; المقاومة في الشعر الأفغاني | مجلة المجتمع

العنوان المقاومة في الشعر الأفغاني

الكاتب عارف عطاري

تاريخ النشر الثلاثاء 19-يناير-1988

مشاهدات 64

نشر في العدد 852

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 19-يناير-1988

تكتسب هذه الدراسة المتواضعة أهميتها من كونها أول دراسة باللغة العربية عن شعر المقاومة الأفغانية على حد علم الكاتب، ولكنها تبقى قراءة أولية بسيطة، تفتقر إلى استقصاء النماذج الأدبية، ويعود ذلك إلى عدم توفر تلك النماذج بين أيدينا، فما نُشر من شعر المقاومة الأفغانية قليل، وفوق ذلك فالنصوص التي حصل عليها الكاتب مُترجمة من لغة «الباشتو» الأفغانية المحلية أو من «الفارسية» إلى الإنجليزية، وقد نُشرت في عدد من المجلات الصادرة في لندن مثل «The Middle East» و«Arabia». والمعروف أن أي نص أدبي يخسر جزءًا من قيمته لدى ترجمته، ولذلك فعندما تُنقل هذه النصوص إلى العربية تكون الخسارة قد تضاعفت، ولعلنا بهذه الدراسة نستنهض همم الدارسين والباحثين في الأدب للاهتمام بهذا الجانب من المقاومة الإسلامية والقيام بدراسات أكثر تعمقًا، وكذلك القيام بنقل الشعر وأدب المقاومة الأفغانية إلى العربية مباشرة.

 

لقد قدمت المنطقة الجغرافية المعروفة باسم «أفغانستان» اليوم مساهمات ثرية للثقافة الإسلامية والفارسية، وكان الشاعر الصوفي الأفغاني الكبير جلال الدين الرومي، أحد الشعراء العظام الذين أثروا الحياة الأدبية الإسلامية، ولكن في القرون الماضية ترك الانحطاط الثقافي وانحسار التعليم أثرهما على المجتمع الأفغاني، وقد وصل الإبداع الأدبي أدنى مستوى له في القرن التاسع عشر عندما اكتفى المتعلمون الأفغان بترديد شعر الأقدمين من أمثال عبد القادر بيدل.

 

ولكن انتعاش الشعر الفارسي منذ الأربعينيات ساعد الكتاب والشعراء الأفغان على إعادة تقييم أعمالهم، وفي الستينيات ازدهر وأينع الشعر الأفغاني على يد الشعراء: رحيم إلهام، وسليمان لائق، وبارق شفيق. وقد تسلم الأخيران حقائب وزارية في حكومة «كارمال»، الأول حقيبة شؤون القبائل، ويتضمن شعره مفاهيم الحرية ومقاومة الاستغلال والإمبريالية، ويُعتبر شاعرًا معاصرًا، ووعيه الاجتماعي هو الجانب الأصيل في شعره، وقد اشتهر من شعره قصيدة «حيرات» التي يتحدث فيها عن مقاومة هذه المدينة للغزاة عبر التاريخ:

 

لا سيوف الطغاة

ولا جبروت الغزاة

تستطيع أن تدمر روح الشعب

على وديان حيرات

يقف التاريخ شاهدًا

 

وفي قصيدة أخرى يقول:

 

على تمثال صامت لبوذا

يصيح طائر: هذا زورق السماء

هذه سفينة النجاة

تبحر فوق أمواج

الإرهاب والتخبط

 

ومن المفارقات أن تتعرض «حيرات» المدينة التي يشيد بها «لائق» إلى دمار كبير، لم تشهده من قبل، وعلى يد نظام من بين وزرائه الشاعر نفسه مدعوم من قوات الغزو السوفياتي.

 

ربما كان هذا أحد الأسباب التي جعلت شاعرًا مشهورًا مثله يفقد مكانته الأدبية، ليحل محله شعراء آخرون من الطرف المقاوم المعارض، من هؤلاء الشاعر خليل الله خليلي، وعبد الرحمن بزواك، وكلاهما يكتب في المنفى عن مأساة بلاده والدمار الذي حل ببلده على يد السوفيات وجنود النظام، كما يكتب عن عزلة المنفى وضياع المنفيين. في قصيدته «الكفن المحترق» يصور خليلي نفسه معزولًا منفيًا وحيدًا لا يجد زاوية في هذا العالم يستريح فيها حتى كفنه مليء بالحروق، إنه يكتب عن نفسه وعن كثير من الأفغان من أمثاله:

 

الجالسين على النار

السابحين في الدم

كورقة تائهة

قذفتها العاصفة

 

هذه التعابير الحزينة نجدها أيضًا لدى «بزواك» الذي ترأس يومًا الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهو معروف كديبلوماسي في قصيدته الأخيرة «سبنجهار: الجبل الأبيض» وهو جبل بالقرب من كابل يناشد «بزواك» الجبل أن ينشق كبركان يقذف الغزاة الذين حولوا «خضرة الطبيعة إلى بركة من الدماء الإنسانية»:

 

افتح فمك كبركان

وامح الغزاة

الذين حولوا الطبيعة الخضراء

إلى بركة دماء

 

ولكن بكائيات «خليلي» ومناشدات «بزواك» تنزوي لدى شعراء آخرين مثل محمد هاشم زماني، لتحل محلها قصائد التحدي والمواجهة. في وقت مبكر من الغزو عام 1980 نشر الشاعر الأفغاني محمد هاشم زماني مجموعته «الدب القطبي» ووزعها بين المجاهدين في أفغانستان، لقد كانت شعر مقاومة بالمعنى الحقيقي للكلمة، وكتب أحد النقاد معلقًا عليها: «لقد كتبت لتقرأ لأولئك الذين يواجهون الغزو، لا لأولئك المنفيين حول العالم». وكتب قائد الجبهة الوطنية الإسلامية المستقلة السيد أنور أمين: «الشعر الثوري في هذه المجموعة الرائعة رسالة واضحة لتحرير أفغانستان المحبوبة، إنها ترفع الروح المعنوية، وتعزز الشجاعة والأمل للمقاتلين الأفغان، وتقدم تعاليم وزادًا فكريًا لهم».

 

وفي مقدمة النسخة الإنجليزية من المجموعة كتب زماني أنه نقلها إلى الإنجليزية «حتى يعرف العالم صرخات المعارك والتصميم الأفغاني الهائل على مقاومة الغزاة».

 

لم يتحيز «زماني» لجبهة معينة، بل دعا إلى الوحدة بين جميع الزعامات. وفي قصيدة «يا الله» دعا الله أن يمنح الأفغان قائدًا واحدًا حقيقيًا يحررهم من النير السوفياتي وعبر عن أسفه للتفرق بين القادة.

 

كرس «زماني» عددًا من قصائده لذكرى شهداء الشباب ومن بينهم ابن أخته «خير أنديش» زماني، ومن أروع قصائده القصيدة المهداة إلى الشهيدة «ناهد» التي استشهدت أثناء اشتراكها في مظاهرة معادية للسوفيات:

 

يلامس يراعي جراحك

ورغباتك البريئة

صرخة الثورة في كابول

تطفئ لهيب الاحتلال

وجهي للجيوش الروسية ضربة قاضية

مزقي قلب الخصم

في الصراع من أجل الحرية

ينشد الشاعر القصائد لملاك الحرية

حلي خصلات شعرك للتضحية

اكشفي عن وجه الشرف

ينزف الدم من تحت وجناتك

براعم الحرية تزهر ازدهارًا

النهوض الوطني الثوري يهمس: دم ناهد يتفتح ازدهارًا

 

في شعره غضب وازدراء للسوفيات، وكذلك تحد لهم، وقد صور الدب القطبي على أن له شهية لا حد لها، ولكنه وجد أفغانستان صعبة الهضم:

 

جئت لألتقط فاكهة شهية

ولكني وجدتها سامة

ظننت أنها ملجأ آمن

ولكني وجدت تهديد حياتي فيها

في هذه الأرض الخضراء تحت الأزرق

طعنت في الصدر في الصميم

الأرض الخضراء في هذه الحديقة

أصبحت حمراء بدمي

ندوب قلبي تتضخم

صخور وغابات هذه الجبال العالية

تحولت إلى سرير موت لي

هذا الجو ثوري

إنها أرض الأفغان الذين يعشقون الحرية.

الرابط المختصر :