العنوان مؤسسة التأمينات الاجتماعية مدعوة لتصحيح المسار
الكاتب المحرر المحلي
تاريخ النشر الثلاثاء 03-مارس-1987
مشاهدات 67
نشر في العدد 807
نشر في الصفحة 5
الثلاثاء 03-مارس-1987
من المعروف أن المرسوم الأميري الخاص بالتأمينات الاجتماعية قد صدر في الأول
من أكتوبر عام 1976 وتم على أساسه إنشاء المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية كمؤسسة
حكومية مستقلة يرأس مجلس إدارتها وزير المالية، وباشرت هذه المؤسسة أعمالها بعد عام
واحد من صدور المرسوم، أي في 1/ 10/ 1977.
وأصبحت المؤسسة منذ ذلك الحين تتولى تطبيق القانون الخاص بالتأمينات الاجتماعية،
فتم إلزام كل موظفي الحكومة في الوزارات والمؤسسات الحكومية الأخرى للنظام، وكذلك الأمر
لمنتسبي القوات المسلحة والشرطة والحرس الوطني وكافة العسكريين الكويتيين، ثم الموظفين
العاملين في القطاع الخاص لدى أصحاب الأعمال، وذلك جميعًا فيما يعرف في قانون المؤسسة
بالباب الثالث.
وسعيًا من المؤسسة لمد غطاء التأمينات إلى كافة المواطنين الكويتيين العاملين
فقد تم ابتداء من 1/ 3/ 1981 فتح المجال للتسجيل اختياريًّا لأصحاب المهن الحرة، وهم
فئات متعددة حددها القانون والقرارات الأخرى الصادرة عن وزير المالية.
وفي 1/ 3/ 1986 أصبح التسجيل لهؤلاء إجباريًّا، وذلك فيما يعرف في قانون المؤسسة
بالباب الخامس بحيث يتعذر على صاحب أي رخصة تجارية أو أي نوع من رخص المهن الحرة تحرير
هذه الرخصة أو تجديدها دون إثبات خضوعه لأحكام الباب الخامس. وبهذا تكون كافة قطاعات
العمل في الكويت قد دخلت تحت مظلة التأمينات الاجتماعية.
النشاط الاستثماري.. ومحاذيره
والأسلوب الطبيعي لنظام التأمينات الاجتماعية في أي بلد يتضمن استثمار المبالغ
الضخمة التي تتراكم شهريًّا لدى استلام جهة التأمين لأقساط واشتراكات مئات الآلاف من
الموظفين والعاملين في مختلف جهات العمل.
ففي الكويت تتولى مؤسسة التأمينات تحصيل عدة ملايين من الدنانير شهريًّا وتحاول
بالطبع استيعابها في مشاريع استثمارية متعددة داخل وخارج الكويت، وذلك بغرض تنمية هذه
الأموال وحمايتها من التآكل بفعل التضخم الاقتصادي السنوي.
وقد خطت المؤسسة خطوات واسعة في توسيع نطاق استثماراتها -وخاصة الخارجية- وأنشأت
محافظ استثمارية متزايدة في كافة الدول الصناعية الكبرى حيث تُقدر مجموع استثمارات
التأمينات بحوالي 1.200 مليون دينار على شكل أسهم وسندات وودائع مصرفية وعقارات وغيرها
من أوجه الاستثمار.
ولسنا في هذا المقال بصدد نقد أو تقويم الاستثمارات من وجهة النظر الاقتصادية،
بل نحب التأكيد على ملاحظة هامة على استثمارات المؤسسة وهي دخولها في عمليات استثمار
ربوية بشكل واضح.
فالمؤسسة وهي تدير استثماراتها في الخارج تهتم بتحقيق أرباح معقولة في نشاطات
اقتصادية مختلفة، وربما تراعي في استثماراتها بعض المحاذير الشرعية مثل الدخول في أسهم
شركات الخمور وما شابه ذلك، ولكنها بلا شك تمارس أنشطة استثمارية ربوية بحتة وهي حرام
صريح بدليل نصوص الكتاب والسنة.
وقد أجاب مدير عام المؤسسة على سؤال في عام 1985 حول هذه النقطة بقوله بأن كافة
استثمارات التأمينات هي في الحدود الإسلامية غير أنه من الثابت أن هذا الكلام غير دقيق.
من هنا فإننا نطالب بإلحاح تمشيًا مع دستور الدولة الذي ينص على أن دين الدولة
«الإسلام» بإبعاد استثمارات التأمينات عن الربا؛ لأن الإسلام يحرم الربا تحريمًا قطعيًّا
ويشدد العقوبة على مرتكبيها؛ قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ
إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ
قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ
الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ
إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ،
يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ
أَثِيمٍ﴾ (البقرة: 275- 276).
بل إن الله أعلن الحرب على آكل الربا إن لم يذرها وينهج نهج الحلال في معاملاته
المالية فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا
اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ
تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ
رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ (البقرة: 278- 279).
الربا القسري
وقد تكون المعاملات الربوية مما عمت به البلوى في العصر الحاضر وتلطخت به كثير
من المؤسسات الاقتصادية في الكويت، وهذه هي الكارثة بأم عينها لكن في استثمارات التأمينات
هناك بعد آخر غاية الخطورة وهو:
كل مواطن كويتي غيور على دينه وحريص على التنزه التام من كل ما يختلط فيه الربا
سيضطر في المستقبل لاستلام معاشه التقاعدي مخلوطًا بأرباح الربا الاستثمارية التي تصب
في خزانة التأمينات من كافة محافظها الاستثمارية التي تمارس النشاطات الربوية.
ولا يستطيع أي مواطن الآن أن يفلت من الشبكة الربوية؛ لأن الغطاء التأميني أصبح
ساريًا على الجميع ووفقًا لقانون التأمينات الاجتماعية.
إنه من الضروري للغاية إعطاء هذه المسألة الأهمية البالغة طالما أننا في بلد
إسلامي يحترم الدين ويعطي للمواطن حقه في الالتزام الكامل بالأحكام الشرعية الإسلامية..
إننا نتساءل:
ما الذي يرغم المؤسسة العامة للتأمينات على الدخول في مشاريع استثمارية ربوية؟
هل هي الرغبة في الحصول على الأرباح السهلة؟ وهل حقًّا كما يزعم البعض أن المؤسسة لا
تستطيع استثمار أموالها بعيدًا عن النطاق الربوي؟ علمًا بأن الربا ليس ربحًا سهلًا
كما يتصور بعضهم، بل هو الخسارة المؤكدة والمحق الذي نصت عليه الآية السالفة، كما أن
إثم الفلس في الربا كإثم ست وثلاثين زنية كما جاء بالحديث الشريف.
إن المؤسسة آمنة من العجز المالي الذي تضمن خزانة الدولة تغطيته أينما ظهر. ولهذا
فإنها ليست تحت وطأة القلق من الخسارة المالية، ويستطيع القائمون على القطاع الاستثماري
فيها البحث على فرض الاستثمار النظيفة أو إيجاد هذه الفرص وتوفير ظروف النجاح لهذه
الاستثمارات بعيدًا عن نطاق الأرباح الربوية.
إن على الدولة أن تولي هذه القضية اهتمامًا كبيرًا؛ لأن المواطنين الغيورين على
دينهم لا يتقبلون عملية إجبارهم على الأموال الربوية، وإذا كان هؤلاء غير واعين الآن
بدخول الربا في المعاش التقاعدي، فإن ذلك لن يبقى سرًّا دائمًا. وعلى القائمين على
المؤسسة المشهود لهم بالكفاءات والدراية -وهم من الشباب الكويتي المخلص لهذا البلد-
أن يبذلوا جهدهم لتطهير أموال الشعب الكويتي من الربا، ولا شك أن ذلك يحتاج إلى جهود
كبيرة للبحث عن فرص الاستثمار الجيدة والموافقة للضوابط الشرعية الإسلامية، وإعداد
الكفاءات والكوادر الوطنية لإدارتها.
إننا ندعو الشباب الطيب الذي بيده زمام الأمور في المؤسسة أن يصحح المسار ابتغاء
مرضاة الله وتجنب سخطه، كما نأمل أن تكون المساهمة اختيارية لا إجبارية كخطوة أولى
ومقدمة لتصحيح المسار ككل. إنها دعوة مخلصة، ونأمل أن تلقى الاستجابة من القائمين على
أمر المؤسسة، والله الموفق.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل