العنوان أسئلة أكثر حول فرض الكفاية «أخيرة»
الكاتب د. إبراهيم البيومي غانم
تاريخ النشر السبت 15-ديسمبر-2012
مشاهدات 72
نشر في العدد 2031
نشر في الصفحة 66
السبت 15-ديسمبر-2012
بعد أن فرغت من كتابة المقالات السابقة في هذا الموضوع لم أستطع -على غير عادتي - أن أقول بعد عناء البحث «انتهى وانشرح منه الفؤاد ونال نهاية أمنيته»؛ ذلك لأن الأسئلة التي ثارت في ذهني عند منتهاه بدت أكثر وأصعب مما قدمناه؛ فقد رأينا كيف ارتبط واجب الكفاية (سنة الوقف) بواجب العين (فريضة صوم رمضان) من باب التماس مزيد من ثواب الله والقرب منه في هذا الشهر الفضيل.. وعرفنا كيف تطورت عملية توظيف موائد الأوقاف عبر تراكمات الممارسات الاجتماعية وكيف تشعبت وأسهمت في دعم التضامن الاجتماعي، وفي التأكيد على روابط الهوية الثقافية والعقدية، وكذلك في تنشيط الذاكرة الجماعية بالدلالات الرمزية والدينية وبالقيم والمثل الأخلاقية التي ينطوي عليها شهر رمضان كموسم سنوي للعبادة ولسائر الأعمال الصالحات، أو ما أسميناه «التكافلات الأفقية والرأسية».
وبالتأمل في الروافد التي ارتبط الوقف من خلالها برمضان، نجد أن هذا الارتباط، هو جزء من سياسة أهلية عامة اتجهت دومًا نحو توظيف بعض عوائد الأوقاف في إحياء المواسم والأعياد والاحتفالات، وأن هذه السياسة قد وفرت آلية منتظمة لتمويل إحياء القيم الرمزية للجماعة الإسلامية وللمحافظة عليها وترسيبها في الوعي الجماعي للأجيال المتعاقبة.
ولكن هذا كله كان فاعلًا في ظل علاقة خاصة بين المجتمع - وبالأحرى الأمة - وبين الدولة، وقوام هذه العلاقة هو التعاون والتوازن وعدم طغيان طرف على الآخر وعندما اختلت هذه العلاقة لصالح «سلطة الدولة» الحديثة التي ظهرت وتبلورت تدريجيًّا في مختلف مجتمعات العالم الإسلامي - على مدى القرنين الأخيرين - تراجعت وتبدلت علاقة «فرض الكفاية» بـ «فرض العين» في هذا المجال مثلما تراجعت وتبدلت في غيره من المجالات الأخرى.
أما التراجع، فقد كان لأسباب كثيرة أهمها تدخل الدولة في مختلف مجالات الحياة الاجتماعية وهيمنتها عليها، وقيامها بأداء كثير من الخدمات التي كان يمولها نظام الوقف، والذي حدث هو أنه كلما زاد تدخل الدولة قلت المبادرات الاجتماعية بالوقف على المجالات التي تتدخل فيها.
وأما التبدل، فقد حدث نتيجة لانتقال أداء فرض الكفاية (الوقف) في معظم جوانبه الوظيفية من الحيز الاجتماعي إلى الحيز الحكومي، حيث تم إدماج مؤسسات الأوقاف في الجهاز البيروقراطي للدولة الحديثة في كثير من البلدان الإسلامية، وصارت خاضعة لإدارتها المركزية، سواء فيما كانت تقوم به من خدمات تعليمية أو صحية، أو فيما كانت تقدمه من دعم مادي وعيني لإحياء المناسبات والأعياد والمواسم، والمحافظة على استمرارية منظومة القيم الدينية والثقافية للجماعة، بما في ذلك الدور الذي كانت تؤديه بمناسبة شهر رمضان وعبادة الصوم على النحو السابق بيانه.
وإذا تأملنا - في نهاية المطاف - في مسار العلاقة بين الوقف كفرض كفاية، وبين صوم رمضان كفرض عيني عبر الممارسات الاجتماعية وما آلت إليه في ظل الدول الحديثة - في معظم بلدان العالم الإسلامي- سنجد أن قوة هذه العلاقة قد وهنت، وأن وظيفتها السابق شرحها قد انتقلت من حيزها الاجتماعي إلى الحيز السلطوي الحكومي، وذلك ضمن السياق العام الذي سيطرت فيه الدولة على نظام الوقف برمته، وفككت روابطه بالتكوينات الاجتماعية الأصيلة وفي مقدمتها الأسرة، والطائفة المهنية أو الحرفية والطريقة الصوفية والعلماء، وكثير من المؤسسات المدنية والدينية في آن واحد.
غاية ما نأمله - من خلال النموذج الذي قدمناه بشأن الوقف وصوم رمضان - هو أن يكون البحث في علاقة فرض الكفاية بفرض العين فاتحة لمزيد من البحوث والدراسات المتعمقة حول علاقة مجمل فروض الكفاية بمجمل فروض العين - كالصلاة والزكاة والحج - بشكل خاص من ناحية، وحول علاقة السنن بالفرائض أو المندوبات بالواجبات الشرعية بشكل عام من ناحية أخرى، على أن يكون البحث -من الناحيتين - من منظور الممارسة الاجتماعية للتكاليف الشرعية، وأن تكون مادته الأساسية مستمدة من واقع هذه الممارسة ومن مشكلاتها الواقعية، ومن تراكماتها التاريخية.
ذلك لما نلحظه من غياب شبه تام لهذه المنهجية التي تبحث في العلاقات المتبادلة بين مكونات التكاليف الشرعية على مستوى الممارسة الاجتماعية - الفردية والجماعية - وتحلل تفاعلاتها ومساراتها وصيروراتها عندما تنتقل من حيز النظرية إلى واقع التطبيق، ونحاول تفسيرها وتعليلها عندما تتميز هذه التكاليف عن عالم الأفكار بتجريداته، وتتلبس بعوالم الأشخاص والأشياء والأحداث بتعقيداتها وتحيزاتها بعنصري الزمان (التاريخ) من جهة، والمكان (الجغرافيا) من جهة ثانية.
إن من اليسير العثور على عشرات المؤلفات الفقهية والأصولية - بل المئات والآلاف منها - التي تناولت التكاليف الشرعية بالتأصيل والتفصيل بما لا مزيد عليه، ومن اليسير كذلك الحصول على قدر معتبر من مؤلفات العلماء الذين ركزوا فيها جهدهم لبحث العلاقات النظرية المشتركة بين تلك التكاليف، وبينت كيف أن كل تكليف أو حكم منها يقضي إلى الآخر ويرتبط به برباط وثيق، وأنها تشكل في مجملها وحدة متكاملة، ونظامًا متناسقًا، وتجمعها نظرية شاملة هي «نظرية المقاصد العامة للشريعة».
هنالك كل ذلك، ولكن الأمر اللافت للنظر هو أنه لم تجر محاولات جادة لتوظيف هذا الثراء الفقهي الأصولي كمرجعية نظرية ومعرفية للوصول إلى إجابات عن تساؤلات كثيرة لا تزال غير مطروقة حول الدور الذي أدته الممارسات الاجتماعية للتكاليف الشرعية على اختلاف مستوياتها - في إحداث درجات متفاوتة من التطور الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي بل والتقني والفني أو «الحضاري» في التاريخ الإسلامي بشكل عام وحول علاقات التساند والارتباط التي كشفت عنها الممارسات الاجتماعية بين أقسام تلك التكاليف أو الأحكام الشرعية بما تشتمل عليه من واجبات ومندوبات ومحرمات ومكروهات ومباحات.
إن تقويض الممارسة الاجتماعية لفرض الكفاية (كما أوضحنا) وعزله عن روافده التلقائية، وضبطه سلطويًّا بعيدًا عن مجاله في خدمة فرائض الإسلام، كل ذلك قد أسهم في حدوث خلل في مقومات التوازن الاجتماعي، وأدى إلى ضعضعة مصادر قوة المجتمع في علاقته مع سلطة الدولة.. وهذا رأينا الذي سقناه يؤخذ منه ويترك، ومن جاءنا بأحسن منه قبلناه.
(*) أستاذ العلوم السياسية – مصر.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل