; آباء وأبناء.. في القرآن الكريم (2)- نوح عليه السلام.. وابنه | مجلة المجتمع

العنوان آباء وأبناء.. في القرآن الكريم (2)- نوح عليه السلام.. وابنه

الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي

تاريخ النشر السبت 16-فبراير-2013

مشاهدات 72

نشر في العدد 2040

نشر في الصفحة 50

السبت 16-فبراير-2013

  • نوح عليه السلام دعا ابنه لركوب سفينة النجاة بالإيمان.. لكنه أبى واستكبر فكان من المغرقين.
  • قول الله عز وجل ﴿إنَهُ لَيْسَ منْ أَهْلكَ﴾ دليل على أن أخوة الدين أقوى من ﴿النسب﴾.

إنها قصة الإنسان حين يتنكب عن طريق الله وينحرف عنه في سلوكه، فيتنكر لخالقه ومولاه، ويظن غروراً وزوراً أنه عنه غني! ويغتر بحلم ربه إذ كرمه بالعلم وأنعم عليه بالعقل وجعل له إرادة فخيره بين طريق الرشد وطريق الغي، وقال: ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ قَد تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَي﴾ (البقرة: ٢٥٦).

كما أنها قصة الهداية التي يمن الله بها على من يشاء من عباده، وقصة العدالة الإلهية التي لا تظلم ولا تحابي أحداً، مَنْ عاشها بقلبه حقا فإن لسانه لا يفتأ يذكر ربه ويشكره ليل نهار على أن هداه وأعانه على سلوك درب المتقين حين أخطأ غيره الطريق فانحرف ومال؛ ﴿يمنُونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَا تَمَنُوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَيُمن عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَان إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (17)﴾ (الحجرات).

وهي قصة الأبوة الحانية التي فطر الله عليها الآباء، والنبوة الصادقة في دعوتها، الأمينة في تبليغ رسالتها حتى آخر لحظة في حياة المدعو، فكيف إذا كان ابنًا من صلب النبي. 

قصة تحمل بين حروفها مسؤولية كل إنسان عما يفعل، ومؤاخذته بما اقترفت يداه دون النظر إلى أبيه وأمه، ولا إلى جنسه ولونه أو نسبه وحسبه، وجاهه وملكه يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أخيه (34) وأمه وأبيه (35) وَصَاحَبتُه وَبنَيه (36) لكلِّ امْرِئٍ مَنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغنيه (37)﴾ (عبس).

إنها جديرة لأن تُهدى لأصحاب الهمم العالية والمراتب السامية من أهل الدعوة إلى الله تعالى الذين لا يحيدون عن مبدأ الحق طرفة عين، وبمثل هذه الهمم تُرتَقَى القمم! 

الأب النبي 

إنه نبي الله نوح عليه السلام الذي قيل: إن مولده كان بعد وفاة آدم بحوالي ألف عام  وأنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض بعد آدم عليه السلام، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كان بين نوح وآدم عشرة قرون، كلها على شريعة من الحق، فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين» (صححه الألباني السلسلة الصحيحة)، كما أنه من أولي العزم من الرسل الذين دعا الله تعالى نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يقتدي بهم في الصبر ويسلك دربهم في الدعوة؛ ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أَوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُل﴾ (الأحقاف :٣٥)، قال محمد بن إسحاق: ولم يلق نبي من قومه من الأذى مثل نوح إلا نبي قتل.

أرسل الله تعالى نبيه نوحا عليه السلام إلى قومه برسالة التوحيد بعد أن شوهت وحل محلها الشرك، قال عبد الله بن عباس وغير واحد من علماء التفسير وكان أول ما عبدت الأصنام أن قوما صالحين ماتوا فبنى بهم قومهم عليهم مساجد وصوروا صور أولئك فيها ليتذكروا حالهم وعبادتهم فيتشبهوا فلما طال الزمان جعلوا أجساداً على تلك الصور، فلما تمادى الزمان عبدوا تلك الأصنام وسموها بأسماء أولئك الصالحين؛ ودا، وسواعا ويغوث، ويعوق، ونسرا، فلما تفاقم الأمر بعث الله سبحانه وتعالى وله الحمد والمنة رسوله نوحا، فأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له فقال: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مَنْ إِلَهِ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (59)﴾ (الأعراف). 

دعوة الحق

إن أصحاب الحق يحاربون في كل زمان ومكان، قد يطول بهم الزمن وقد يقصر، لكن الأمر اليقين أنهم في نهاية الأمر منصورون وما دام هذا وعد الله فليصبر الداعية ويحتسب.

لقد سلك سيدنا نوح عليه السلام في دعوة قومه كل السبل واتخذ فيها مختلف الأساليب، وجمع بين شتى الوسائل، فدعاهم بالليل والنهار، في السر والعلن، بالترغيب والترهيب، طلب منهم أن يتفكروا ويعملوا عقولهم، فلم يخشع لهم قلب، ولم تدمع لهم عين، بل كانوا صُماً وعُمياً وبكماً، ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَة إِلا خَمْسِينَ عَامًا﴾ (العنكبوت: ١٤)، وكان ممن كفر بدعوته امرأته وابنه! «وما آمن معه إلا قليل قال ابن عباس: رجا نوح عليه السلام الأبناء بعد الآباء، فيأتي بهم الولد بعد الولد حتى بلغوا سبعة قرون، ثم دعا عليهم بعد الإياس منهم. 

مهمة الداعية ومسؤوليته 

لم تكن دعوة نوح ببعيدة عن أهله، فالأهل من الزوجات والأبناء والأرحام هم أحق الناس بها قبل غيرهم، وحين يبدأ الداعية دعوته، فليبدأ بنفسه أولا ثم يثني بأهل بيته، ثم يدعو قومه، وقد قال الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : ﴿قم اللَّيْلَ إِلا قَلِيلاً﴾: (المزمل)، ثم أمره: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِيَن (214)﴾ (الشعراء)، ثم توسعت دائرة الدعوة: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ (الحجر:٩٤)، ومع هذا لم يؤمن به أقرب الناس إليه عمه أبو طالب، وعمه أبو لهب، وتلك حكمة الله التي لا نعلمها، لكن ذلك لم يمنعه من تبليغهم والحرص على هداهم، كما فعل نوح عليه السلام مع ابنه وقومه، فلم يأل أحد منهما جهدا في نصحهم.

لكن أبا طالب يموت مشركاً ويحزن النبي فيقول له ربه: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56)﴾ (القصص)، وحينما حزن طمعاً في إيمان المشركين قال له الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ (البقرة: ۲۷۲)، ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ (الشورى: ٤٨). 

وقد حدث هذا مع نبي الله نوح عليه السلام حين دعا ابنه لركوب سفينة النجاة بالإيمان ﴿وهي تجري بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالجُبَال ونَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبَ مَعَنَا وَلا تَكُن مَعَ الكافرين﴾ (هود: 43)، قيل: هذا هو الابن الرابع واسمه «يام»، وكان كافراً دعاه أبوه عند ركوب السفينة أن يؤمن ويركب معهم ولا يغرق مثل ما يغرق الكافرون، لكن الابن العاق أبى واستكبر واعتقد بجهله أن الطوفان لا يبلغ إلى رؤوس الجبال، وأنه لو تعلق في رأس جبل لنجاه ذلك من الغرق ﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي من الماء﴾ (هود :٤٣)، ويأتيه الرد على لسان أبيه ﴿قالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلا من رحم﴾ (هود : ٤٣)، مازال أبوه يحذره وينصحه، إنها النصيحة الخالصة من الوالد لولده لا سيما ساعة الضيق والشدة، ويأبى الولد ويصر على الكفر والعقوق والعصيان وينتهي المشهد الأليم أمام النبي الوالد؛ ﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (43)﴾ (هود) فليس الوقت الآن وقت محاباة لقرابة أو صداقة، بل كل ينال جزاءه ويتحمل نتيجة ما يعتقده ويؤمن به ويحاسب على اختياره، شأنه في ذلك شأن من معه ممن كفر فأغرق، وما أقسى التكذيب على نفس الداعية حين يكون من أقرب الناس إليه.

رباط الدين.. أم النسب؟: انتهى الطوفان، ونجا الله نوحاً ومن آمن معه، وتتحرك مشاعر الأبوة في نفس نوح تجاه ولده ويتساءل عن مصيره وحاله ﴿ونادى نُوحٌ رَبِّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحكم الحاكمينَ (45)﴾ (هود) وهذا سؤال استعلام وكشف من نوح عليه السلام عن حال ولده الذي غرق فيسأل: قد وعدتني يا رب بنجاة أهلي ووعدك الحق الذي لا يخلف فكيف غرق وأنت أحكم الحاكمين؟ فيأتيه الجواب من الله تعالى واضحاً صريحاً: ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلَنِ مَا لَيْسَ لَكَ به علم إِنِّي أَعظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46)﴾ (هود)، فابنك هذا ليس من أهل دينك ولا ولايتك - وهذا يدل على أن حكم الاتفاق في الدين أقوى من حكم النسب - لقد عصاك وخالفك في العمل والنية فليس منك من لم أهلك يؤمن، ولا ممن وعدتك أن أنجي من لأني وعدتك بنجاة من أمن من أهلك: ﴿إلا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ (هود:٤٠)، فكان هذا الولد ممن سبق عليه القول بالغرق لكفره ومخالفته نبي الله نوحاً عليه السلام، وكان ابنه لصلبه! وفي هذه الآية تسلية للخلق في فساد أبنائهم - وإن كان الآباء صالحين ما بذلوا الجهد في تنشئتهم وتربيتهم ونصحهم وتأديبهم، ولم يقصروا في ذلك. 

وإذا كانت هذه هي الحال والمفارقة في عذاب الدنيا وهو أهون من عذاب الآخرة فإن الحال في الآخرة أصعب وأشد؛ ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَن مَوْلى شَيْئًا وَلا هُمْ يُنصَرُونَ (٤١)﴾ (الدخان)، فلا ينصر المؤمن الكافر لقرابته ولا يدفع ابن عم عن ابن عمه ولا قريب عن قريبه ولا صديق عن صديقه، ويَوْمَ تَقومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (14)﴾ (الروم).

فليعمل كل منا لنفسه وليقدم بين يديه يوم القيامة إيماناً وصدقاً وإخلاصاً خالصاً، فالله تعالى يقول لنا: ﴿لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ (الممتحنة: ٣).


الرابط المختصر :