ - ١٨٩٨ - ١٩٣٥م) فكانت ديوان النهضة الإسلامية طوال ذلك التاريخ..

ولقد وصف الإمام محمد عبده منهج «المنار» فقال: «إن الحق يظهر في (المنار) عريانا في الغالب، ليس عليه شيء من الحلي والحلل التي تجذب إليه أنظار من لم يألفوا الحق لذاته»!

ولذلك كان «المنار» سابحًا -بمناخ غير ملائم- ضد التيارات الطاغية على فكر الأمة في ذلك التاريخ.. تيار الجمود والتقليد. المتحصن بالمؤسسات الموروثة – التعليمية منها والصوفية .... وتيار التغريب الذي اشتد عوده في ظلال الاستعمار، بعد هزيمة الثورة العربية (۱۲۹۹هـ - ۱۸۸۲م)..

ولقد قاومت الحكومة العثمانية هذه المجلة عند صدورها، وحرمت على رعاياها تلقيها - كما سبق وصنعت السلطات الإنجليزية مع «العروة الوثقى».. ورد أغلب المصريين الذين أرسلت إليهم أعدادها بالبريد- مجانًا- ردوها إلى الشيخ رشيد رضا!.. ولم يبدأ رواجها، وتعلق الناس بها إلا بعد خمس سنوات من صدورها!.. فكان استمرارها درسًا في الجهاد والصمود، ذلك أن صاحبها قد نظر إليها نظرته إلى أداء الفريضة الإلهية الاجتماعية -فريضة الكفاية- التي يقع الإثم بتخلفها على الأمة جمعاء.. وعن هذه الحقيقة كتب يقول:

«إنني لم أنشئ (المنار) ابتغاء ثروة أتأثلها، ولا رتبة أمير أو سلطان أتجمل بها، ولا جاه عند العامة والخاصة أباهي به الأقران، وأبارى به أعلياء الشأن، بل لأنه فرض من الفروض يرجى النفع من إقامته وتأثم الأمة كلها بتركه، فلم أكن أبالي بشيء إلا قول الحق والدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فكنت إن أصبت بحسب علمي فسيان رضي الناس أم سخطوا مدحوا أم ذموا قبلوا المنار أم رفضوا...». ([3])

ولقد بارك الله في أعداد المنار ومجلداتها.. التي صار يعاد طبعها في حياة صاحبها، وحتى هذه الأيام!... والتي استخرج من صفحاتها العديد والعديد من الكتب والدراسات.. والتي وضعت فيها العديد من رسائل الماجستير والدكتوراه..

ولقد صارت ديوان المدرسة الإحيائية والتجديدية في تاريخنا الحديث.. حتى إن اليقظة الإسلامية المعاصرة عندما أرادت أن تبدأ بدأت بالمنار... فرأينا الشيخ حسن البنا ( ١٣٢٤ - ١٣٦٨ هـ - ١٩٠٦ – ١٩٤٩م) الذي حضر بعض دروس الشيخ رشيد رضا.. وتردد على دار «المنار» -يعيد إصدار هذه المجلة- بحجمها وشكلها وتبويبها، بل وتسلسل أعدادها وأجزائها - بعد وفاة الشيخ رشيد وذلك بداية من غرة جمادى الثاني سنة ١٢٥٨هـ - ١٨ يوليو سنة ١٩٣٩م، وعلى امتداد أربعة عشر شهرًا.. بل إن الشيخ البنا عندما شرع في تفسير القرآن الكريم، بدأ من حيث انتهى الشيخ رشيد الذي سبق وبدأ هو أيضاً من حيث انتهى الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده!

إذن .. كانت المنار، ديوان الإحياء الإسلامي، وميدانًا لتجديد دنيا المسلمين بالدين الإسلامي المتجدد .. أي أنها لم تقف عند تجديد الفكر وإنما عملت على «تجديد الواقع» أيضًا..

لقد دعت إلى نهضة حضارية إسلامية... وذلك في مواجهة الخيار الغربي - الوضعي العلماني- في التقدم.. مع رفض خيار الجمود والتقليد للسلف والتراث ذلك الذي فتح ويفتح بالعجز والقصور، أبواب الواقع الإسلامي لخيار التغريب.

فالأفغاني قد دعا إلى هذا الخيار الحضاري الإسلامي، عندما قال:

«إنا، معشر المسلمين، إذا لم يؤسس نهوضنا وتمدننا على قواعد ديننا وقرآننا فلا خير لنا فيه، ولا يمكن التخلص من وصمة انحطاطنا وتأخرنا إلا عن هذا الطريق.

وإن ما نراه اليوم من حالة ظاهرة حسنة فينا -من حيث الرقي والأخذ بأسباب التمدن- هو عين التقهقر والانحطاط، لأننا في تمدننا هذا مقلدون للأمم الأوروبية، وهو تقليد يجرنا بطبيعته إلى الإعجاب بالأجانب، والاستكانة لهم، والرضى بسلطانهم علينا وبذلك تتحول صبغة الإسلام، التي من شأنها رفع راية السلطة والغلب، إلى صبغة خمول وضعة واستئناس لحكم الأجنبي.. إن الدين هو قوام الأمم، وبه فلاحها، وفيه سر سعادتها، وعليها مدارها.. وهو السبب المفرد السعادة الإنسان...»([4]).

ولقد حمل «المنار» رسالة البلورة المعالم هذا المشروع الحضاري الإسلامي إلى كل أقطار العالم الإسلامي.. فدعا رشيد رضا إلى تأسيس النهضة والتقدم على الدين:

«لأن التاريخ قد علمنا أنه لم تقم مدنية في الأرض من المدنيات التي وعاها وعرفها إلا على أساس الدين حتى مدنيات الأمم الوثنية، كقدماء المصريين والكلدانيين واليونانيين.

لقد علمنا القرآن أنه ما من أمة إلا وقد خلا فيها نذير من الله -U- لهدايتها، فنحن بهذا نرى أن تلك الديانات الوثنية كان لها أصل إلهي، ثم سرت الوثنية إلى أهلها حتى غلبت على أصلها.. وليس للبشر ديانة يحفظ التاريخ أصلها حفظًا تامًا إلا الديانة الإسلامية.. فاتباع الرسل وهداية الدين أساس كل مدنية، لأن الارتقاء المعنوي هو الذي يبعث على الارتقاء المدني...»([5])

وذلك لأن الشريعة الإسلامية جامعة للإصلاح الديني والسياسي كليهما:

«فمن مقومات الإصلاح الديني الإصلاح السياسي المدني على أن الإصلاحين متلازمان في الأمة الإسلامية، لا يقوم أحدهما حق القيام إلا بالآخر، والشريعة الإسلامية هادية للإصلاحين، إذ كل خير وصلاح للعباد يتعلق بالمعاش والمعاد قد قرره الإسلام...» ([6])

• والاجتهاد هو الشرط الأول لبقاء الشريعة الإسلامية وافية بمتطلبات هذا الإصلاح:

«لأن هذه الشريعة هي جامعة الشرائع الإلهية، وحكمة ذلك أن الله تعالى قد أكمل بها الدين الحق، فجعلها جامعة بين مصالح الروح والجسد، ومنح الأمة حق الاجتهاد والاستنباط وبهذين كانت موافقة المصالح البشر في كل زمان ومكان»([7])

وهذا المشروع النهضوي الإسلامي المتسلح بالتجديد الديني، إنما يحارب في جبهتين:

أ- جبهة الجمود الديني عند أفكار السلف، كما هو الحال عند:

«حماة تقليد الكتب المدونة في المذاهب المتبعة من سنية وشيعية وإمامية وإباضية، وحجتهم أن علوم الشريعة المودعة في الكتاب والسنة إجمالًا وتفصيلًا قد انحصرت فيها فمن لم يأخذ بمذهب منها فليس على ملة الإسلام»!

ب- وجبهة التقليد للحضارة الغربية الداعين للانسلاخ عن الموروث من:

«دعاة الحضارة العصرية، والنظم المدنية والقوانين الوضعية الذين يقولون: إن هذه الشريعة المدونة لا تصلح لهذا الزمان، ولا يمكن أن تصلح بها حكومة، ولا تستقيم بها مصالح أمة فيجب تركها واستبدال قوانين الإفرنج بها، أو استقلال كل قوم وشعب من المسلمين كغيرهم بتشريع جديد يوافق مصالحهم، وإلا كانوا من الهالكين»([8]):

والتبشير بشمولية الإسلام للدين والدولة جميعًا.. للشرع والسياسة معًا.. لكن ليس كما يفهم المتغربون أنها الكهانة التي عرفتها أوروبا عندما جمعت كنيستها السلطة الزمنية إلى السلطة الدينية.. لأن الإسلام ينكر هذه السلطة الدينية - بهذا المعنى ويحاربها..

وحتى السلطة الروحية للتصوف -في التجربة الإسلامية- لم تبلغ ما بلغته كهانة «الأكليروس» في التاريخ الأوروبي:

«ولو كان الإسلام شرع هذه السلطة المعروفة في الملل السابقة عليه من البوذيين والبراهمة والإسرائيليين والنصارى، أو أجازها، لوجد لها في المسلمين نظام ورؤساء، ولكن شيئاً من ذلك لم يوجد، وإنما وجدت طائفة منهم تصدت للتربية والإرشاد، ثم انقسمت إلى طوائف وجماعات، ولم تكن لهم سلطة على أحد، وإنما يتبعهم من شاء باختياره، ولم يسلموا مع ذلك من رمي الفقهاء لهم بالانحراف عن الدين، ومن تفريق الحكام شملهم ولذلك لم يكن لهم ظهور، إلا حيث يضعف علم الدين وحكمته...» ([9])

والتميز الإسلامي في المشروع الحضاري، لا يعني القطيعة مع الحضارات الأخرى، وفي مقدمتها الحضارة الغربية المعاصرة.. وإنما يعني هذا التميز:

أ- الانفتاح الحضاري والتفاعل الفكري واستلهام المشترك الإنساني العام في المعارف والعلوم.

ب- مع الاحتفاظ بسمات الخصوصية الحضارية الإسلامية وقسماتها، وكما يقول الشيخ رشيد: «...إننا في أشد الحاجة إلى الصناعات الإفرنجية، وما تتوقف عليه من العلوم والفنون العملية، وإلى الاعتبار بتاريخهم وأطوار حكوماتهم وجماعاتهم، ولكن يجب أن يقوم باقتباس ذلك جماعات منا يجمعون بينه وبين حفظ مقوماتنا ومشخصاتنا وأركانها اللغة والدين والشريعة والآداب. فمن فقد شيئا من هذه الأشياء فقد فقد جزءاً من نفسه، لا يمكن أن يستغني عنه بمثله من غيره كما أنه لا يستغني بعقل غيره عن عقله ولا بجسم سواه عن جسمه، وإنما نستفيد من العبرة بحالهم، كيف نرقي لغاتنا كما رقوا لغاتهم، وكيف ننشر ديننا كما ينشرون دينهم، وكيف نسهل طرق العلم بشريعتنا وآدابنا كما سهلوا طرق شرائعهم وآدابهم..» ([10])

وإذا كان التقليد للغرب قد جاءنا -ضمن ما جاءنا- بالنزعة القومية العنصرية المتعصبة التي تمزق وحدة الأمة التي هي فريضة إسلامية.. وضرورة حياتية.. فإن الجامعة الإسلامية هي إطار الوحدة والانتماء لشعوب الأمة الإسلامية:

«ذلك أن أكمل الجنسيات وأنفعها للبشر ما كانت أعم وأشمل للطوائف والجمعيات المختلفة في النسب والوطن واللغة والدين والحكومة، بأن يقصد بها الخير للجميع للمساواة في الحقوق وتمكينهم من الرقي إلى ما أعدتهم له الفطرة البشرية من الكمال الاجتماعي، وإنها جنسية لا يتحسر عليها نوابغ الحكماء، وهي موجودة في الملة الإسلامية، وإن كان المسلمون من أبعد الناس عنها! فالملة الإسلامية تساوي بين المختلفين في الأنساب والأوطان والأديان، وتسمح لمن يحل في حكمها وهو على دينه، أن ينشئ في بلادها محاكم لأهل ملته وأبناء جلدته، فلا تلزمه بأحكامها إلزاماً، فإن هو اختار حكمها بنفسه ساوت بينه وبين أقرب الناس من بنيها أو أعلى أفرادها مكانة فيها، فهي تدعو جميع البشر إلى التعارف والتألف في ظل حمايتها، وإنه لمظل ظليل يباح للمستظل به كل شيء إلا محاولة إزالته أو إزالة فائدته للناس، وهي دفع الشر والأذى عنهم، وتقريب الخير منهم، مع حفظ حريتهم في أديانهم وأعمالهم...»([11]).

على صفحات «المنار» تم بسط الحديث عن معالم المشروع الحضاري النهضوي الذي صاغت معالمه المدرسة الإحيائية:

المرجعية الإسلامية للنهضة.

وشمولية الشريعة الإسلامية للإصلاح الديني والإصلاح السياسي كليهما..

وضرورة الاجتهاد والتجديد لتواكب الشريعة جميع المستجدات عبر الزمان والمكان.

والوسطية الجامعة بين منابع المرجعية الإسلامية وبين الواقع المتجدد دونما انغلاق على تجارب السلف أو قطيعة مع التراث..

والاعتصام بالشرع الإسلامي، دون الوقوع في شرك الكهانة، والسلطة الدينية - بالمعنى الكنسي الغربي- تلك التي يرفضها الإسلام، والتي برئ منها تاريخنا الحضاري.

والانفتاح على الحضارات المختلفة والتفاعل مع كل المعارف والعلوم التي تمدن الواقع، مع الاحتفاظ بخصوصيتنا الحضارية، وهويتنا الثقافية..

والتعلق برابطة الجامعة الإسلامية التي تستوعب شعوب الأمة أجناسها ولغاتها وأوطانها ومللها، حذراً من ضيق التعصب القومي والعصبية الإقليمية وغير ذلك من قسمات هذا المشروع النهضوي الإحيائي الذي حملت «المنار» رسالته إلى العالم الإسلامي على امتداد نحو أربعين عامًا... حتى أصبحت «المدرسة» و«الديوان» لتيار البعث الإسلامي واليقظة الإسلامية في عصرنا الحديث.

لقد عرف العالم الإسلامي، في عصره الحديث عشرات المجلات الكبرى... لكن المنار، تفردت من بين كل تلك المجلات عندما أصبحت مدرسة جامعة لتيار الإحياء والتجديد - الذي هو أعظم تيارات العصر في عالم الإسلام.

وقيادة لإقامة مؤسسات الإصلاح والمقاومة والنهوض...

بل وكانت المنطلق للحركات الإسلامية الجماهيرية، التي رفعت شعارات شمولية المنهاج الإسلامي للدين والدولة.. للعقيدة والشريعة.. للفرد والأمة.. للدنيا والآخرة... في مواجهة العلمانية الغربية التي أرادت اختزال الإسلام، واستبعاد حاكميته في ميادين الاجتماع والحياة.

 



([1]) مفكر إسلامي.

([2]) آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (٢/٢٥٢)، جمع وتقديم: د. أحمد طالب الإبراهيمي، طبعة بيروت سنة ١٩٩٧م.

([3]) مقدمة رشيد رضا للطبعة الثانية المجلدات «المنار» ص 2،3، طبعة القاهرة، سنة ١٩٢٧م.

([4]) «الأعمال الكاملة لجمال الدين الأفغاني» ص ۳۲۷، ۳۲۸، ۱۳۱، ۱۷۳، دراسة وتحقيق: د محمد عمارة طبعة القاهرة سنة ١٩٦٨م.

([5]) رشيد رضا تفسير المنارة (4/429)، طبعة دار المعرفة بيروت.

([6]) رشيد رضا «المنار» مجلد (۱) (٣٩/٧٩٥).

([7]) المصدر السابق مجلد (۱۹) (٢/١٠٥).

([8]) المصدر السابق مجلد (٢٩) (١/٦٦).

([9]) المصدر السابق مجلد (٥) (٢٢/٧٤٨).

([10]) المصدر السابق مجلد (۷) (۱/۱٠).

([11]) المصدر السابق، مجلد (۸)، (١٩/٧٨٦،٧٨٧).

الرابط المختصر :