العنوان الأمة بين عزمات العقلاء وخور الأغبياء
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 23-يونيو-2007
مشاهدات 54
نشر في العدد 1757
نشر في الصفحة 45
السبت 23-يونيو-2007
منذ أكثر من أربعة آلآف عام، وفي وصية وجهها إلى ولده كتب الفرعون «تب كاورع» الملك المصري القديم ينصح ولده فيقول: «يا بني من رغب في السلم استعد للحرب».
وكان هذا الفرعون رجل سلام حقيقيًا، يؤثره على الحرب دائمًا، ولكن يريد السلام الشامخ العزيز، لا سلام الذلة والمسكنة والاستسلام، كان رجلًا يفهم تكتيك الموازنات، ويعرف طبيعة الأطماع الإنسانية، ووساوس النفوس البشرية، ويعقل جيدًا أن إيحاءات القوة أفضل ضمان لرد المعتدي، وهذا الإيحاء نفسه هو الذي أيده الإسلام، حيث خاطب القرآن المجتمع المسلم بقوله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ (سورة الأنفال: 60).
واليوم وبعد أربعة آلآف عام هل استعد المسلمون للدفاع عن أنفسهم ودفع الشر عنهم؟ هل صنعوا المدفع والطائرة والصاروخ؟ هل أنتجوا الدبابة والمصفحة والمدرعة؟ هل دشنوا الباخرة، والبارجة، والغواصة، والمدمرة؟ وهل يريدون ذلك أو يعملون لإنتاجه والدخول في عصره؟ كل هذه الأسئلة وما يتعلق بأمثالها يجاب عليها بـ لا وألف لا.
1- فالأجساد مترهلة والعقول متبلدة والعزائم منهارة، والأفكار شاردة، والسلطات خائرة، عاجزة، والضمائر خرية، والعمالات سادرة ومتحكمة تستر خياناتها بنداءات السلام والأمان في دنيا الذئاب والسباع، وقطاع الطرق والوحوش فأنى لها ذلك، وهي ما بذلت جهدًا، وما أرست طريقًا، وما أصلحت نفسًا، وما سلكت طريق الرشاد، أو استعدت وأعدت العدة لدفع البلاء، وإرهاب الأعداء وصدق الله: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ (سورة التوبة: 46)
ولو أرادوا النزال وقد جربوه، لدمروا وثبطوا وفتنوا الناس وزادوهم خبالًا، وصدق الله: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ, لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ (التوبة: 47-48).
خاصة وأن بعض السلطات تعتمد على نفايات العهود البائدة والنفوس الهاوية والتنظيمات المنحوسة التي حكمتها في رقاب الناس، تأمر وتنهى، وتذل وتعز، وترفع وتخفض، وتنهب وتسطو.
٢- أصحاب المصالح والمطامع والمستفيدون من الفساد والخراب والفوضى، والذين يشترون الضلالة بالهدى، ويبيعون الذي هو أدنى بالذي هو خير خُدام كل عهد، ومُداح كل متغلب، ومطايا كل مستعمر ونكسة كل أمة.
3- أجهزة السطو والترويع والاستباحة، التي لا تعرف القانون، ولا تتعامل معه، ولا تقر الحق أو تعرف له معنى تستبيح كل شيء، وتهدر كل قيمة، وتفضح كل عرض إذا أرادت، ولا يتأبى عليها شيء، أهؤلاء يستطيعون إعداد عدة، أو لقاء عدو، أو دفاعًا عن شرف، أو تضحية؟ وبذل المهج والأرواح في سبيل تحرير أو حرية.
وصدق شوقي حين قال:
وللحرية الحمراء باب *** بكل يد مضرجة يدق
وللأوطان في دم كل حر *** يد سلفت ودين مستحق
ولا يبني الممالك كالضحايا *** ولا يدني الحقوق ولا يحق
وقفتم بين موت أو حياة *** فإن رمتم نعيم الدهر فاشقوا
ومن غريب أنك ترى في هذه الأيام بوادر عظيمة ليقظة الشعوب، وإن كانت لم تبلغ بعد ما هو مطلوب، ثم ترى ريادتها تنهار، بل ويُحارب فيها هذا النزوع إلى العزة والتحرر، وتقتل في جنباتها العزائم الفتية والعقول الذكية، والضمائر التقية فإذا سألت مثلًا أي إنسان مسلم، أو عربي أو غيرهما من أصحاب الضمائر عما تفعله حماس في تضحيتها، وإخلاصها، ونظافة يدها، وحرصها على مصلحة شعبها وأمتها وتفانيها في سبيل مقاومة المستعمر الذي أذاق شعبها الهوان- لأشاد بتلك الجهود ومدحها وأثنى عليها، وإن سألت إسرائيل أو أمريكا أو الاستعمار أو كثيرًا من السلطات العربية، وجدت عكس ذلك تمامًا، بل وجدت أن القول السيئ يتبع بالعمل السيئ، والتآمر الفاضح، بل والائتمار بأمر الأعداء، والعمل على تنفيذ مخططاتهم، فهل هذا إصلاح؟
وراعي الشاة يحمي الذئب عنها *** فكيف إذا الرعاة لها ذئاب!
إن طعن المكافحين جريمة وكارثة اليوم لا تعدلها جريمة أو كارثة، فحذار من التمادي في الباطل، فالشعوب لن تغفر هذا أبدًا أبدًا، ولا التاريخ ولا السنن.
طعنوا جبابرة الكفاح وألصقوا *** عار الخؤون بجبهة الأبطال
ورموا بخنجر كيدهم من قدموا *** زهر الشباب لمذبح الآمال
بثوا عيون البغي فينا واشتروا *** بعض النفوس حقيرة بالمال
قد حورب الأحرار في أرزاقهم *** من ظالم في الظلم ليس يبالي
ما عاد قول الحق غير جريمة *** تأتي لكل مواطن بوبال
ومع هذا كله نحن نعلم وغيرنا أن هناك أنظمة عربية تؤيد الحق، وتحاول أن تلجم الباطل، فينبغي لها في هذه الظروف الحرجة أن ترفع صوتها، وتعلن شجبها، وتقف في وجه الموج الأسود والتآمر المفضوح الذي سيلف الأمة بالسواد، وأن يعي الجميع أن هؤلاء الشباب هم طليعة هذه الأمة الذين يحملون اليوم عبء الكفاح والدفاع عن الكرامة، والجهاد في سبيل تحرير المقدسات المغتصبة والديار المنهوبة.
وأقول لهؤلاء الشباب: الصراع اليوم هو صراع إرادات وعزائم، لا صراع حروب وزعامات فارغة، والثبات والإيمان والقوة لا يقف أمامها هذا الغثاء الفارغ المنهار، ولا يهولنكم هذه الأورام المنتفخة.
أعيذها نظرة منك صادقة *** أن تحسب اللحم ممن شحمه ورم
لكنهم والحق يقال: فعلوا في شعوبهم الكثير الكثير، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون، فسيروا على بركة الله، وشعوب الأمة ودعواتها معكم، ونصر الله آت إن شاء الله.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل