العنوان السياسات الثقافية.. وحدود الإبداع
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 23-يناير-2001
مشاهدات 63
نشر في العدد 1435
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 23-يناير-2001
حالتان تستدعيان الحديث عن السياسات الثقافية للدول العربية والإسلامية: الأولى تتعلق بمنع وزارة الثقافة المصرية نشر ثلاث روايات تحوي ألفاظًا مخالفة للشرع والأخلاق، والثانية تتعلق بكون الكويت عاصمة للثقافة العربية لعام 2001م.
في الحالة الأولى، سارعت الحكومة المصرية - لأسباب مختلفة - إلى العودة إلى الحق ومنع نشر الروايات الثلاث.. وهو قرار محمود بصرف النظر عن دوافعه وأسبابه، غير أنه يمثل قطرة واحدة في بحر الثقافة المصرية التي تحتاج إلى إعادة نظر وتوجيه بالكامل على نحو ما سيتضح فيما بعد.
أما الحالة الثانية والمتعلقة بالفاعليات التي شهدتها الكويت مؤخرًا، باعتبارها عاصمة للثقافة العربية لعام 2001م، فهي تؤكد أيضًا الحاجة الملحة لإعادة النظر فيما اصطلح على تسميته بالسياسات الثقافية.
من حيث المبدأ تتولى الدولة رسم السياسات الثقافية، اعتمادًا على المرجعية العليا لتلك الدولة، وانطلاقًا من المخزون الثقافي للأمة.. وتوضع تلك السياسات في وثائق أساسية تقوم بتنفيذها المؤسسات الثقافية.
والأمر هنا ذو شقين، الأول هو مدىالتزام السياسات بالمرجعية العليا للأمة، والتي هي كتاب الله الحكيم، وسنة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، ومدى ارتباطها بالمخزون الثقافي للأمة، ومن المؤسف أن نقول إن معظم السياسات الثقافية للدول العربية والإسلامية تعيش حالة فصام واضح مع مرجعيتها ومخزونها الثقافي، حيث تعاني من عدم تحديد الأولويات، ثم الاعتماد على النقل والتقليد الأعمى للغير وبخاصة الغرب، وينشأ عن ذلك اعتماد سياسات تغريب المجتمع أو على الأقل عدم التحرك للحد من التأثير السلبي للتغريب والغزو الثقافي الأجنبي، وهذا يعني أن هناك خللًا في السياسات الرسمية المعتمدة، وهذا أحد أسباب الأزمات التي تحدث باستمرار والتي تعبر عن الهوة العميقة التي تفصل بين الأمة بقيمها ومفاهيمها وبين قلة من المتفلتين المتغربين الذين يسعون بدأب غريب لطعن تلك القيم وتسفيه هذه المفاهيم، وليس بمستغرب إذن والحال كذلك أن تتجدد الأزمات والمشكلات بخصوص تلك التجاوزات، بل من المتوقع أن تزداد اتساعًا مع زيادة إدراك شريحة كبيرة من الغيورين على مصالح الأمة لخطورة عبث العابثين وبدء تقصيهم لما تحويه السياسات الثقافية من مثالب.
أما الشق الثاني فهو يتعلق بمدى التزام القائمين على تنفيذ السياسات الثقافية بمضمونها ومحتواها، فقد يحوي بعض السياسات أمورًا طيبة، ولكن القائمين عليها يوقفون ترجمتها إلى أفعال ويعمدون إلى أمور أخرى، توافق أهواءهم فيعطونها اهتمامًا كبيرًا لا تستحقه، أو يتجاوزون في غياب الرقابة التنفيذية والشعبية، ما استقر عليه المجتمع من قيم وأخلاق، وهنا تستدعي الحاجة إعادة ضبط أداء المؤسسات الثقافية، ومحاسبة القائمين عليها.
وفي الحالين، يعاني أكثر مجتمعاتنا من ازدواجية الحالة الثقافية، حيث قلة متغربة تنحاز سواء عند رسم السياسات أو تنفيذها للثقافة الغربية، وتتعمد إقصاء ونفي الهوية الثقافية للمجتمع بمرجعيتها الإسلامية، وتدمير خصوصيته، وسرعان ما تواجه تلك الأفعال ردة فعل شعبية مضادة تستهدف الحفاظ على الهوية والخصوصية والحال كذلك، فإن الواجب يقتضي إيجاد ما يمكن تسميته عقد اجتماعي ثقافي، تكون الدولة – لا الحكومة – راعية له عبر مؤسسات مستقلة عن سيطرة الحكومة، ويكون من واجب الدولة الشرعي أن تأخذ على يد كل من يتجرأ على المساس بثوابت الأمة.
وحيث إن تنفيذ تلك السياسات الثقافية يتم تمويله من خزينة الدولة، فلا يحق لفرد أن يبدد أموال الأمة، ولو كان ذلك تحت اسم حرية الإبداع، وهو المصطلح الذي ارتكب باسمه ولا يزال عدد كبير من الجرائم.
ومن الواجب أن يفهم القائمون على السياسات الثقافية أن للإبداع أخلاقيات وحدودًا، وقد أرسل الله تعالى الرسل لكبح جماح الوساوس الشيطانية التي تغوي الإنسان بانتهاك حرمات الله ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ (الطلاق: 1)، «إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها، وحـد حدودًا فلا تعتدوها، وحرم أشياءً فلا تنتهكوها» (حديث حسن رواه الدارقطني وغيره).
«... ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه... » (رواه البخاري ومسلم).
ولو كان معيار الحكم على كل عمل هو مدى ما يحويه من إبداع، وكان ذلك مبررًا للدفاع عنه وتبرئته، رغم مخالفته للشرع والقيم لجاز بمنطق أولئك أن تتم تبرئة بعض القتلة والمجرمين إذا ارتكبوا جرائمهم بإتقان وإبداع، أو السماح للص السارق أن يحتفظ بما سرق إذا أتقن جريمة السرقة.
والغريب أن نجد بعض الحكومات يسارع بالتعدي على الغيورين على القيم والأخلاق، بزعم مسهم بالأمن والاستقرار، فيما يترك - وربما يشجع - من يهدم ويحرض على هدم القيم والأخلاق التي هي الركائز الأساسية للأمن والاستقرار.
إن أولئك المحرضين على الإفساد، ومروجي الخنا والانحلال، ينبغي أن يحاسبوا باعتبار أفعالهم تلك كانت دافعًا لكثير من الجرائم الاجتماعية التي تشهدها المجتمعات الآن، كجرائم القتل والسرقة والزنى والاغتصاب وشرب الخمر وتعاطي المخدرات، فالمسؤولية المعنوية لهم لا تقل عن المسؤولية المادية لكل من ارتكب شيئًا من تلك الجرائم أو حض عليها، فكلهم شركاء في الإثم.
وعلى كل دولة أن تأخذ على أيديهم وأن تشرع في مراجعة السياسات الثقافية لديها وصياغتها بما يتفق وثوابت الأمة، وأن تراقب وتحاسب القائمين على تلك السياسات بما يضمن الالتزام بتلك الثوابت ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (المائدة: 3)، وإن شعوبنا المسلمة لا ترضى إلا بما رضي به الله.